( بوذا ) إذا استمعَ إلى نكتة الحشاش !

ليندا كبرييل
2016 / 7 / 13

السفر إلى بلاد كونفوشيوس ليس نزهة ممتعة كما ظننت !
كانت صدْمتي الحضارية الأولى وأنا أواجه انقلاباً هائلاً، تكلفته كبيرة على شخصية قادمة من بلد العقل الواحد ؛ فكرياً وعقائدياً . استعنتُ على سدّ فجواتي المعرفية بثقافة غريبة، لكني كنت في موقفِ دفاعٍ عن العقل الذي يُحِلّ الخروج عن الخط السائد.
ولكن .. كيف ستمضي أيامي والمشترَكات غائبة بين ثقافة آسيا الشرقية التي كان عليّ أن أكتسبها، وبين ثقافة حياتي التي تنْدى روحي عشقاً بها ؟

فجأة .. أصبح وَعْيي مُمتنِعاً على استيعاب العقلية الكونفوشية ! ليس أشدّ مضْيَعة من علمٍ يُمنَح منْ لا استحقاق له.
كنت في مرحلة البلبلة والارتباك والتخبّط والخابِط والمخبوط.
حِلّوا عن سمائي يااا ~~ حُبّاً بالله !
أولئك آبائي فجِئْني بمثلهم ، إذا جمعَتْنا يا ( بوذا ) المجامع !!

كنت أقرأ " كونغ فو " ومجتمعه بميولي الأخلاقية الموجَّهة، ونزعاتي الثقافية المُقولَبة التي درجْت عليها في بيئتي الأصلية، حيث كل مادة في الحياة لا يمكن تناولها إلا من خلال قياس العمل بنتائجه.
أرشدَني " كونغ " إلى أنها نظرة أنانية نفعية، لا يَعْنيها صالح الآخر، وموقف غليظ يُجافي الإنسانية، إذ لا يهْدف إلى التطهّر الذاتي ابْتغاء تحسين الصالح العام.
لمسْتُ الإنسانية في قوْل كونغ، حيث لا يُقاس العمل فيه بما انتهى إليه من مَآلات، حتى لو جاءت النتائج عكس المُرتجَى، بل بمشروعية الوسيلة الأخلاقية في تطبيق الهدف وفق القوانين الموجودة.

كنت أفكر بمعنى كلام كونغ فو هذا وأنا أستمع إلى طالب كلية الطب، كيف حصل على درجة عالية في مادة الرياضيات في امتحان الثانوية الذي يؤهّله لدخول الجامعة، عندما حدثنا متفاخِراً وهو يضحك، كيف سجّل النظريات الرياضية على ورقة استعان بها خِفْية لحلّ المسائل، ويؤكد أنه لولا ذلك لما حلم بكلية الطب . ولما عاتبتْه زميلة على أنه إذا كان قد استطاع خداع المراقب، فإنه الله رأى الغش في عمله، ردّ ببساطة أين الله والكل يفعل ذلك، حتى المراقب نفسه كان يساعد أحد الطلبة في الحلول !

كنت أترعْرع في وسط جديد عليّ، يُغذّيني بتجليات العقلية الكونفوشية التي تتبدّى في مظاهر الحياة بكل تحدّياتها، من أعْمق نقطة في البيت إلى أعمق نقطة في العمل، مروراً بالمدرسة وبمراكز النشاط الاجتماعي . بيئة تعشق التوافق المتوثِّب .. تضجّ بالنشاط والنظام والحماس، و ..
وقليل من الهزْل !
وأنا القادمة من بيئة تتزاحم فيها المخمّسات الذهبية ؛ فالكل ـ ما شاء الله ـ يعلم كل شيء، ويتكلم في كل شيء، وقلّما أنتج في شيء ! مجتمع يسْتحضِر هويته في مشهد تدافُع الفوضى، وحياته تكتظّ بالسخرية ؛ تبدأ تحية الصباح فيها بنكتة عن الفيل والنملة على فنجان قهوة، وتنتهي تحية الوداع بنكتة عن حشاش، وأدخنة النارجيلة تحلّق بأحلام مهدورة لشباب في عمر الزهور، والخمول وقراءة الطالع قدَر المُخزَّنات المُخدَّرات في الخدور، المُنصرِفات عن العالم ومشاكله، المُخبِّئات أعمارهنّ انتظاراً لوزنها بالذّهب ـ إن شاء الله ـ .
الهَدَر من الناس في أرض كونغ ساقِطٌ في الفوارغ، والساكِن إلى الدِّعة والراحة جدير بالهوان، لا خير فيه !

مرة يتيمة واحدة لا ثانية لها، ترجمتُ نكتة لصديقة صينية . تقول النكتة : بعد أن شفي حشاش من كسر أصابع يده، سأل الطبيب : هل أستطيع أن أعزف الآن على البيانو ؟ فردّ الطبيب : طبعاً، بكل تأكيد . فأجاب الحشاش : غريبة، مع أني لم أعزف على البيانو بحياتي . كنت أضحك وأنا أذكر جواب الحشاش للطبيب، لكن الصديقة كانت تبتسم فقط، ولما انتهيتُ، انتظرت ردّ فعلها، فقالت لي : تضحكين قبل أن تُنهي النكتة، ماذا حصل بعد ؟ فاستغرقتُ في الضحك . حتى دمعت عيناي !

أرهقتْني المقارنة بين العقلية الكونفوشية، والعقلية الخنفشارية . بين منْ (يقوم) إبداعه على كفاءة لغة العقل ؛ أهل الثقافة الصَمْتيّة والعمل .. وبين من (يرتكِز) إبداعه على النقل والأناشيد العاطفية ؛ أهل الثقافة الصَوتية والهزل.
شغلَني زخم التجربة فأنْساني شَوقي إلى تعاليم " كونغ " وأفكاره . ولا أدري كم من الوقت مضى حتى بدأت أعتاد غيابه عني . وبغيابه نسيتُ الشمس والجبل وإله البحر بوسيدون.
والحقيقة أن كونغ لم يفارقني أبداً ؛ كان مُلتصِقاً بروحي ومع كل خطوة أخطوها !

وبدأت ضغوط الحياة الجديدة تتكاثر عليّ، وتمكّنَ الإرهاق مني.
جاءكِ كلامي !
لو ظللتِ تعيشين في أحلام كونغ فو المثالية، لَمَا وقعت فريسة الحمّى، لكن البحث أضناكِ ! أنتِ بالمختصر المفيد عاجزة عن استيعاب الفكر الواقعي . نقطة على السطر !
بدا اعترافي لنفسي مفاجِئاً لي . أردتُ الالتفاف على عقلي الباطني، والحُمّى الشديدة تجتاح كياني.
آه ~ شرّعْتُ العقل لفلسفة كونغ، وشرّحتُ له الصدر، فهل كان السابع من الشهر السابع بداية الهموم ؟ أثَمَّة ممْلكة لك يا الله أهاجِر إليها فأعيش في اطمئنان وسلام ؟ هم العاجزون عن استيعاب قيمي الثقافية.
لا تجُرّيني إلى حديث عقيم !!!
ماذا ؟؟
لشدّ ما أضحك الآن، وأنا أراكِ تُحاكمين واقعاً جديداً عليك بمقاييس ثقافتك المطهَّرة النقية من العيوب، فتتجهين تلقائياً لحسْم أية مشكلة بالاستبعاد والاستعلاء !
التفتُّ بغضب إلى باطني وصحتُ : لا أسْتعلي يا هذا، ولكن تُريبُني سلوكياتهم الدينية، إنها .. أقرب إلى ال .. خرافات . نعم خرافات !!
هه ! ما ليس داخلاً في إطار رؤيتكِ هو دخيل أو خرافة . مَنْ عيّنك مسؤولة عن أخلاقيات الكون وتربيته ؟
أخلاقيات الكون ؟ لعلمكَ نحن أمها وأبوها.
هاهاها تمتّعي إذاً بخرافاتكم . تمسّكي بحقيقتك كما تشائين، على الأقلّ اتْرُكي للآخر الحق أن يتمسك بحقيقته الروحية كما يراها . سلام.

أنتِ !! بلا جدال ليس لكِ إلا هذا الشيطان يصارحك بالحقيقة التي تتطلّعين إليها .. إذا اندثَرَ باطنك فلا قيامة لعقلك . هلمّي إليه . وقفتُ حِيالَ باطني وتمتمت بقلق :
ولكن .. منطقهم الجاف وعقلهم النفعي الحريص على القرش، يكاد يطغى على الروحانيات، حتى تعبّدهم لآلهتهم يتحكّم فيه المنطق المادي.
هل أفهم أن عباداتكم لا يتحكم بها المنطق المادي ؟ اسْمعي، سأكون قاسياً ! عودي إلى قواعدك سالمة ما دمت تهِيمين بالمثاليات والأخلاقيات التي تربَّيت عليها . مشكلتكِ أنك لا تسألين كيف حوّل أبناء كونغ وبوذا أخلاقيات فلاسفتهم المثالية إلى فكر واقعي، في عالم الصراع الاقتصادي الذي لا يقوم على القيم الدينية . عالم المصالح يضرب المثل في مستوى تحقيق المنفعة الذاتية من خلال تحقيق الصالح العام.
يبدو لي يا صاحبي أننا لن نتفاهم.
لأنكِ تطمعين فقط في معرفة : كيف لشعب أن يعيش في سلْمٍ وفيه مئات المذاهب والطوائف، ويعبد آآآآآلهةً وأحجاراً وبحاراً وأشجاراً، ولا يتوكّل على ربّ واحد، أن ينطلق صاروخاً حَداثِياً فيمزّق حُجُب السماء ؟!!
ممم ~ صحيح.
لا عجب، وأنت الآتِية من مجتمع تنهكُه الطائفيات المتناحِرة، ويتحكّم فيه القانون الإلهي المُميِّز فيَعْلو قوم على قوم . أنتِ الآن في مجتمع يتساوى الجميييييع أمام قانون مدني وااااحدْ ، فتلتقي القبضات كلها على رفعة الوطن.
صحيح.
صحيح صحيح ! لكنكِ لا تعترفين بأن مثالية التعاليم الدينية تخلق إنساناً مُتقوْقِعاً خائفاً من اقتحام المجهول، كارِهاً للمعايشة السلمية، ولا يطْمَئن يقينه المتصلِّب ما لم يصغِّر ويهمِّش الخارج عن قائمة مسلّماته !!
آآه يا رأسي ~ صَهٍ أيها الباطن ! أنا منفتِحة على الحياة بكل اختلافاتها.
هاهاهاهاها ..
ماذا ؟؟! هل ترى أيها الجاحِد في اعتصامي بإيماني القويم بدعة أُحاسَب عليها ؟
الإيمان القويم ! ههههه .. المنفتِحة على كل الاختلافات لا ترى السداد إلا في فكْرها وإيمانها ! لعلمكِ، الكل يرى الكمال في ما يعتقد به ويبحث عن النواقص في الفكر النقيض . هلّا جلستِ على كرسي الاعتراف لِتقرّي بأنك اسْتصْغرت ذلك الهندي وهو يقف بخشوع أمام إلاه سلالة الأفيال ( غانيشا ) ؟ وذاك الذي يستحمّ في النهر المقدس فيغتسل من خطاياه ؟ وهلّا حاسبْتِ عينيك على نظرة الاستهزاء من السيدة الأندونيسية، التي أبلغتْك أنها وزوجها سيتجهان للحج إلى جبل ( جونونج كيموكوس Gunung Kemukus) في وسط ـ جاوة ـ ، لممارسة الجنس مع الغرباء في أيام عديدة كطقس ديني قديم، سيحمل لهما الحظ السعيد في الحياة والثروة والنجاح ؟ وبلغتْ سخريتكِ ذروتها عندما قالت لك إنها ستعود مرهقة، لأنه ينبغي على الحاجّ أن يضع الزهور على قبر مقدس وتلاوة الصلوات، ثم ممارسة الجنس سبع مرات متتالية في نفس المكان لإتمام هذه الشعيرة ؟ أم أنك لا ترين غضاضةً في الاسْتخفاف بصلاة البوذيين في معابدهم، وهم يهزّون حبلاً يعلوه جرس فيرنّ لتنبيه الإله إلى حضورهم مع التصفيق مرتين، ليلتفت إلى رجائهم إبعاد الشرور عنهم ؟ أو استسْخاف الوليمة الرمزية المقدَّمة للآلهة من طبيخ البيت لتناول الطعام معها ؟ ضبطْتُك .. فلا تنكري ! هاتي حدّثيني عن سذاجاتكم التي تحجب عين الشمس ! الحياة أوْسع من ذاكرتك المنغلِقة على تشويه المختلف.
كفى ! هذا إلاه فيل، وذاك إلاه بقرة، هنا جبل جنس مقدس، وهناك صخرة موقَّرة، وصنم أحاطوا عنقه بصَدرِية حمراء كطفلٍ وعلى رأسه قبعة .. هه
لكل شعب ثقافته، والحياة ماضية مع هؤلاء الذين تسخرين منهم في أعماقك، لكنها لا تمضي مع أصحابكِ السماويين ولا تنتظركم.
وصليبِ سيّدنا لأذهبَنَّ غداً إلى الكنيسة !!
.....
كعادتي، أشعلْتُ الشموع لقلوب البشر، وسلام العالم.
ركعتُ، ثم جمعتُ كفيّ ورفعتُ رأسي إلى السماء، أطلب الشفاعة أمام شخوص المقدّسين.
يا مار يوحنا أبْعِدْ عن قلبي قبضة القلق.
يا مار بطرس اُسْكبْ في روحي فَيْض اليقين.
يا مار يو ....
مَهْـــــْـــــلاً .. مهلاً.. لمنْ الدعاء ؟ بالأمس استهنْتِ بعبادة البوذيين لحجرٍ لا يهشّ ولا يبشّ ! أتُناجين تمثالاً كتماثيلهم صنعتْه يد بشرية لن يستجيب مهما تضرّعتِ ؟
ركبَني الحرج . ولّيت وجهي صوب الهيكل.
سلاماً للقلوب من لدنك الكريم يا سيدي المسيح واَعِنّي على أزمتي.
كان لا بدّ أن أتابع مناجاتي لمسيحي ، لكن الكلمات تعثّرتْ على لساني.
كل ما في الكون رافِعٌ رأسه يصلّي إلى الله، إلا الشيطان إذا أربكتْكِ جُرْأته عليك أخْفضْتِ رأسك، ووقفْت مخاطبةً الله وأنت ناظرة في الحائط أمامك :
بماذا يختلف عني الهندوسي المتعبّد أمام الإله غانيشا ؟ أو الشنتوي وهو يصلي أمام إله البحر ؟ وبماذا تختلف عني أمّ علي وهي تتمسّح باكيةً بمقام الست زينب ؟ أو المهروِلون بين الصفا والمروة ؟ ما الفرق بين ذائقيْ عسيلة المتعة في بلدي وبين حجاج الجبل المقدس الأندونيسي ؟ لا البوذي يرى إلهه ولا أنتم ترون إلهكم، ألا يصلي الكل بطريقته ويتعبد ؟
تقاذفتْني الشكوك.
أين أنت يا الله مما يجري على جبل جونونج كيموكوس الأندونيسي في أكبر بلد يحمي دينك الذي لا تقبل سواه، حجّاجه بالآلاف من الحكوميين وأبناء شعبك المؤمن ؟ هل يرضيك أيها المهيمِن الجبار أن يطول المقدَّسين من أهْلك هذا الذي لا يتنفّس إلا بإذنك ـ إبليس ـ ، ويتوعّد بإغوائه عبيدك إلى يوم الدين ؟ ويذعر هذا الشيطان أمام الصنميين أهل كونغ وبوذا ؟ ويَضلّ الجنّ عن ركوب نسائهم ؟ ويلوذ منكر ونكير بالفرار من قبورهم ؟
إلهي .. أرشدْني إلى دينك الصحيح الذي بنقيضه يكون الافتراء والبُهْتان.
اَرسِلْ لي مرشِداً يا المقتدر يا المجيب.
وكان أن أرسل لي الله منْ فتح عيني على حقائق أخرى في الحياة.
وكانت " مينامي ".

" مينامي " اسم لسيدة يابانية خدمتْ ذاكرتي بأحداث مفعمة بالحيوية، فأوقدتْ حياتي بهجةً في فيضِ ذكاء ومرح، بدآ يتواريان شيئاً فشيئاً خلف ظلال ثقيلة من شخصية أصبحتْ ضائعة الحيلة أمام نوبات عصبية، ترمي بها إلى طرفَيْ أقصيَيْن يعتصِران كل بارقة عقلية ؛ فإما أن ترى مينامي في ضيق شديد، أو هي في انفتاح بلا حدود.

عندما عرفتُها كانت ما زالت تتوقّد فلسفةً وحكمة، لكن مصائب الحياة أفقدتْ مناعتها مقاومة الأمراض، حتى أصبحتْ عاجزة عن ترجمة هذه الحكمة إلى نفْع للمجتمع في المرحلة الأخيرة من حياتها.

عندما بلّغوني نبأ اعتبارها في عداد المفقودين في التسونامي الذي اجتاح اليابان يوم 11 مارس - آذار 2011 ، أرهفتْ الذكرى سمْعها للماضي، فقفز لقائي الأول بها ليرسم ابتسامةً حزينة ودمعة تغلف العين.
دخلتْ حياتي كالتسونامي وحكَمها قدَر كالتسونامي فرحلتْ " مينامي " حقاً بالتسونامي.
في أرض آلهة الشمس، ومستقرّ بوذا وكونغ فو، بدأتْ حكايتي معها منذ اثنين وعشرين عاماً ..

يتبع

الرجاء التفضل بقراءة الموضوعين السابقين لربط الأحداث


فإما نجْم كالشمس، وإما قزم كبلوتو!
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=511188

وكنتُ كآدم الذي أكل التفاحة
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=518223