الإسلام السياسي في العراق ومرض الإزدواجية

جعفر المظفر
2016 / 7 / 8

الإسلام السياسي في العراق ومرض الإزدواجية
جعفر المظفر
لا يوجد سياسي في العراق تتلبسه ثقافة نظرية المؤامرة مثل المالكي. في إعتقاده, كل عمل يقوم به خصومه ومنافسوه يدخل من باب التأمر عليه وعلى المشروع الإسلامي الذي يمثله. أي شخص يراجع تصريحاته المقروءة أو المتلفزة سيكتشف سريعا أن الرجل مسكون تماما بهذه الثقافة التي تمكنت أن تحفر خنادقها حتى في جيناته وخلايا مخه.
بهذا لم يعد متوقعا من المالكي أن يتعامل مع خصومه ومنافسيه من خارج مساحة هذه الثقافة. الذي ينظر إلى تفاصيل وجهه سيقرر أن الرجل عاجز عن الإبتسامة لأسباب لا علاقة لها بعطل في عضلات الوجه المكلفة بها النشاط, وإنما لنقص القدرة النفسية والعضوية على التحكم بهذه العضلات, ففي كل مرة كان الرجل يحاول فيها تصنع الإبتسامة كنت أرى عينيه وعضلات خديه تتسابقان من اجل ردع فمه الكريم عن إرتكاب هذه الخطيئة.
إن أية ظاهرة تتحكم في الشخص سيكون روبوتا لها. ويبدو الأمر شبيها بحالة المريض المصاب بجرثومة لم يعد يتغلب عليها الدواء., والمالكي كما أعتقد عاد إلينا وقد أكمل دورة الإستحالة تلك, اي بعد أن تمكنت جرثومة المؤامرة عليه وجعلت منه ليس اكثر من وسط ناقل ومُعتمد.
الحقيقة أن أغلب قيادات أحزاب الدين السياسي, وليس المالكي وحده, يحملون هذه الجرثومة, فتراهم يعانون من مرض الإزدواجية ولا يجدون وسيلة لتصريف سياساتهم بغير طريقة التآمر على البيئة والمحيط والناس. وإذ لا يمكن للحزب الديني في العراق إلا أن يكون مذهبيا فإن قدرته على الإلتزام بسياسات ذات طابع وطني توحيدي تبدو معدومة, كما أن إلتزامه الظاهري بقضية الديمقراطية الذي فرضته ظروف ما بعد الإحتلال, وذلك على خلاف عقيدته التي تكفر الديمقراطية والديمقراطيين, كان مقدرا لها أن تعمق باطنيته تلك فجعلته خصما للعراق وحاكما له في نفس الوقت, وسنرى كيف تتحول الوطنية إلى مجرد لغو وكلام فارغ حينما يجد هذا الحزب نفسه مضطرا, سياسيا وفقهيا إلى الإعتماد على الخارج على حساب مصلحة العراق الوطنية. هكذا يصبح وجود الحزب الديني في العراق نقيضا للعراق وسيكون مضطرا ان يكون مشروع تآمر قائم بذاته.
يوم نقول أن صدام كان دكتاتورا, وكذلك غيره من بعض الزعماء مثل ستالين أو حتى هتلر, فإن صدام أوأولئك, ما كانوا بحاجة إلى الكذب لرد التهمة لأن مفردات مثل الإنجاب التاريخي والعنف الثوري والزعيم البطل, مع قائمة طويلة من الأسماء الحسنى كانت جاهزة لكي تحول ما هو صفة ذميمة في العرف الديمقراطي إلى صفة حميدة في العرف الثوري. وبغض النظر من مستوى الإختلاف مع إعتقادهم هذا إلا أننا لا نختلف على حقيقة أن واحدا من هؤلاء لم يكن بحاجة إلى الكذب والدجل والرياء وذلك لغياب التناقض القاتل والمدمر بين ما يفكرون به وبين ما يعلنونه.
لم يكن صدام حسين مضطرا إلى الكذب يوميا, فهو والديمقراطية اللبرالية كانا على نقيض, بل إن صعوده إلى السلطة, وتمكنه على حسمها لصالحه على طريق إبعاد منافسيه من داخل الحزب, أو القضاء على خصومه السياسيين من خارجه, قد تم من خلال الإيمان بلغة العنف والإفصاح عنها وحتى الإفتخار بها, وقد سمعناه ذات مرة وهو يتحدث في شريط مصور عن إستعداده لقتل عشرة آلاف شخص دفعة واحدة إذا إذا ثبت خروجهم المتعمد ضد سلطته ونظامه.
رجالات الدين السياسي في العراق مرضى بالإزدواجية, فهم فكريا اشد أعداء الديمقراطية على الأرض لكنهم وجدوا أنفسهم مضطرين للعمل الظاهري بها ثم كيفوا خططهم لصياغة واحد من ألعن أشكال الديمقراطية في التاريخ بحيث تبدو الدكتاتورية أمامه نظاما للأمن والبناء. وهم لا يؤمنون بالعراق إلا في كونه تبعا لدولة إسلامية, كل يؤمن بها حسب طائفته, لذلك صاروا وقيم الدولة الوطنية على نقيض. هذه الإزدواجية التي جعلت السياسي نقيضا للفقهي ثم جمعتهما في الشخص الإسلاموي لم يكن مقدرا تصريفها إلا من خلال سلوك باطني يعلن غير ما يضمر, ثم لم يكن مقدرا لهذه الباطنية أن تترك الشخص دون أن تحوله إلى مريض سياسي وأخلاقي, فهو دكتور جيكل ومستر هايد في مخلوق واحد.
إذا أردتم التفتيش عن كاذب أو سارق أو حتى إرهابي فأبدأوا التفتيش عنه من داخل دائرة المزدوجين هؤلاء قبل ان تتوسعوا في البحث عنه في الجهات الأربعة الأخرى