ما هو نقيض المقدس؟!

سامي عبد العال
2016 / 7 / 9

بأضدادِّها تُعرف الأشياءُ. الضدُّ في العادة يكشف غيره. يميز ما يناقضه كاختلافات الألوان. وإذا حدث ذلك ثقافياً فلأننا نفكر بتصورات حدِّية قاطعةٍ. حيث نترقب مستويات بائنة نوعياً بين الأشياء. هذا سقف عقلي وايماني يحدد آفاق الدين والسياسة والأخلاق والمعرفة بالإجمال. لنؤكد في مواقف الحياة ذلك الصراع الدرامي: " نحن أو هم"..." أنا أو هو". "كلُّ شيء أو لا شيء"!! لقد بات الصراع المقُّولي categorical conflict نمطاً لكيفية التفكير في المجتمعات العربية الإسلامية. والشيء الأبعد أنه يبث هكذا عنفاً مؤسَّساً على قضايا الدين(خلال مجالاتٍ متباينةٍ).
إذن يبدو منطقياً (بهذا التاريخ) التساؤل عن نقيض المقدس. فلرُبَّ قائل إنَّ نقيضه هو: المدَّنس، وآخر: الدنيوي، وثالث: العلماني، ورابع: الإنساني... إلى باقي الأطراف. يترتب عليه: طالما ننتقد المقدس نظراً لعُنفه فينبغي تأييد الطرف المقابل له. ذلك دونما اهتمام بدلالة المقدس. ولا كيف يحقق وجوده. ولا لماذا يتقدَّس. وهل يقفز خارج نطاقه كمعتقد ونمط ايمان أم لا؟ وقد يذهب آخرون أنَّ الطرفَ الآخر لثنائيته dualism محصلةُ هذا كلِّه بشكلٍ مغاير تماماً. وتلك الطريقة ترتبط بأحكام خاطئة. مثل اعتبار الإيمان خاصاً بالتقديس فقط. بينما هو يتغلغل بدرجة كبيرة في ممارسات إنسانية أخرى. كما أنَّ تجاهل مواقعه الزلقة سيوقعنا في حبائله مرات.
ورغم صحة الاستفهام حول نقيض المقدس إلاَّ أنَّ موضوعه ليس صحيحاً. هو استفهام مزيف false question إذا لم نتأمل طبيعة الموضوع. المسألة الحيوية: أن المقدس ليس طرفاً في نظام منطقي مع نقيضه وإلاَّ لفقد مدلوله المتعالي ابتداءً. فكيف يكون مقدساً ويترك نفسه مع شيء مساوٍ له منطقياً أو ميتافيزيقياً؟! إنَّه بحكم مكانته يهيمن على كل الأطراف في لعبة إقصاء وجذب دائراً حول نواتُّه العليا.
كما أن ماهيته قد تُخلع على الطرف المقابل له. وبالتالي سيكتسب هذا الطرف نفس قيمته الأصلية. فلو تصورنا الدنيوي مضاداً للمقدس وكان الدنيوي محل أيديولوجيا غارقة في القداسة سيكون ذاك الطرف له مكانة التقديس. وسينصرف من حينه طارداً الأطراف المغايرة في دورات لا تنتهي. فالمقدس إزاء أيِّ طرفٍ أشبه بالموجب مع الموجب لا يلتقيان ويتطاردان دوماً. إنَّ معرفة تلك الفكرة البسيطة سيحُول مستقبلاً بيننا بين تقديس الأشياء. بل سيكون أي مقدس موضع استفهام دائم. لأن البحث عن نقيضه سيستنفد طاقاتنا. بصرف النظر عن سلطته وتضخُمه المتواصلين.
شيء من هذا يوجد في مفهوم الله التوحيدي لدى الديانات الإبراهيمية. فهذا الإله لا يقبل الشرك. وكل من ينادي بذلك تعتبره كافراً. كما أنَّه لا يسعه في الكون شيء. وبالتالي يقف ملء السماوات والأرض خيالاً وايماناً. كما لخصت الفكرة إحدى آيات القرآن "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا". إنه التنافر الأصلي في بذرة القداسة طالما انطوت على الإمكانية القصوى لموجود واجب الوجود بذاته وبسواه.
ومن قدرة المقدس على اعادة انتاج تأثيره أن يسرق انتباهنا بواسطة الطرف النقيض. أليست ثمة جوانب في جميع الديانات تخص الشيطان؟ هذا الصراع الخفي والدؤوب بينه وبين الإله. ولهذا سينصرف انتباه البشر إلى ماذا سيفعل الشيطان بهم لا إلى أي شيء غيره. وكيف سيكون قادراً على تضليلهم ودفعهم إلى طريق الخطايا. إن ثمة ديانات كالمسيحية تبني دراما صراعها الداخلي على هذا النقيض(الخطيئة) نتيجة اغواءات الشيطان. وكانت ميتافيزيقا الصلب والفداء هي الغلاف المقدس الذي ظل يبرر الاعتقاد. لدرجة أن من يؤمن بالثانية لابد أن يؤمن بالأولى.
كل ذلك دونما مناقشة أن مصدر الكلام هو النص المقدس. ومن هنا – وتلك أحدى خواص المقدس- كلما سلَّطنا التفكير عليه سيكون النقيض(هذا الشيطان... وأي شيطان آخر) هو الضامن لمعرفته وأهميته وقدرته العجيبة. بل هو الامتداد المقلوب له. بمعنى إذا كانت كل الصفات الشريرة تنسب إلى كائن غامض اسمه الشيطان فإن جميع صفات الخير ستنسب بالمقابل إلى الإله. وهذه ميتافيزيقا الاعتقاد الثنائي في تاريخ الديانات طراً بلا استثناء واحد. فإميل دوركايم اعتبر المقدس فاعلاً داخل الدين كنظام موحَّد من المعتقدات والممارسات المرتبطة بأشياء ميتافيزيقية؛ أي أشياءً يجري عزلها وتحاط بشتى أنواع التحريم، وهذه المعتقدات والممارسات تجمع كل المؤمنين بها في جماعة أخلاقية واحدة.

على الوجه الآخر فأن اقصى ما يفعله المؤمنون اختراع نقيض شبه موضوعيquasi-objective للمقدس. فهذا يعطيهم طاقة إضافية على مواصلة الإيمان طالما وجدوا عدواً منظوراً أو متوقعاً. كما أنهم يجنبون إيمانهم شروخاً محتملة. وبذات الوقت هم يخطفون تصورات متأرجحة حول الأعمال والمسؤولية عنها. فعندما يريد المؤمن الهروب من الإلزام الخلقي بسبب بعض تصرفاته غير المقبولة يلقي بالمسؤولية على الشيطان ووساوسه. ولعل الشيطان هو أكبر نقيض في تاريخ الديانات الذي يحمل أوزاراً بحجم تاريخ البشرية.
والآن: طالما لا يوجد نقيض للمقدس فهل يناقض ذاته؟! يبدو الأمر كذلك. فهو لا يقبل غيره بسهولة فلسفية. كما أنه يتمتع بسلطة مطلقة حتى يأخذ مكانته متفرداً. وفي ذلك استحالة إنسانية لا تخضع لمنطق العقل بل مفارقة ميتافيزيقية غير عقلانيةٍ بالأساس.
وأظن - من ثم- أنه لا نقيض للمقدس إلا المقدس نفسه. وبالتالي تعارض الفكرة السابقة جميع الثنائيات المطروحة بمعناه أو كيانه: فثمة مشكلة حقيقية: كيف يقف مقدسٌ إزاء مقدس آخر؟ إن تناطح المقدسات لا يأتي إلا بفضل النقائض التي تستبطن أفكارنا. تلك التي نراها بعيدة عن المقدس وخارج هيمنته. بينما هي مشبعة بوجوده إن لم يكن حقيقة فعلى منواله وأساليب عمله. كيف نتتبع المسألة إذن؟!
• الأصل origin. يحتل المقدس موقع الأصل، سواء أكان كائناً أم نصاً أم دائرة تأويلية دينية. و طبعاً الأصل لا يترك نفسه كلما اتفق بل يخفي ذاته في رموز وأنشطة ومعارف عديدة. والفكر العربي الإسلامي يضع الأصل- الأصول- موضع اللامساس. وبالتالي يضاعف الأصل بشكل متواتر دونما مبررات فعلية. حتى لتصبح أية علاقة لا تتوافر علية ضرباً من الإقصاء. وإذا وضعت حقيقتها مرهونة به كان ذات الأقصاء أيضاً. هنا التناقض الذي يقع فيه المقدس بالأصل. فكيف يكون أساً وكذلك علاقة، وعرضاً؟!
وربما يزداد هذا التناقض إذا كان في مجال الفعل الإنساني. فالأصل بالتاريخ ليس أصلاً لكونه إما يتعدد، يتنوع، يختلف. وإما يتكرر كما هو وضعه. وفي الحالتين لن يغدو مفارقاً كما يؤكد معناه. بل سينتج الإنسان تجارب متناقضة تمام التناقض به وداخله. المثال الأبرز حينما يظن أصحاب مفهوم الخلافة الإسلامية وجودها على منهاج النبوة كما يقولون. هذا في التاريخ ليس إلا ادعاء. ما المقصود بهذه المقولة؟! أهي حقبة كان النص الديني فيها نصاً حياً؟ وحتى على افتراض الإجابة بالإثبات فلن يكون نموذج الحكم صحيحاً ولا مثالياً. فهذا إنْ حدث لن يجري في التاريخ. والوقائع تثبت كون الخلفاء الراشدين بشراً يخطئون. ويحيطهم الصراع الدموي من كل جانب. ولم تكن فترات سلطتهم معبرة تمام التعبير النقاء والطهرانية إن كان الأمر كذلك!! إذن ثمة استحالة لتأصيل الأصل بعبارة محمد أركون. ويصبح المقدس في صورة تاريخ محل شك بل استفهام متداول. لماذا لا يبدع الإنسان حياة جديدة. حيث لن تعود الحياة القديمة إلا في بنية مختلفة.
• السر secret. الأسرار تلف المقدس بدايةً من وجوده وتأثيره حتى الإيمان به. ربما ليس مقدساً إلاَّ لكونه سراً. وهناك ترادف في المعنى بين التقديس والسرية التامة إبقاء عليه. وربما لهذا السبب يظل حافظاً مكانته في نفوس المؤمنين. فالأقانيم الثلاثة في المسيحية(الآب- الابن – الروح القدس) في تكوينها مجرد أسرار. ناهيك أن عن العلاقة بينها على هذا الغرار أيضاً. ويبدو التناقض ظاهراً مع محاولة التبرير العقلاني rational justification لهذه الأسرار.
أما السر عموماً فلأن المقدس ذو عمق شخصي. يتكون من إيمان الأفراد ومن أخيلتهم. وبالتالي إذا ما حاول هؤلاء فرض نمط من الإيمان على غيرهم سيكون التناقض جلياً. والمسلمون لا يقتنعون في قرارة أنفسهم بأن المقدس سر ملغز. فكل جماعة اسلامية هي ضرب من الإعلان الجمعي العنيف- القائم على التناقض- لهذا السر. حت يمكن القول بأن الممارسات الدينية عبارة عن ترويض لهذا النزوع. إما الأكثر تناقضاً من تلك الجهة فهو تعميم هذا الايمان السري خارج نطاقة.
• الهوية الذاتية self- identity. كل مقدس يتميز بهويته الذاتية. ربما هو المعبر الوحيد عن القضية الأرسطية: أ= أ، الهو هو. جميع الديانات تؤكد ذلك. ولا تمل من التأكيد عليه. ويشمل هذا القانون الحقائق والمفاهيم والنتائج. وإذا كانت أية هوية تستحيل إلى اللاهوية non identity بفضل التراكم التناقضي لعناصرها، فالفكرة السابقة تبقيه بمنأى عن الانقسام. والدين إجمالاً ضرب من الهوية المتخيلة بهذا المدلول.
لكن يأتي التناقض من محاولة التوحُد بتلك الهوية المفارقة. مرة بالتصوف كحال التوحد مع المحبوب. ومرة بممارسة الطقوس استحضاراً لتجربة أصلية. وغيرهما بالمعارف التي تزعم قول الحقيقة الأصلية.
• الايمان والاعتقاد faith and belief. يترسب المقدس لدى المؤمنين بهاتين الوسيلتين. لكنهما أكثر من وسيلتين. فالفرق بينمها كالفرق بين القول بإمكانية تحريك الشمس بأصبع اليد وبين القطع بكون الأصبع يحركها حقاً. فالتناقض واضحٌ بين الإحساس والرغبة وبين التصور. إنَّ الإيمان عاطفة قوية لدى الشخص. إنه تجربة ذاتية من الألف إلى الياء. وتصاغ بمعطيات التجربة نفسها. وقد تكون بعيدة الوقع حتى ينجذب المؤمن إليها بكامله. أما الاعتقاد فهو تحول الإيمان إلى معتقد(فكرة - تصور- مفهوم) غير قابل للمناقشة.
والتناقض يظهر عندما يغدو الإيمان فاقداً حرارته ليصبح مادة باردة. لأنه لا يتوقف عن الحركة والتغير. كما أنه يختلف من شخص لآخر. و بالتالي لن يغدو موضوعياً.
• الحضور presence. فإي مقدس يحضر بطريقة ما كاملاً. ولو كف عن الحضور سيكف لدى معتنقيه عن القداسة. وهذه القضية رغم حذرها من التناقض سوى أنها تؤدي إليه. فكيف لسر غير متعين أن يحضر؟ أليست الكلمات تشيئ المعاني؟ ثم يحاول المؤمن برفه الألفاظ دونما وقع هذا التعين.
وبالتالي تتفكك مفاهيم المقدس بوضوح من خلال اللغة. لأنَّ أي نقيض محتمل لن يقارع هذه العناصر السالفة. فاللغة تحمل صوره وطرائق عمله في ذهنية الإنسان. وكل النصوص الدينة تعتمد عل شيء يتجاوزها. لكن اللغة مع هذا لابد أنْ تتمتع باتساق من نوع ما. إذ ذاك ستتركه يتجلى بمنطق التعبيرات ودلالتها. عندئذ سيتجدد التساؤل: هل يتسق مع مواقعه المتنوعة بلا تناقض أم لا؟!