الملك فيصل الأول والشعب العراقي

جعفر المظفر
2016 / 7 / 16

الملك فيصل الأول والشعب العراقي
جعفر المظفر
ما هو الفرق بين التفاؤل والتشاؤم .. بسيطة , كوب الماء المملوء إلى النصف دائما ما يكون جاهزا لكي يعفينا من مهمة التفكير المضاف لإيجاد تعريف غير ذلك الذي إعتدنا على سماعه. المتشاؤم كالعادة سيخبرك عن النصف الفارغ من الكأس, وربما ستكون له قدرة إقناعك أن تموت عطشانا بعد ان يجعلك تصدق أن النصف المملوء ليس أكثر من سراب. ولأنك إعتدت على ثقافة التلقي والتلقين الذي عطلت فيك كل حواسك, إلا واحدة هي السمع, سوف لن تكلف نفسك بخض الكأس على الأقل لمعرفة ما إذا كان نصف الكأس الآخر مملوءا بماء حقيقي أم لا.
المتفاؤل سوف لن يترك لثقافة التلقي والتلقين ان تعطل بقية حواسه الأربعة : فهو إستمع لما تقوله, لكنه نظر ولمس وتذوق وشرب, ثم ترك لك الكأس فارغة وغير صالحة لمواصلة اللعبة.
من منكم لم يقرأ وصف الملك فيصل الأول لحالة الشعب العراقي بعد جلوسه على عرش العراق. أغلبكم قرأها لمرتين على الأقل, وبدلا أن تنبهنا القصة إلى النصف أو الربع المملوء من الكأس ذهبنا إلى قسمها الفارغ وخلنا أن الرجل شاء ان يقول ما قاله يوما سعد زغلول (ما فيش فايدة غطيني يا صفيه). ولأن عادل إمام لم يقصد إضحاكنا فقط حينما قال لمفتش الشرطة ردا على تسائله عن إسمه ( ما أعرفوش, قابل أنا أحسن من الحكومة) فإن أولئك الذين يعيدون علينا تقييم الملك فيصل لحالة الشعب العراقي, لغرض أن يؤكدوا على أن العراقيين ليسوا مؤهلين لتكوين شعب, سرعان ما يحاولون غلق باب الحوار حول ذلك الوصف الملكي بقولهم ( وهل أنتم أحسن من الملك ليكون لكم رأي مخالف) .
لو إننا تجاوزنا شخصية ذلك الشاهد المُسَطَّح والمُعَّوم الذي جسده عادل إمام خير تجسيد, ولو إننا فهمنا أن إمام أراد أن يبكينا بطريقة ضاحكة, لاسترجعنا بداية دور حواسنا الخمسة وتركنا لها مهمة أن تفحص الكأس قبل أن نصدق ما يراد لنا أن نصدقه حول نصفها الفارغ.
أما نحن, جيل التلقي لا التفحص, فنصف حكاية الملك كانت قد أقنعتنا فلم نكلف أنفسنا لكي نرى ما في النصف الآخر من كأسه.. أماء كان ذلك أم سراب ؟
هل صحيح أن الملك كان قد وصف الشعب العراقي يوم تسلمه الحكم بانه مجموعة متفرقة من الطوائف والقبائل والقوميات .. نعم هو كان قالها, لكن ذلك كان هو نصف الكأس الفارغ الذي لم يقتنع به. ولو أنه كان قد إقتنع لما وافق أن يبقى ملكا على العراق ولو ليوم واحد. بل لعل موافقته تلك وشروعه فورا لبناء دولة عصرية بشعب واحد وحكومة واحدة كان أفضل دليل على أنه كان قد رأى الكأس بنصفيه ثم قرر أن هناك في الكأس ماء يكفي لسد العطش وتحقيق البداية الجديدة.
إن عودة سريعة إلى ذلك التاريخ سوف تذكرنا بان العراق قبل تأسيس دولته الجديدة في مطلع العشرينات من القرن الماضي كان قد خضع إلى حكم العثمانيين لفترة قاربت السبعة قرون, وكان القرن الواحد منها يكفي لشقه وتقطيع أوصاله, فكيف وقد إجتمعت عليه السبعة, ثم إذا بالفرس ايضا يتناوبون عليه, حتى كأن قدره صار أن يكون مداس أقدام, الطالع منه يدوس عليه والداخل إليه لا يرحمه.
إن الملك فيصل, ورغم توصيفه للحالة التي كان عليها الشعب العراقي, لم يتغافل عن حقيقة أن ذلك البلد كان قد حكم نصف العالم لفترة تجاوزت الخمسة قرون هي عمر الدولة العباسية, وانه كان أيضا بلدا لإمبراطوريات متعددة كان من بينها الأكديون والبابليون والسومريون والأشوريون, وهذه بدورها أيضا كانت قد تناصفت العالم مع إمبراطوريات أخرى.
إن جزءا بسيطا من تاريخ هذه الأرض وشعبها يعفينا من مهمة التفتيش عن قناعاتنا في تواريخ البلدان الأخرى. نحن لسنا بحاجة إلى تأكيد واقعية بلد إسمه العراق وشعب إسمه الشعب العراقي من خلال الإتيان بأمثلة تؤكد على أن بإمكان بلدان أن تتأسس وهي تضم أكثر من قومية وأكثر من دين وأكثر من طائفة, بل لعلنا سنقترف العيب إذا فعلنا ذلك