أربعة وجوه لقضية مخطوفي دوما الأربعة

ياسين الحاج صالح
2016 / 7 / 16

في قضية خطف سميرة ورزان ووائل وناظم من تعدد الوجوه ما يؤهلها لاكتساب دلالة تاريخية، لا تستنفد بمجرد الإفراج المأمول عنهم، ولا تطاول المعنيين المباشرين بالجريمة وحدهم، من جناة ومخطوفين وأهاليهم. القضية حقوقية أولاً، وسياسية ثانياً، وثقافية ثالثاً، وأخلاقية رابعاً. ويخاطب كل واحد من هذه الوجوه قطاعات مغايرة من السوريين وشركاهم في العالم.

القضية حقوقية أولاً من حيث أنها جناية خطف وتغييب قسري لامرأتين ورجلين عزل، دون أن يكون الأربعة متهمين في شيء، ودون صفة عامة معلومة للجهة الخاطفة، ودون إجراءات قانونية من أي نوع. التغييب المستمر طول عامين وأكثر من سبعة أشهر يجعل من الخطف جريمة بحق أهالي المرأتين والرجلين، تضاف إلى الجريمة بحق الأربعة. وأن يكون والد سميرة قد رحل في غيابها، وكذلك والد ناظم، هو مما يضع في رقبة الخاطفين جريمة أكبر، تنتمي إلى أسرة جرائم الدولة الأسدية: النظر إلى المحكومين كأناس مباحين، يمكن فعل أي شيء حيالهم دون الخشية من أية عواقب، ودون الانضباط بأية أصول أو قيم.
وما يبرز الوجه الحقوقي للقضية أن بين الأربعة محامية ومحام، رزان وناظم، وأن أربعتهم مدافعون عن حقوق الإنسان، وباستثناء سميرة الثلاثة الآخرون ناشطون حقوقيون متمرسون. والأكيد أنه كان للجريمة صلة مباشرة بالنشاط الحقوقي التوثيقي لرزان و"مركز توثيق الانتهاكات".
والقضية سياسية في المقام الثاني. فسميرة ورزان ووائل وناظم معارضون معروفون للدولة الأسدية، جاءوا إلى الغوطة الشرقية ودوما بوصفهم معارضين، وكانوا منخرطين في عمل عام وقت اختطافهم، واختطفوا بالضبط بسبب عملهم العام. والجهة الخاطفة جهة عسكرية سياسية دينية، وسياق الخطف هو سياق سيطرة عسكرية وسياسية واقتصادية متصاعدة على الغوطة الشرقية من قبل تلك الجه التي أخذت تشغل في دوما، منذ ما قبل الخطف، موقع سلطة الأمر الواقع، الأفضل تمويلا والأقوى تسليحاً والأحظى بالدعم الخارجي، وهو موقع تعزز بعد الصفقة الكمياوية في انفصال مطرد عن مواجهة النظام، وفي ارتباط متصاعد بمواجهة قوى محلية متنوعة، وصلت إلى مستوى حرب تصفية في ربيع هذا العام، 2016، سقط فيها مئات الشهداء، ومرت قبلها بعمليات خطف واغتيال واعتقال وتعذيب.
والقضية سياسية بمعنى مركب. فقد وقعت في سياق صراع السوريين ضد دولة الأسديين، وسياق إرادة الفريق المحلي المذكور فرض سلطته على الجميع في دوما والغوطة الشرقية. وقد يتكشف يوماً أن هناك بعد سياسي إضافي، يتمثل في تغيبب شاهدتين على مذبحة الكيماوي، رزان وسميرة (وائل وناظم لم يكونا في المنطقة وقت وقوع المذبحة). في الشهور الأولى التالية للجريمة، طلب روبرت فورد (وكان مسؤولا اميركيا عن الملف السوري وقت وقوع المذبحةظن والصفقة الأميركية الروسية الإجرامية التالية لها)، من بعض مقابليه السوريين ألا يقولوا إن "جيش الإسلام" هو الخاطف. هل كان يحاول إبعاد الشبهة عن ضلع أميركي في الجريمة؟
هذان البعدان، الحقوقي والسياسي، معروفان سلفاً، والمسؤولية السياسة لـ"جيش الإسلام" عن الجريمة ثابتة، وأقرها رئيس مكتبه السياسي في شباط من هذا العام، وقت جرى تسليمه باليد رسالة من "أصدقاء مخطوفي دوما الأربعة" تطلب المساعدة في الكشف عن مصيرهم (لم نتلق رداً على الرسالة إلى اليوم، رغم أن الرجل وعد بالرد في حينه). ويتحمل كاتب هذه السطور المسؤولية القانونية أمام أي جهة مستقلة عن إصراره على المسؤولية الجنائية أيضاً لـ"جيش الإسلام".
ومن وجهيها هذين تندرج قضية سميرة ورزان ووائل وناظم في قضية الاختفاء والتغييب القسري في سورية. الأربعة هم من أشهر المختفين والمغيبين، وهذه قضية لا يتصور أي وقت تعاف وطني سوري دون معالجة عادلة لها، وهناك كثيرون جداً ممن لن يدخروا جهداً كي لا تطوى صفحتها في أي يوم دون محاسبة الجناة والإحاطة بكامل السجل.
ثم أن قضية سميرة ورزان ووائل وناظم قضية ثقافية أيضاً، وبأكثر من معنى. فهي أوثق من أي اختطاف سياسي آخر في سورية بصراع على المعاني والقيم كان سابقا على الثورة، وبلغ الذورة في الثورة، وكانت المجموعات السلفية فيه، الجهادية منها والمجاهدة، المخلب الذي يجهز على المثقفين المستقلين والعلمانيين في مناطق سيطرتها، فيعطي الدولة الأسدية معنى ما كنت تستطيع منحه لنفسها (احتضان ضرب من تنوع ثقافي، وإن مقابل ذمية سياسية أكيدة). سميرة ورزان وناظم ووائل لم يختطفوا حصراً لأنهم علمانيون، اختطفوا لأنهم ثائرون ديمقراطيون مستقلون، اي بالضبط غير ذميين. وهم أكثر من أي سوريين آخرين يجسدون الرابط الوثيق بين الثقافة والحرية، وبين الحرية والانخراط الشخصي في الصراع الشعبي.
ثم أن القضية ثقافية من حيث أنها تطرح، دونما مهرب ممكن، موقع المثقفين اللاذميين في سورية (ليسوا في ذمة الأسديين، ولا في ذمة الإسلاميين)، كما تثير قضية حرية التفكير والحرية السياسية في مواجهة الإسلاميين، وليس في مواجهة الدولة الأسدية وحدها، وتدفع إلى مساءلة جذرية للإسلاميين على أرضية قضايا العدالة والحرية والكرامة الإنسانية والمساواة، والوطنية، وبالطبع استقلال الثقافة. قضية سميرة روزان ووائل وناظم تكسر النسق المجرد والفوقي المتوراث لطرح هذه القضايا، وتزجنا في مواجهتها عبر مثال عملي كبير لا سوابق تشبهه (فوق أن الأربعة امراتان ورجلان، ليسوا مثقفين أفرادا يمكن نسبتهم، مثلا، إلى "الإلحاد"، وما كانوا على صراع خاص مع أي إسلاميين، ولهم تاريخ معلوم في نضال السوريين التحرري المرير ومن مداخل اجتماعية وسياسية تقلل من شأن العامل الإيديولوجي إلى أقصى حد). ولذلك لن يكون التفكير في شؤون العلاقة بين الإسلاميين والحرية والعدالة بعد قضية الأربعة مثلما كان قبلها. نحن حيال أربعة مثقفين مقاتلين، اقترنت الحرية عندهم بالمقاومة الفعلية والمشاركة الفعلية في الكفاح الشعبي، وليس بمثقفي حاشية أو بذميين محدثين. ليست سميرة ورزان ووائل وناظم من يمكن أن يسائلهم أي إسلاميين عن عدالتهم وشرعيتهم، أو يطلبوا منهم تبرير أنفسهم أمامهم. العكس تماماً هو الصحيح. هل هناك من يناظر جدياً في هذا الشأن؟
وصحيح أن هذا الوجه الثقافي لم يجر إبرازه بالقدر الكافي من قبل المثقفين السوريين. مع ذلك نالت قضية مخطوفي دوما الأربعة اهتماماً ثقافياً نسبياً يفوق غيرها.
ويتصل بهذا الوجه الثقافي وجه أخلاقي بارز، يتكثف في أن المرأتين والرجلين العزل، المختطفين والمغيببن منذ ما يقترب من 1000، يوم كانوا لاجئين في دوما، فروا إليها هرباً من الأسديين واحتماء بأهلها. ما كانت سميرة ورزان، ولا وائل وناظم، يتوقعون أماناً خاصاً لأنفسهم، لكن ما كان يخطر ببالهم أن هناك خطراً خاصاً يتهددهم خلاف ما يتهدد كل سكان المنطقة: عدوان الأسديين. لم يكن هذا حتى حال مخطوفي داعش، ومنهم أخي فراس وصديقي اسماعيل الحامض، فهما من الرقة، معروفان في المدينة ولهما فيها تاريخ، ويرجح أنهما اختطفا بتحريض من بعض صغار الدواعش المحليين. ولم يكن هذا حتى حال سمر صالح ومحمد العمر، وقد اختطفتهما داعش من المناطق التي كانت تنحدر منها سمر (الأتارب، في ريف حلب) وينشطان فيها معاً. وليس حتى حال الأب باولو دالوليو (الأب اليسوعي الإيتالي السوري، وهو من أبطال الثورة السورية ورموزها) الذي يفترض أنه ضيف آمن في الرقة. فالرجل "كافر" في عين مهووسين سلفيين، هم... داعش (وهذه ظاهرة تسمم ديني سياسي، نظائرها قليلة في التاريخ)، وهو في النهاية رجل ومفرد.
ولا يزيد هذا الوجه الأخلاقي إلا بروزاً واقعة أن الأربعة معارضون أعرق من خاطفهيم وأكثر استقلالية، ولم يسعوا يوماً وراء امتيازات خاصة أو سلطة على رقاب مواطنيهم. وهم في ذلك أيضاً على تمايز جذري عن الخاطفين الذين صرنا نعرف الكثير عن تكوينهم، عن ملايين الدولارات التي تأتيهم من "الداعم"، عن شبكات اغتيالاتهم، عن سجونهم والتعذيب الجاري فيها، عن التحكم بمعاش سكان المنطقة، وعن تطورهم السريع إلى مركب عسكري ديني تجاري، استنسخ سيرة الأسدية طوال 46 عاماً من تاريخها خلال ما لا يكاد يتجاوز 46 شهراً. الشهور القادمة قد تكشف الكثير، لكن ما نعرفه منذ الآن شنيع.
كقضية حقوقية تعني قضية سميرة ورزان ووائل وناظم مجمل ناشطي حقوق الإنسان والمدافعين عنها. هناك طاقة كامنة غير مستثمرة في هذا الشأن على المستويين السوري والدولي. وكقضية سياسية يفترض أنها تعني جميع الثائرين السوريين. وبصرف النظر عمن ينحازون إلى أي إسلاميين انحيازً طائفيا وغير مبدئي، فإن تشكيلات المعارضة المتنوعة تعاملت مع القضية تعاملاً لا يشرفها، وافتقرت كتشكيلات، كما معظم رموزها، إلى حس العدالة وإلى الشجاعة السياسية والأخلاقية لقول كلمة حق في هذا الشأن. وكقضية ثقافية كان من المأمول تفاعل أكبر من مثقفين عرب وفي العالم، يبرز الأبعاد الفكرية والسياسية والقيمية العالمية لقضية الأربعة، وكان يمكن للنفوذ الرمزي لبعض المعنيين أن يكون عامل ضغط إضافي على الجناة ورعاتهم.
هذه الاعتبارات تكفي لنقل قضية سميرة ورزان ووائل وناظم إلى مستوى تاريخي ورمزي، يصلح أساساً لثقافة جديدة وسياسة جديدة. لكن الفرصة أكبر للقيام بذلك إن عملنا على انتزاع حرية الأربعة، الآن.