بؤس الديالكتيك الثقافي

الطيب عبد السلام
2016 / 7 / 8

جوهر كل شئ هو الفكر،الفكر خريطة الأنسان لما يراه و يعايشه في نفسه و ما هو حوله،و بسهولة الكلمة يكون فخ غموضها و لا تناهيها فهو ربيب السيرورة و مكان اشتغالها.
و أنك في تتبع الاشياء و التنقيب فيها يكون الفكر هو الكنز المخبوء فيها انتقالا من الحقيقي صوب الا حقيقي يقول نيلز بونز عالم الفيزياء في هذا المعنى " و يبدو ان كل الاشياء التي كنا نظن انها حقيقية تتكون من اشياء لا يمكن اعتبارها حقيقية" ان ماكينة نسج هذه المادة الكونية هي في طريقها الداؤؤب صوب الا تعين و الا تعين هو النواة الحقيقية و حجر البناء الاساس لكل بيوت التعين.
قبل اشهر انفض المؤتمرون من قاعة الصداقة فرحين منتشين بأنتخاب رئيس جديد لحزب سوداني للمرة الاولى في البلاد فالكل هاهنا متمسك بتألهه و انه غير خاضع للانتخاب الطبيعي فهو لا اله الا هو موجد نفسه بنفسه خالق اتباعه لا يفنى و لا يستحدثه العدم.
كان عملا تنظيميا جبارا و لكن الاسئلة الاصعب لم توجه بعد فبالرغم من هذا النسج التنظيمي المحكم تغيب الفكرة العميقة المحكمة ذلك بأن المؤتمر السوداني هو وليد مؤتمر الطلاب المستقلين و ما اشكلها من علاقة نضع تحتها الف خط و خط.
نتأمل هذه العلاقة الا مفهومة بين مؤتمر الطلاب المستقلين ذي الهوية الفكرية الواضحة و المؤتمر السوداني هذا الحزب الذي لا طعم له و لا رائحة فكرية له فلا نكاد نتبين من اين نرد ماءه الفكري مناقشين و مجادلين فهل هو حزب لوجه السياسة ام حزب لديه افكاره الفلسفية الخاصة؟؟
لا اجابة بينة لهذا السوأل الا بالاستنتاج الاوحد و تتبع قادته اليوم ابناء "مؤتمر الطلاب المستقلين" ابناء "ديالكتيك المركز و الهامش".
ثم اننا بالتأمل السريع نرى مثقفي المدرسة المستقلة يلونون جدران الحزب بطلائهم الفكري ناشرين مذهبهم الجدلي بين الجماهير بأعتبارهم النخبة المثقفة في الحزب.
من هنا اذا نتخيل أن مكان اشتغال نقدنا هو نقد الديالكتيك الثقافي و الماركسية الثقافية الجديدة تمامة لما استنتجناه أن حزب المؤتمر السوداني يتبنى ما يسمى بجدلية الهامش و المركز و اننا في هذا المقال سنفند بقوة هذه الجدلية عبر الاستفاضة في تحليل الكتاب تحليلا نقديا و من ثم عبر نقد جدلية الهامش و المركز مستصحبين في ذلك النقد الفلسفي و السياسي الذي قدم للماركسية باعتبار ان جدلية الهامش و المركز تقف على ذات الارضية الفلسفية الجدلية التي تقف عليها الماركسية.
بداية فكتاب جدلية الهامش و المركز لا يعدو كونه كتاب معلومات عامة كتبها مثقف جامعي حاول أن يترك بصمة ما.
الكتاب هو سرد متواصل و تلخيصات متوالية لمفهوم الديالكتيك محاولا تجييش كل العوامل الاجتماعية و الثقافية تحديدا لخلطها في ماكينة الديالكتيك الجاهزة و هو بذلك لم يبتعد عن الماركسية مترا فبدلا من توصيقة الصراع الطبقي بين الملاك و العمال ذهب لتوصيف الصراع في السودان الى انه صراع بين "مركز" و "هامش" خالقا بذلك غيتوها جديدا لا يقل دوغمائية عن الغيتو الماركسي،هذا الامر ادى لحدوث تجييش جديد ضد ما يفترض ابكر انه المركز مستفيدا من دعوته لتحالف المركزيين المتعاطفين مع حراك الهامش ليطيح الهامش فيما بعد بها و ينتصر للجياع و تعود دوامة انتاج الازمة من جديد بتحول الهامش القديم الى مركز جديد بانتاج المرارات و شلالات الدماء.
و هو ذات ما قاله ماركس حين دعى لتحالف "اصحاب الياقات الييضاء" و البرجوازيين مع العمال.
و بمثل ما خلقت الماركسية كتلة انتخابية لها بين العمال و المعوزيين فأن جدلية الهامش و المركز حشدت بصفها جيوشا ممن يظنون انفسهم جياع في مكب الهامش و بذلك يستفيد المؤتمر السوداني من كتلة انتخابية مجانية في المناطق التي ترى نفسها مهمشة "ثقافيا".
اننا اليوم في عالم منفتح على بعضه للمدى غير المتخيل عالم انتهت فيه فكرة السلطة المركزية و اتجهنا بخفة الى الا مركزية الفكرية و السلطوية حتى فظهرت النظريات الليبرالية الداعية الى جعل الفرد شخصا مستقلا للحد البعيد طموحا و فاعلا متفاعلا في دائرة المنافسه منفتح السبل امام المساهمة بما يملك من تصورات و قدرات على التأثير بالصورة القصوى في العالم.
من هنا نجنح الى القول أن فكرة التجييش و الاستقطاب لأتجاه ضد اتجاه فعل لا يتماشى مع ظروف الواقع.
انني اقر بوقوع عمل اجرامي منظم للأنظمة الشمولية التي تعاقبت على البلاد ضد اقاليم بعينها وفقا لتصوراتها الشمولية و هو امر مشاهد و مرئي لكن القضاء عليه لن يكون عبر التمترس خلف ايديلوجيات تتصادم مع الواقع للحد البعيد فاذا ظلم تلميذ في المدرسة ذلك لا يعني المدرسة ليدرس فيها ذوو التلميذ المظلوم و اذا ظلمت القبائل العربية التي استولت على السلطة و نكلت بالكل و تحالف معها قطاع شاسع مع الهامش باتفاقه مع ايديلوجيتها الثيوقراطية و ما زال متمثلا في حركة العدل و المساواة ذلك لا يعني ان خلاصنا هو اقصاء اللغة العربية و العودة الى غيتوهات اللغات المحلية بافتراض ان العربية هي لغة "المركز" الذي نود رميه في البحر!!!
انتصرت ثورة الهامش في الجنوب فهل تحققت العدالة الثقافية الالاهية المتمناة ؟؟ ام هل استطاع الجنوب الانفلات من لغة الجلابي العربية؟؟؟
النشرات اليوم تقراء في فضائية جنوب السودان باللغة العربية!!! و قبل اسابيع تقدم وزير الخارجية الجنوبي بطلب انضمام الجنوب الى جامعة الدول العربية و قد سبقتها تشاد الى ذلك طالبة دعم القاهرة.
اننا كليبراليين نرى ان اللغة اضافة و ليست سوطا للتعالي على الاخر و جلده بها و ان وظفها الاسلامييون و العروبيون في ذلك فهي لا تطلق الرصاص من تلقاء نفسها.
نعم للتعدد الثقافي و اللغوي اثراء للفضاء التفاعلي العام و لكن في ذات الوقت نعم للتقارب التواصلي بين العالم و الاندماج اكثر و اكثر لنكون عائلة انسانية واحدة منسجمة لغويا بالتواطوء على اصلح اللغات و اكثرها اتتشارا بيننا و اكثرها دينميكية في انتاج البحوث العلمية و هذا هو وحده الرهان الاقوى في حياة اي لغة من فنائها.
أن جدلية الهامش و المركز تصلح كورقة ثقافية مبئية ضمن تفكير كلي لتحليل اسباب التشوه الأنية في السودان لكنها لن تصلح البته لكونها منهجا فكريا لدولة او حتى لحزب سياسي.
أننا اليوم نحتاج الى الاقلاع الحضاري باقصى سرعة و فرصة و الدخول الى الاسرة الدولية بدلا عن الانشغال بتقليب الجراحات و تخليدها عبر مناهج جدلية هي اشبه برواية "كوخ العم توم" و "الجذور" لاليكس هيلي.
نحتاج الى وقفة سلام عادلة مع النفس و اقامة محاكم سريعة و عادلة كما حدث في جنوب افريقيا في مفارقة هي شبيهة بمفارقتنا بين البيض و بين السود.
اقلعت بعدها جنوب افريقيا الى واقعها اليوم بدلا عن الانكفاء على الذات و تألبيب الجراحات و البكاء "الثقافي" الدامي على الاطلال.
اليوم لا يوجد عمال و ملاك فالتقنية الحديثة أدت لاتمتتة و ميكنة العمل فاضطرت الايدي العاملة الى الانخراط في المنافسة و تحمل مسؤؤليتها الخاصة و الانهمام في التعلم و الدخول الى المصعد الاجتماعي.
بذات المنطق فأنه لا يوجد اليوم هامش و مركز فعبر مصادر المعرفة الثقافية اضطلاعا و نشرا اصبح الكل قابلا الى ان يصير مركزا خاصا بنفسه لا يحمل اي سوط لجلد ظهر الخيول التي تجره و تمده بالجنود و العمال.
*****************************
مراجع مهمة :
*أن اوان التغيير "الخاتم عدلان"
*عميقا في عالم الكم -مقال- الحوار المتمدن "وليد يوسف عطو".
*جدلية المركز و الهامش -كتاب- ابكر ادم اسماعيل.
*النظرية التواصلية النقدية -كتاب-"حسن مصدق".
*المرأة و عبودية المنزل -مقال- الحوار المتمدن "الطيب عبد السلام".