من المسؤول عن ضحايا الكرادة وغيرها بالعراق؟

كاظم حبيب
2016 / 7 / 15

من المعتاد ان يؤكد الجميع بأن المسؤول الأول عن ضحايا الكرادة الشرقية ببغداد وضحايا عموم العراق، سواء أكانوا شهداء أبرياء، أم جرحى ومعوقين، نرجو لهم الشفاء العاجل، هم الإرهابيون الداعشيون القتلة. ولأول وهلة يبدو وكأن التشخيص صحيح، ولا لبس فيه! وواقع من الشهداء والجرحى والمعوقين الذين يسقطون يومياً، وعن الخراب الواسع والدمار الجاري بالعراق منذ سنوات؟ علينا أن نجيب عن هذا السؤال بصدق وبكل شفافية ووضوح.
إن المسؤول الأول عن كل الجرائم التي ترتكب بالعراق، ومنذ سنوات، هو النظام السياسي الطائفي الرث والمتشدد السائد بالعراق، إنها الحكومة العراقية القائمة على المحاصصة الطائفية منذ قيام مجلس الحكم الموقت حتى الآن، إنها الأحزاب السياسية الإسلامية والقومية التي تقود أو تشارك في هذه الحكومة المشوهة منذ أول حكومة في العام 2005، إنها الشخصيات السياسية الرثة التي شاركت وباركت وتبارك وجود حكومة طائفية ومحاصصة ارتكب ويرتكب فيه من جرائم وآثام بحق الشعب العراقي.
والسؤال المشروع هنا هو: لِمَاذا هذا التشخيص للحالة العراقية؟ اليكم باختصار رؤيتي لهذا الموضوع الحساس والمهم، والتي لم ولن أكف عن تأكيدها، إذ أنها تشكل جوهر المأساة والمهزلة الجارية بالعراق منذ نيف وعقد من السنين.
العراقيات والعراقيون، وكذا الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي، يدركون بأن القوى الإرهابية كلها، سواء أكانت القاعدة، أم الميلشيات الطائفية المسلحة السنية الأخرى أم الشيعية، لم تنشأ إلا لغرض القتل والتخريب والتدمير وإشاعة الفوضى في كل مكان، وبالتالي فأن مهمتها الأولى والأخيرة هي القتل على أوسع نطاق ممكن، وهو التخريب والتدمير الشاملين. وإن لم يمارسوا ذلك، عندها ينتفي وجودهم بالعراق أو بغير العراق. إنها المهمة الأولى والأخيرة لهذه القوى المجرمة التي تجد الدعم والتأييد داخلياً وإقليمياً ودولياً بصورة كثيرة ولأغراض عديدة. وهي تعمل على استثمار كل ثغرة ممكنة لتنفذ منها وتمارس مهمتها، مهمة القتل التي جاءت من أجلها. والنظام السياسي الطائفي القائم بالعراق يفتح للقوى المجرمة، بوجوده الطائفي أصلاً وبسياساته وإجراءاته وعلاقاته الداخلية والخارجية وفساده السائد، ألف ثغرة وثغرة لتنفذ منها وتمارس مهمتها الشائنة.
إن المهمة المركزية والرئيسية لأي نظام سياسي بالعالم هي حماية المواطنات والمواطنين من كل الأخطار المحتملة. فهل استطاع النظام السياسي الطائفي القائم الشعب العراقي من شرور هذه العصابات الإجرامية المتوحشة؟ كل الدلائل التي يقدمها الوضع بالعراق، منذ قيام أول حكومة عراقية بعد سقوط الدكتاتورية البعثية الغاشمة حتى الآن، تؤكد بأن هذه الحكومات عجزت كلية عن حماية الشعب العراقي، بل وفرطت باستقلال البلاد وسيادته وسمحت للغزاة الجدد باحتلال جزء من العراق وممارسة الإبادة الجماعية ضد سكانه، لأنها كانت مشغولة بالحفاظ على وجودها في السلطة بغض النظر عما يحدث للشعب الجريح والمستباح، ولأنها كانت مشغولة بصراعاتها الداخلية على السلطة والمال والنفوذ، ولأنها كانت لاهية بنهب خيرات البلاد وتجويع الشعب وإذلاله. فالجريمة ما كان لها أن تنجح وتحقق أهدافها، لو كان النظام السياسي قادراً على مواجهة المجرمين ومنعهم من ارتكاب جرائمهم يومياً بقتل مئات آلاف العراقيات والعراقيين خلال الفترة المنصرمة.
هكذا يفترض أن ننظر إلى الحالة العراقية، وهكذا تنهض أمام المجتمع العراقي مهمة تغيير هذا النظام والبدء بإصلاح سياساته وإجراءاته وعلاقاته الداخلية والخارجية، وخاصة علاقاته مع المجتمع، والكادحين منهم على وجه الخصوص. فالعراق بحاجة إلى دولة مدنية وليس دولة دينية، والعراق بحاجة إلى نظام سياسي مدني علماني، وليس إلى نظام رث يدمج الدين بالدولة والسياسة، ويمارس التمييز بين اتباع الديانات والمذاهب وبين القوميات وبين الاتجاهات الفكرية والسياسية، ويميز بين المواطنين والمواطنات على أساس هوياتهم الفرعية القاتلة، ويدوس بأقدامه على هوية المواطنة العراقية الموحدة والمتساوية والمشتركة، العراق بحاجة إلى نظام سياسي نظيف وأمين وليس إبلى نظام فاسدٍ ومفسدٍ وتابعٍ لأجندات خارجية بعيدة عن الأجندة الوطنية العراقية ومناهضة لها.
إن على الحراك الشعبي المدني أن يواصل تظاهراته ومطالبه المشروعة والعادلة في التغيير وفي ممارسة الإصلاح الجذري لكل ما هو سائد وفاسد اليوم في السلطات الثلاث وفي جميع مؤسسات المجتمع، وإن مطالبة الحكومة الطائفية بإيقاف هذه التظاهرات ليست سوى استجابة للقوى المناهضة للتغيير والإصلاح الجذري التي تقود الحكومة عملياً.