تركيا: هُزم الانقلابيون ولم تنتصر الديمقراطية!

ناجح العبيدي
2016 / 7 / 16

انتهت الجولة الأخيرة من الصراع بين المؤسسة العسكرية والرئيس التركي المنتخب رجب طيب أردوغان بضربة قاضية للضباط الانقلابيين وبنكسة كبيرة للجيش. وبغض النظر عن التفاصيل والملابسات وربما الأسرار التي رافقت هذه العملية الانقلابية على الحكومة الشرعية، إلاّ من الواضح أن الضباط المتمردين أساؤا تفسير التحولات العميقة التي شهدتها تركيا في العقدين الأخرين في ظل الحكومة الإسلامية وتصورا بأن مجرد إلقاء بيان رقم واحد من التلفزيون الرسمي سيضمن لهم الانتصار. ومن دون شك فإن رباطة الجأش التي أبداها أردوغان خلال الساعات الحرجة في ليلة 16/7/2016 كان لها دورا حاسما في وأد المحاولة الانقلابية في مهدها وفي تحريك أنصار حزب العدالة والتنمية الاسلامي الحاكم ونزولهم إلى الشوارع لمقاومة الدبابات في خطوة فاجأت الانقلابيين وأربكت خططهم.
يصعب حاليا التكهن بتداعيات هذا الزلزال التركي وخاصة على دور المؤسسة العسكرية، ولكن من المؤكد أن فشل الانقلاب سيؤدي إلى تعزيز سلطة الرئيس أردوغان ولن يتجرأ أحد الآن على مقاومة خططه لتحويل النظام السياسي إلى نظام رئاسي سيتربع أردوغان على قمته لسنوات طويلة. كما أصبح في حكم المؤكد أن ما حدث سيعطي دفعة قوية للنزعات والميول الاستبدادية للرئيس الاسلامي. في المقابل ستجد المعارضة الآن صعوبة في مواجهة عنجهية وسطوة أردوغان المعروف بهما أصلا قبل المحاولة الانقلابية. بل ويمكن لهذا الانتصار أن يغذي جنون العظمة لدى أردوغان الذي يرى في نفسه الزعيم الأوحد حتى قبل الانقلاب.
والأهم من ذلك هو أن العملية البطيئة، ولكن الأكيدة لأسلمة تركيا التي بدأها أردوغان ستتتواصل على قدم وساق وستؤدي إلى تلاشي الطابع العلماني للبلاد. في المقابل ستجد القوى العلمانية نفسها في وضع حرج وضعيف أمام الرئيس المنتشي بانتصاره الكبير.
أما الضربة الأقسي فستكون بالتأكيد من نصيب الجيش التركي وسمعته ودوره العسكري والسياسي في المجتمع التركي. فبعد هذه المحاولة الانقلابية سيفقد الجيش الذريعة التي كان يتعكز عليها بصفته حامي العلمانية والمدافع عن التقاليد الأتاتوركية. ومن المرجح أن ينعكس ذلك أيضا على دوره في حلف الناتو. ولا يستبعد أن يفكر أردوغان الآن بتشكيل قوة موازية للجيش، لا سيما وأن سير العملية الانقلابية وطريقة القضاء عليها يشير إلى وجود شرخ كبير بين الجيش من جهة وبين الشرطة والامن والمخابرات من جهة أخرى.
لكن الجيش لن يكون الخاسر الكبير الوحيد، بل أن من المرجح أن العملية الديمقراطية ستتعرض لضربة قوية وستتراجع خطوات إلى الوراء. ويعود ذلك بالدرجة إلى التهميش المنتظر للمعارضة في البرلمان، بل ولدور البرلمان نفسه وكذلك للحكومة وغيرها من المؤسسات الديمقراطية التي ستتحول إلى تابع للزعيم الأوحد. وبهذا سيعمل أردوغان على زرع مزيد من الاستقطاب داخل المجتمع التركي لتثبيت دعائم سلطته المطلقة.
من جهة أخرى تلقي المحاولة الانقلابية الفاشلة بظلالها على الدور الإقليمي لتركيا. وربما قد تغري مشاعر العظمة الجديدة أردوغان للعودة مرة أخرى إلى أسلوب التوتر والغطرسة والتدخل في علاقته مع الدول المجاورة. ولكن مثل هذه المحاولة لن يكتب لها النجاح على الأرجح بعد الضربة القاسية التي تعرضت لها تركيا جراء هذا التمرد العسكري. وفي كل الأحوال فإن هناك الآن مخاوف كبيرة من ظهور بؤرة توتر جديدة تضاف إلى بؤر التوتر الكثيرة في المنطقة.
وتثير المحاولة الانقلابية الفاشلة تساؤلات كثيرة حول علاقة تركيا مع أوروبا. وكانت دول أوروبية كثيرة وقفت إلى جانب أردوغان عندما بدأ بتقليم أظافر العسكر وتحجيم دورهم في الحياة السياسية. ولكن العواصم الأوروبية تبدي مؤخرا تحفظات متزايدة على أسلوب حكم أردوغان وبروز توجهاته الاستبدادية. والآن وبعد المحاولة الانقلابية سيشعر الاوروبيون بشكوك أقوى إزاء محاولات أنقرة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ويبدو أن هذا الملف مرشح للتجميد لعدة سنوات على الأقل حتى يتضح الموقف في تركيا. من جهة أخرى سيواجه الأوروبيون صعوبات أكبر في التعامل مع أردوغان وأسلوبه المتغطرس فيما يخص أزمة الهجرة واللجوء.
نجاح الانقلاب كان سيعني القضاء على النظام الديمقراطي وانتكاسة خطيرة للعملية السياسية في تركيا والعودة عقود كبيرة إلى الوراء، هذا إضافة إلى احتمال دخول البلاد في صراعات عنيفة كان يمكن أن تصل إلى حرب أهلية مفتوحة. ولكن فشل الانقلاب سيعني ترسيخ سلطة الزعيم الأوحد "أردوغان" الذي لا يفهم من الديمقراطية سوى الفوز بالأغلبية وعلى أن تكون لصالحه.