صناعةُ التراث: لماذا لا نُغيِّر المفاهيم؟!

سامي عبد العال
2016 / 7 / 13

ليس التراثُ ماضياً كما نظن. إنَّه ابتكار يومي لو أردنا أبداعاً وتأثيراً. لأننا كائنات إنسانية محكومة بالمستقبل. فالمستقبل حكم أبديٌّ مؤجل تبعاً لقوانين التاريخ. بالتالي علينا أن نلتقيه في الصباح الباكر مثلما ولد بالمساء الحالك. وحدّه الإنسان هو الموجود الذي ينظر تجاه كلِّ الأشياء. عيناه ليستا في قفاه لكنهما في جبهته بالمعنى اليوناني. فجميع منحوتات اليونان وتماثيله بارزة الوجه. إذ يشكل الأخير ثقلاً في اتزان الرؤية والآفاق. وأيا كانت زاوية النظر فالرأس لقطة التحدي بعيون ثاقبة. لأنَّ اختراق الحُجب طاقة كامنة في العين. فثمة رواسب داخلها هي الوجود بذاته ماضياً ومستقبلاً.
وذلك ضرب من السير الزمني نحو المجهول. فالدازينDasein(الموجود هناك) بمصطلح هيدجر يتعين بالزمن في وضع آنيٍّ(الإنسان). وبذلك يمارس جسَّ نبض المصير. ليتساءل باستمرار: ماذا سأفعل غداً؟ ماعلاقتي بالوقت؟ كيف سأكون هنا دون هناك؟! ماذا عن خطورة الغد الذي مر بالأمس؟!
هكذا يستنطق هيدجر تاريخ الفلسفة بوصفه تاريخاً داخل تراث نوعيٍّ علينا ابتكاره بشكل جديد. إذ يرى إمكانية تحرير التراث عن طريق تحرير التصورات التي تغرق فيها الفلسفة من حقبةٍ إلى أخرى. يؤكد في مقال ما الفلسفة: التراث لا يربطنا بقيود ماضٍ لا يعود، ذلك إن ارتباطاً من هذا القبيل إنْ هو إلاَّ تحرير يتحقق في ذلك الحوار الحر الذي نجريه مع ما كان. ويكاد يمرق هذا التحرير إلى تحرير رؤى العالم والحقيقة والزمن.
فنحن رهن تحولات الأقدار مع الحوار الحر. لا مفر ولا التواء في تلك القضية الشائكة. كيف نقيم حواراً خلاقاً مع ما مضى؟! بأية طرائق نحتضن ذاكرتنا في أشكال مبدعةٍ من الضيافة الجديدة؟ فالحرية تحطم أية مفاهيم تكبل العقل. كما أنها تصنع ماهية ووظيفة مغايرتين للموروثات لا كما هي جامدة. وأي تراث لا نتعامل معه بواسطة تلك الإمكانية الأبعد لن يكون إلاَّ أجولة من رمال صماء!! تقيدنا عن التطلع إلى القادم. كما تعيق إرادتنا بسبب ما يشدها خلفاً. فالمجتمعات التراثية لهي مجتمعات مثقلة بتلك العلاقة المرَّضيَّة بتراث تحمله لا يحملها. مثلها مثل الحُمار يحمل أسفاراً. هذا التوصيف الديني الجاري على أمة ترعى في أدغال الماضي. لا تدرك ماذا ينتظرها من أخطار ولا تلتفت إلى أي مجهول سيبتلعها. فالحيوانات تساق إلى مذابح القرابين دونما أن تعلم ماذا يترصدها. لو كانت الخراف تعرف مصيرها لكانت قد هربت مع الريح!!
دلالة التراث في الثقافة العربية مشتقة من وَرِثَ، يَرِثُ، إِرْثًا. إنها تنقل المآل لا الآمال ولا الطموح. وهي التحدر الزمنى لوضع كان قائماً إلى وارث ما. جاء عن ابن الأعرابي: الوِرْث والإِرْث، والوِرَاث، والإِرَاث: والتراث واحد. وقال ابن منظور "يقال ورثت فلاناً مالاً وأورثه ورثاً إذا مات مورثك فصار ميراثه لك" (ابن منظور، لسان العرب، الجزء الثاني، تحقيق نخبة من الأساتذة، القاهرة، د.ت. ص 4808).
وفي القرآن وردت كلمات من قبيل (يَرِثُ)، في قوله إخباراً عن زكريا( هب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب)، أي يبقى بعدي فيصير لميراثي. وقال ابن سيده: إنما أراد يرثني ويرث من آل يعقوب النبوة". ومن قبيل (التراث)، في قوله: (وتأكلون التراث أكلا لمّاً. وتحبون المال حباً جماً)؛ أي (وتأكلون أيها الناس الميراث أكلا لماً). وكذلك في قوله (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابقٌ بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير).
ويمكننا الاشارة إلى ما يلي:
1- كلمة التراث تنقل المعنى المادي لا الابداعي ولا الفكري. بل سيتقبل الإنسان الميراث كما هو في بعدٍّ دلالي هو الأهم على المدى الطويل فكراً وتاريخاً.
2- تلتبس بمعاني التراث فكرة القيمة. سواء ما كان منها مرهوناً بالميراث نفسه أو بمصدره كما أشار القرآن إلى وراثة الكتاب(الوحي).
3- يمثل الاقتصاد الرمزي للتراث اقتصاداً غير قابل للنمو ولا للتطور. فكيف سيكون ذلك وهو مرهون بالماضي دوماً. فهناك دلالة الحفظ بمنطق الأبوة والتقاليد.
4- لم تشر الكلمة إلى الجانب المستقبلي في التاريخ. فالموروث دوماً بصيغة الوضع الفائت. والذي يحدث كمفعول انتهى فعله وفاعله.
5 – يعبر عن الاستهلاك ليس إلاَّ. كما في أكل التراث بمدلول الأموال.
6- نزعت كلمة التراث المسؤولية عن الوارثين سلفاً. فهم مستقبلون فقط.
7- ضاقت زاوية العطاء والمنح والهبة التي تتضمنها الكلمة. ومع أبوية المجتمع العربي ضاعت نغمة الانفتاح من حيث كون التراث حياة تحتاج إلى حياة أخرى للمتابعة والتواصل.
8- ارتبط التراث بالغاية الكبرى منه. وهو النهاية لدى وارث حقيقي هو الله. كما يقول ابن منظور الوارث اسم من أسماء الله. وبالتالي لن تصب الكلمة في فعل إنساني.
وعليه فإنَّ مفهوم الصناعة غائب لدينا في التعامل مع التراث. مع أنه كان بارزاً في تاريخ المعارف العربية: صناعة الشعر، صناعة النحو، صناعة الحكمة، صناعة المعاجم، صناعة الطب...وهكذا.
كان يُقصد بالصناعة الوظائف الحرفية إلى درجة الابتكار. وبذات الوقت يتم التفنن في ابداع المواد المعرفية والفكرية واللغوية. وجعلها قابلة للتداول في سياقات الثقافة. بذلك لا تنطوي المواد على قوى خارقة. ولا تعد ماهيات عصية على التنوع والاختلاف. كل مادة قيد التوليف، الموالفة bricolage بعبارة ليفي شتراوس عندما كان يدرس الأساطير في أمريكا اللاتينية. إذ اعتبر القصص الأسطورية أبنية تقوم على تيمات تتآلف مع بعضها البعض. بحيث توفر رؤى متماسكة حول الأشياء والعالم. إنها أشبه بالموسيقى البوليفونية متعددة الإيقاعات والنغمات والأصوات polyphonic music.
صناعة التراث مصطلح يدمج الإبداع بالقدرة على الانتاج المعرفي. ولا سيما أنَّ أرصدة التراث لدينا كبيرة جداً. كما أنها ثرية كرأسمال رمزي في شتى المجالات فكراً ولغة ومعرفةً. وبهذا فالتراث يحتاج حذقاً فكرياً وحياتياً من نوع مغاير. ليس وضعه مأخوذاً من الرجوع إليه هنا أو هناك. ذلك لكون التراث حاضراً في تفاصيل وظلال الحياة. فرغم من مظاهر الحياة المعاصرة لكنها تنطوي على موروثات لا تغيب مع غياب الأزمنة. إن التحولات السياسية والاجتماعية لم تفلح في تأكيد أية قطيعة مع الماضي. بل مفهوم القطيعة كان مفهوماً خاطئاً. لأن التاريخ ليس طباقاً منعزلة من الواقع. إنه متصل بشكل مذهل. لدرجة أنَّ عصوراً وأفكاراً مازالت تنضح بما يستقر في مجراها من وقت طويل.
وجميع المجتمعات التي تتصالح مع تراثها استطاعت تجاوزه. ليس التجاوز قطيعة بحال. إنه تأويل لا يتوقف عن التُّجدد. كما الربيع حين يزهر ويعبر - بلغة اليونان-عن أعماق الفيزيس physis...تلك الطاقة النامية الدالة على تفتُّح الكل. ما لم يتجدَّد التراث داخلنا ونتجدد داخلة لن نبلور صيغة متفردة للعيش معاً. وأكبر أزمات العرب أنهم شعوب تراثية بلا تصالح تأويلي فذ مع التراث. إنهم أصحاب موروثات لكن ليسوا صانعي تراث. ولذلك عجز العرب عن الإضافة إليه. فهو لا يعدُّ كذلك متصلاً إلا بالإضافة والتراكم. حتى ولو كان آتياً من المستقبل.
وهنا لابد من التفرقة بين الموروثات والتراث. الأولى مظاهر وأفعال ومذاهب متفردة تأخذها كل جماعة بشرية للتمايز عن غيرها. الأمر الذي يدعو إلى تناقض الموروثات بقدر إحاطتها بسياج أيديولوجي صارم. كما يحدث لدى السنة والشيعة. هم يمتلكون موروثات وليس تراثاً. ولهذا نجدهم منغمسين في صراع لا يبقي ولا يذر. وهو صراع تحت الجلد وتحت الرمال الطائرة وداخل النصوص وفي الفضاء الإلكتروني. ويشكل نمط التربية وشروح النصوص الدينية والتنظيرات لمظاهر الحياة والموقف من التحولات السياسية والمعرفية.
أما التراث فشأنه الرؤى المتماسكة فلسفياً التي تخاطب الإنسان في كل زمان ومكان. إنه الإبداع الكلي لماهية الأفراد والجماعات. بحيث يتجدد الشعور بالماضي كوجود عام يمد أصحابه بذخيرة حية. ويصنع من الثقافة طاقة على السير وسط عواصف العصر. بحيث عندما نرى فكراً نراه مميزاً بتراثه الغني والثري. وهذا الوضع يحمل اسرار كل ثقافة حيه وإن كانت من آلاف السنوات. التراث شخصية بارزة تدل على صور التفكير الكوني داخلنا. ويعود إلى ذواتنا الاصيلة والعميقة في قرارة أنفسنا.
لذلك كثيرا ما تتخلى الجماعات البشرية عن بعض الموروثات والعادات. لكنها أبداً لا تتخلى عن التراث كقانون انتاج يحتاج إلى صياغة مختلفة. وهو موضوع الفكر المؤثر على المدى البعيد مع تباين العصور. ولذلك يختزن بمتونه الكلية كل أسئلة جوهرية كانت ممكنة. فلئن لم تلح في وقت سرعان ما تخرج أسئلة حوارية الدلالة في وقت تالٍ. ولهذا فإن الخيال لا ينفصل عن الصناعة. فلا بد للتراث من خيال يقلِّبه كيفما يشاء. ويتعلق به كموضوع غائر الجذور وقابل للإنبات. كل تراث يجري بهذا المعنى كجزء من مفهومه. ويتحدد الخيال كفعل عام لدى أفراد الثقافة. ويتعهد أسئلتهم بالرعاية مستقبلاً.
وفي هذا استطاعت المجتمعات الغربية إعادة صناعة تراثها بشكل مدهش. فرغم المناطق الدموية والصراعية التي تكتنفه ورغم عصور الانحطاط الروحي والاخلاقي كما عبر اشبنجلر وهوسيرل إلاَّ أن الحضارة الغربية صنعت تراثها في أنماط مدهشة. المدن الغربية تتآلف بغرابة مع العمارات القوطية والرتم الروماني والروح اليوناني القديم. كما لو كانت الأخيرة قد شيدت الآن. وليس منذ آلاف السنوات. في كل شارع وكل حانة وكل مؤسسة غربية يوجد فيها شيء من التراث اليوناني.
ومع ذلك فهروبنا من المستقبل هو دوماً قضية أخرى بحجة الموروثات. وبالتالي ستكون الهوية وعداً بالقدرة على إحياء الماضي. لقد أصبح التراث العربي الإسلامي حلبة لمصارعة الثيران. في عصر لا يعترف إلاَّ بالإبداع والابتكار. ولقد بات هذا التراث غابة من الفتاوى والآراء والتخريجات التي لا تلوى على شيء. وتغلب عليها عمليات الكَّرْ والفّرْ بين المؤيدين لقضايا بعينها وآخرين رافضين لها. وبمجرد دخول القارئ إليها لن يستطيع السير كإنسان عاقل إنما عليه استعادة حيوانيته التي تقرض الأوراق الصفراء وتلعق الأحبار القديمة!!
حتى لدى أصحاب تجديده المعاصرين كان التراث كهفاً مظلماً. كهف أفلاطوني لا نرى من خلاله شمساً. ليعطينا بذلك عيوناً بديلة محل الراهنة محدداً رؤية ما نراه. بحيث استحال الحاضر هامشاً لمتون وأضابير مهترئة دونما إبداع أصيل.
فجاء قُراء التراث أصحاب نزعة مسيحية متنكرة في قراءاته المختلفة. فهم يرون أنفسهم قادرين على إحياء الموتى. حتى اعتقد أحدهم – كحسن حنفي مثلاً- تحويل الموروثات إلى نظرية ثورية. كيف ذلك وبأي معنى؟! لقد اعتبر التراث موقداً حجرياً لإطلاق شرارة الحقائق الغائبة. حقائق الإنسان والمجتمع والتاريخ في واقع مأزوم. وليس هذا فقط بل اتخذ منه يساراً إسلامياً بهويته القاتلة. شيء أشبه بعجةٍ تجمع مواداً غذائية متناقضة تسبب عسر الهضم والتُّخمة الكاذبة.