حروب -الربيع العربي- وحرب الثلاثين عاما في أوروبا!

ناجح العبيدي
2016 / 7 / 15

حروب "الربيع العربي" وحرب الثلاثين عاما في أوروبا!
بعد ثلاثة عقود من المعارك التي أكلت الأخضر واليابس وُقع في عام 1648 في مدينة مونستر في غرب ألمانيا "صلح ويستفاليا" ليُنهي حرب الثلاثين عاما التى دارت رحاها في أقسام واسعة من أوروبا. أما في العالم العربي فلا تزال الحروب والصراعات التي أشعل شرارتها الربيع العربي مستعرة منذ أكثر من خمس سنوات، ولا أحد يعرف ما إذا كان الشرق الأوسط سيحتاج إلى 30 عاما لكي يتوصل إلى مايشبه اتفاق ويستفاليا. ورغم أن هناك نحو أربعة قرون تفصل بين المرحلتين التاريخيتين، إلاّ أن الكثير من المؤرخين والخبراء والمحللين الغربيين لم يترددوا في مقارنة التحولات والاضطرابات التي عصفت بالعالم العربي بعد ربيع 2011 بما حصل إبان حرب الثلاثين عاما التي عاثت بأوروبا فسادا في الفترة ما بين 1618 و 1648.
وهناك بالفعل أوجه شبه كثيرة. ولا يقتصر ذلك على الغطاءالديني والمذهبي للحرب والذي تستغله القوى الإقليمية قديما وحديثا لتوسيع نفوذها. فكما كان الصراع بين الكاثوليك والبورتستانت العامل المغذي للحرب الدينية الكبرى في أوروبا في العصور الوسطى، يعتبر الصراع الطائفي بين السنة والشيعة المحرك الأقوى لأعمال العنف والمواجهات غير المسبوقة التي تضرب المنطقة العربية حاليا. وفي كلتا الحالتين تنطبق مقولة المفكر الإيطالي ومؤلف كتاب "الأمير" الشهير "نيكولا مكيافيلي"(1469 – 1527) بأن خوض الحرب يتوقف في نهاية المطاف على أربعة عناصر أساسية هي الرجال والسلاح والخبز والمال. ويبدو أن أوروبا سابقا مثلها مثل العالم العربي حاليا، كانت "تعاني" من فائض في الرجال في سن القتال. ففي الفترة ما بين 1500 وعام 1718 (عام اندلاع الحرب) تضاعف بحسب مؤرخين عدد السكان في أوروبا. وهي نسبة نمو عالية بمقاييس تلك الحقبة. في المقابل تشهد البلدان العربية منذ عقود انفجارا سكانيا غير مسبوق. فبعد أن كان العرب في أواخر ستينات القرن الماضي يتفاخرون بأن عددهم بلغ 100 مليون نسمة، تضاعف هذا العدد أربعة مرات ليقارب 400 مليون نسمة في الوقت الحاضر. وهناك بلدان عربية مثل العراق واليمن والسودان وسوريا والسعودية وفلسطين تُسجل حاليا معدلات لنمو السكان تعتبر الأعلى في العالم وتناهز 3% سنويا. ومن دون شك فإن هذا النمو المُفرط يؤدي إلى اندلاع منافسة شرسة بين الشباب على فرص التعليم والعمل وعلى الثروة والسلطة الأمر الذي يسهل تجنيد الشباب في حروب عبثية. وهذا ما يتجلى في ظاهرة المرتزقة عبر التاريخ. فبعد أن كانت الجيوش في أوروبا تعتمد في القرون الوسطى بالدرجة الأولى على الفرسان ، أصبح المرتزقة (أي المجندون المحترفون أو المجاهدون بالمعني الإسلامي) يلعبون الدور الحاسم في معارك حرب الثلاثين عاما. ويُقدر المؤرخون بأن نحو مليون مرتزق زرعوا الخوف والرعب وارتكبوا جرائم القتل والنهب والسلب والاغتصاب خلال هذه الحرب الدينية الكبرى قبل أربعة قرون. وفي حروب القرن الواحد والعشرين في العالم العربي يُلاحظ أيضا تراجع أهمية الجيوش النظامية في ساحات المعارك في سوريا والعراق واليمن وليبيا وغيرها مقابل الميلشيات المسلحة التي تكتسب أهمية متزايدة. وتجدر الإشارة هنا إلى دور المرتزقة الأجانب في التنظيمات الإرهابية، لاسيما في تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" الذي يضم عشرات اللآلاف من المقاتلين الأجانب زالذين يبدون عادة شراسة ووحشية أكبر مقارنة بالمقاتلين المحليين. غير أن هناك تقارير صحفية تتحدث أيضا عن تجنيد اللآلاف من الشبان الأفغان إلى جانب النظام السوري والتنظيمات المسلحة الداعمة له. وإذا كان الانتماء الطائفي حاسما في تجنيد المرتزقة إلى جانب الكاثوليك أو البروتستانت في المراحل الأولى من حرب الثلاثين عاما، فإن الوضع تغير في المراحل اللاحقة. ولا يستبعد أن تتكرر هذه الظاهرة أيضا في سوريا والعراق واليمن، إذا ما استمر الصراع هناك. وهذا يعني بأن طول أمد الحرب يحولها إلى مصدر ثابت للرزق لأن الكثير من المجندين الشباب يرون بمرور الزمن في القتال المهنة الوحيدة التي يجيدونها. وعلى وقع المعارك يزدهر اقتصاد الحرب حيث يوجد رابحون كبار وصغار يرون في تجارة الموت فرصة لتحقيق الأرباح. وهذا ما تعبر عنه بإختصار "أنا فيرلنج" الشخصية الرئيسية في مسرحية "الأم الشجاعة وأولادها" للكاتب الألماني برتولد برشت والتي تعتبر من أهم الأعمال الأدبية عن حرب الثلاثين عاما، عندما تقول:"الحرب ما هي إلا صفقات تجارية".
وإلى جانب التضخم السكاني ووجود "فائض" في الشباب هناك أوجه شبه أخرى بين المرحلتين تتمثل في التحولات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية العميقة التي سبقت اندلاع الحربين. وهنا يبرز بشكل واضح دور المال كشرط حاسم لاستمرار الحروب. وبهذه الخصوص يصف عالم الاقتصاد البريطاني الشهير "جون ماينارد كينز" فترة ما قبل حرب الثلاثين عاما بأنها كانت "إحدى أكبر فترات انتعاش اقتصادي" في أوروبا. غير ان ذلك لم يكن كافيا . فقد ساعد اكتشاف بعض مكامن الذهب والفضة في تمويل الحرب. لكن الأعباء المالية المتزايدة نتيجة تضخم أعداد الجنود المحترفين (المرتزقة) أوقعت أمراء الحرب من الجانبين الكاثوليكي والبروتستانتي في أزمة مالية حادة. ولحل هذه المشكلة لجأ الأمراء وحكام الدوليات إلى الغش في سك النقود المعدنية المتداولة آنذاك على نطاق واسع. فعملا بالقاعدة المعروفة "النقود السيئة تطرد النقود الجيدة" كان أمراء الحرب يجمعون النقود التي تحتوي على نسبة عالية من المعادن النفيسة وخاصة الفضة ويقومون بإعادة صهرها وخلطها بمعادن أقل قيمة كالنحاس، محققين عبر هذه العملية أرباحا خيالية من خلال جني الفارق الكبير بين القيمة الإسمية للعملة وقيمتها الفعلية. بل وتم في تلك الفترة طرح نقود نحاسية في التداول بدلا من الفضية. ومع ذلك كان المرتزقة يشكون في أحيان كثيرة من تأخر دفع المرتبات أو عدم استلامها على الإطلاق. وهنا يتبقى لديهم "خيار" الاعتماد على غنائم الحرب ونهب المدن والبلدات الخاضعة لسيطرتهم. وبهذا أصبحت "الحرب تغذي نفسها بنفسها" وفقا للعبارة المشهورة التي وردت على لسان أحد قادة المرتزقة في ثلاثية الشاعر الألماني "فريدريش شيلر" عن حرب الثلاثين عاما.
وبدلا من الذهب والفضة والنحاس تولى في العالم العربي الذهب الأسود "النفط" مهمة توفير المال اللازم لإذكاء الحروب المستعرة في العراق وسوريا واليمن وليبيا وغيرها. ومن الملفت للنظر أن الفترة التي استبقت اندلاع ثورات ما يدعى بالربيع العربي تميزت بارتفاع مطرد في أسعار النفط العالمية الأمر سمح للدول النفطية، وخاصة دول الخليج العربية وإيران بمراكمة أموال هائلة لم يكن أحد يتجرأ على الحلم بها. وبفضل انهمار البترودولار نجحت السعودية والإمارات والكويت وقطر في فترة قياسية بتأسيس صناديق سيادية بقيمة مئات المليارات من الدولارات. وبدلا من توظيف النفط كأداة للتنمية أصبح الذهب الأسود بالفعل سلاحا في الحروب الأهلية الداخلية الأمر الذي يؤكد القاعدة القائلة بإن المال الذي يأتي بسهولة يُنفق بتهور. وهذا ما اتضح في إنفاق مئات المليارات من الدولارات في تمويل الميليشيات وفي شراء الذمم واستمالة القادة السياسيين والاعلاميين والصحفيين وجوقة المبررين للحروب الطائفية. ولعب النفط أيضا دورا مهما في تمويل الداعش الذي وُصف بأنه التنظيم الاإرهابي الأغنى في العالم.
وكما تساهم قنوات التحريض الطائفي من الجانبين وفي مقدمتها الجزيرة والعربية وأخواتها من جهة والعالم والمنار وأخواتها من جهة أخرى في شحن أجواء الصراع في المنطقة العربية في الوقت الحاضر، شهدت حرب الثلاثين عاما هي الأخرى أولى الحروب الإعلامية عن طريق توزيع المناشير والنشرات والصحف التي وجدت في الفظائع والمذابح مادة دسمة لزيادة مبيعاتها ولمحاولة زعزعة معنويات الطرف الآخر.
وبعد مفاوضات شاقة دامت خمس سنوات توصل في منتصف القرن السابع عشر ممثلو مختلف الاطراف المتحاربة من ألمانيا وفرنسا واسبانيا والدنمارك وهولندا والسويد إلى اتفاق سلام أنهى حرب الثلاثين عاما والذي دخل التأريخ بإسم " صلح ويستفاليا". ومن دون شك لم يكن صوت العقل والمنطق هو السبب الوحيد وراء الاتفاق، بل كانت هناك أيضا عوامل موضوعية دفعت أطراف الصراع للقناعة بأن الحرب ستعني انتحار الجميع. ومن بين الأسباب الكثيرة التي سهلت التوقيع على صلح ويستفاليا يؤكد مؤرخون على سببين حاسمين، هما نقص الرجال ونقص المال. فقد أدت المعارك الشرسة والمذابح المتبادلة وتفشي الأوبئة والمجاعة إلى تراجع حاد في عدد السكان بلغ في ألمانيا 40%، بل ووصل في بعض المناطق إلى 60% من أجمالي السكان. وإنعكس ذلك في تضعضع صفوف الوحدات المقتالة التي باتت تواجه مصاعب أكبر في تجنيد شباب جدد لكي يحلوا محل الذين سقطوا في القتال. من جهة أخرى أدت أعمال النهب والسلب واسعة النطاق وسياسة الأرض المحروقة إلى تدمير القاعدة الاقتصادية للحرب وإلى خراب الزراعة والصناعات الحرفية والتجارة. وإزاء هذه الخسائر لم تجد أطراف الصراع المنهكة سوى الجلوس إلى طاولة المفاوضات.
والسؤال الهام الذي يطرح نفسه الآن: هل تحتاج الأطراف المحلية والاقليمية في الحروب الأهلية الدائرة في الشرق الأوسط إلى ثلاثة عقود لكي تتوصل إلى صلح ويستفاليا بنسخته العربية؟ وهل ينطوي استمرار النزاعات المسلحة على خطر انجرار دول أخرى كالأردن ولبنان وغيرها إلى أتون صراعات مماثلة؟ أم أن العالم العربي سينتظر حتى يواجه نقص الرجال القادرين على حمل السلاح ونقص الأموال لكي يبدأ أطراف الصراع في مراجعة مواقفهم؟
تشهد بعض مناطق الصراع في العالم العربي بالفعل تراجعا حادا في السكان. وينطبق ذلك بشكل خاص على سوريا التي فقدت جزءا كبيرا من سكانها حيث تقدر الأمم المتحدة عدد ضحايا الحرب الأهلية حتى الآن بنحو 300 ألف قتيل. ولكن العامل الأكبر يتمثل في موجة الهجرة والنزوح التي شملت الملايين من الشباب خاصة. وفي ظل هذه الظروف بدأت الأطراف المتحاربة بحسب تقارير صحفية عديدة تواجه صعوبة في "ملء الفراغ" في صفوفها نتيجة سقوط قتلى وجرحى وجراء الهروب من وليات الحرب. من جهة أخرى شهد عامل المال تغيرا جذريا. فبعد انهيار أسعار النفط المستمر منذ منتصف عام 2014 بدأت حتى الدول النفطية الثرية تعاني من مصاعب مالية وأضطرت للإعلان عن برامج تقشفية. وقد يدفع هذا الوضع السعودية وإيران والقوى الإقليمية الأخرى لمراجعة مواقفها والتوقف عن إهدار أموالها في حروب بالوكالة لا معنى لها.
غير أن كل هذه العوامل لن تؤدي إلى إيقاف سريع لحروب "الربيع العربي" ما لم يترافق ذلك مع مراجعة للفكر، وخاصة الديني. وهذا ما أثبتته تجربة حرب الثلاثين عاما. فقد حصل في أواخر هذه الحرب تحول في الوعي السياسي من تبرير الحرب نحو إرادة السلام. وتجسد ذلك أيضا في تراجع حدة الصراع الطائفي بين الكاثوليك والبروتستانت وبدء نوع من التقارب بين المذهبين والاستعداد للقبول بحرية العقيدة. كما شهدت هذه الفترة العنيفة بالذات ولادة إرهاصات فكر التنوير الأوروبي. ففي السنوات الأخيرة من حرب الثلاثين عاما قام الفيلسوف الفرنسي "رينيه ديكارت" ببلورة منهجة الجديد القائم على مبدأ الشك، موجها بذلك ضربة موجعة للعقائد الجامدة للكنيسة التي حاولت منع انتشار أفكاره ولكن دون جدوى.
وقد يشهد العالم العربي هو الآخر تحولات فكرية تمهد لمشروع تنوير عربي جديد يساعد في الخروج من المأزق التاريخي الذي دخلت فيها المنطقة.

د. ناجح العبيدي
14/7/2016