القواقع القبلية في فلسطين

توفيق أبو شومر
2016 / 7 / 11

تعرضتُ للنقد، حينما كتبتُ ناقدا لقبلية المجتمع الفلسطيني، وأشرتُ إلى تقصير الأحزاب الفلسطينية في علاج ظاهرة التقوقع القبلي في فلسطين.
أصبح المشهدُ القبلي الفلسطيني بمفهومه السلبي( انصر أخاك، ظالما، أو مظلوما) طاغيا، هناك اقتتال يومي بالسلاح في كثيرٍ من المدن والقرى الفلسطينية، فلا يخلو يوم من قتيلٍ أو أكثر، عند الفلسطينيين الصامدين في أرضهم منذ عام 1948، وكذلك الحال عند أهلنا في الضفة الغربية، أما في غزة، فما يزال المشهد القبلي سيد الموقف، فنجوم الإصلاح القبليين هم سدنة الإصلاح، وتأثيرهم المجتمعي أكبر بكثير من كل الجهات الحقوقية، والقانونية، أما القانون المدني، والجنائي فهو ثانويٌ، مخزونٌ في أدراج نسياننا، لتزيين صورتنا في المحافل الدولية، للأسف!
كان مفروضا أن تكون القبلية في المجتمع المناضل، ميدالية تراثية تُعزز صورة النضال، وتُسخِّر القبيلة، والعشيرة، والعائلة، لخدمة المشروع النضالي الفلسطيني، ولكنَّ الأحزاب الفلسطينية التي عدمتْ التثقيف، والفكر، وعقُمتْ عن إبداع منتجات فكرية وطنية حداثية، تلائم العصر لجأت إلى القواقع القبلية، لتحتمي بها، وتشكل منها ميليشيات حزبية مسلحة، تقوم بقطع الطريق على منافسيها وخصومها السياسيين.
صار الرصاص والسلاحُ بديلا عن التثقيف والتوعية، وأصبح مقياس مناعة الأسر، ليس بعدد مثقفيها، ومبدعيها، بل بعد جنود العشيرة من الذكور، وبحجم ما يملكون من سطوة داخل التنظيمات المسلحة، لذا فقد عمدت العشائر والقبائل الفلسطينية الكبيرة إلى إدخال أبنائها جنودا مسلحين داخل الكتائب الحزبية المسلحة، ليتمكنوا من هزيمة خصومهم ومنافسيهم، من أبناء القبائل الأخرى.
صار النضال الوطني شعارا يُستخدم لخدمة المصلحة القبلية والعشائرية!
ومن النتائج الكارثية للقبلية على المجتمع الفلسطيني، أن ارتدى كثيرٌ من قادة الأحزاب عباءات القبيلة، وامتشقوا سيوفها، وسلحوها ليحموا مصالحهم التجارية، ومضارب عشائرهم، حتى لو كان الثمن إنهاك المجتمع الفلسطيني بأسره.
اختلط السياسيُ بالقبلي، وغدتْ تقاليد القبيلة سائدة على الشعائر الوطنية، وأصبحت قضية فلسطين تمرُّ من ثقب إبرة العشائر والقبائل، وصارت التعيينات السياسية خاضعة لطقوس العشيرة، وهكذا تحولتْ القضية الفلسطينية إلى حصص عشائرية، وقبلية!
إنَّ أبشع تأثيرات القبلية على المجتمع المناضل، أنها تنفي الإبداع، والتميز الفردي، وتحارب الاجتهادات بكافة أنواعها، لأنها خروجٌ عن السائد والمألوف، وهذا يُهدد نظام العشيرة والقبيلة، لذا فإن المتفوقين، والمبدعين، يهربون من الواقع القبلي، ويقدمون حق اللجوء السياسي للدول المتحضرة، التي ألغتْ القبلية بمفهومها السيء!
أصبح السؤال المعتاد عند كثيرين في مجتمعنا القبلي هو:
مِن أي العائلات أنتَ؟ فالاسم المجرد لا يعني شيئا للسائل.
فالموقف منك ومن تقديرك، أو الاستهانة بك، لا علاقة له بمنزلتك الشخصية، أو كفاءتك، بل وفق اسم عائلتك وقبيلتك.
ومَن يرغب في استقصاء هذه الظاهرة، فليقرأ بطاقات الأفراح، التي تبدأ بآل، ولا تبدأ بالأسماء الشخصية، فالفلسطيني اليوم هو ظلٌّ لقبيلته.
وما القضية الفلسطينية، والنضال الوطني سوى (بكرج) قهوة مخصص للضيوف الغرباء، في مضارب شيوخ العشيرة من السياسيين والعسكريين الفلسطينيين!!