العيد العراقي يلبس الحداد على الكرادة الشهيدة

ضياء الشكرجي
2016 / 7 / 7


بعد عبور الصدمة، أحاول أن أحث كلماتي على استجماع شجاعتها، لتتجاوز جدار الخجل من عجزها عن التعبير، فتقول شيئا ما، أو أشياءً عن شهيدتنا، كرادتنا الحبيبة الحزينة، رغم إن الكلمات ستبقى عاجزة عن التعبير حق التعبير. لم أكن وحدي من تابع للأيام الحزينة الماضيات تلك الأخبار والمشاهد بصمت ودموع، وأحيانا بالإجهاش بالبكاء، الذي لم يملك أحيانا إلا أن ينفجر، ولكن شتان بين حزننا وحزن المفجوعين بأحبتهم، شبابا وشيبا وأطفالا، نساءً ورجالا.
ثم حلّ العيد عيدا عراقيا حزينا بامتياز، بامتياز عراقيته، وامتياز حزنه، وبامتياز المشاركة الواسعة والشاملة لمعظم محافظات العراق، ولكل مكونات الشعب العراقي. لكن هذه المرة كان حزنا من لون جديد، وكأن الصدمة قد هزت هذه المرة أعماق العراقيين، بما لم تهتز بمثله من قبل، ليبتدعوا من وحي الصدمة الكارثية الاستثنائية حزنا استثنائيا، جديدا من نوعه، ونحن نتطلع إلى أن يخلق هذا الحزن وعيا من نوع جديد، وإرادة من نوع جديد؛ إرادة إصلاح وتصحيح وتغيير حقيقي وشامل وجذري.
لأول مرة شهدنا حزنا يتحلى بالوقار، فلم نشهد مظاهر الحزن الهيستيرية، بل كان حزنا عقلانيا متحضرا، وكأنه اكتشاف جديد لإمكانية عقلنة العاطفة العراقية، وتدفئة العقل بدفء العواطف الإنسانية الراقية.
شهدنا حزنا وحّد العراقيين بصدق، وأؤكد على الصدق والعفوية، وحدهم شيعة وسنة ومسيحيين وإيزيديين ومندائيين. وعندما يتوحد الناس في أحزانهم، فيكونون صادقين في مظاهر الوحدة والتعاطف المتبادل، لا كما يتظاهر السياسيون، عندما يلتقون على موائد المصالحة، بعدما يصبون الزيت على نار الفتنة بين الطيبين من بنات وأبناء الوطن الواحد. فأي فرق بين صدق مشاعر المواطن، ونفاق السياسي، حاشا للقلة الضئيلة منهم، تلك القلة التي تكاد للأسف لا ترى بالعين المجردة.
مع كل الحزن والوجع والألم والقلق، وجدنا هذه العفوية في مظاهر التبرع بالدم في كل المحافظات، من كل الطوائف، ووجدنا ظاهرة إشعال الشموع، وكأن الشموع تريد أن تقول لنا، لا تيأسوا، فها أنا هنا، لأزيح الظلام عن واقع العراقيين وعن قلوبهم ونفوسهم.
كارثة الكرادة الشهيدة ومرور العيد المتوشح بالسواد استحضرا كل الكوارث التي مرت على العراقيين؛ استحضرت سپايكر، وسنجار، وكنيسة النجاة، وجسر الأئمة، ومسجد مصعب بن عمير، وكل تفجيرات مدينة الثورة والشعلة وغيرهما، وجددت كل الأحزان.
ولكن هل يا ترى إن هذه العصابة المجرمة التي لا تهوى إلا القتل، ولا تشبع من مشاهد الدماء، هذه العصابة التي انتزع من قلوب أفرادها كل أثر للإنسانية والرحمة، هل إن عصابة تنظيم الدولة الإسلامية، هلى إن عصابة داعش الإرهابية، هي وحدها التي ارتكبت مجزرة الكرادة، وسلسلة المجازر التي لا تحصها قبلها؟ أليست هذه القوى السياسية، القوى الطائفية، والمسيسة للدين، والمتاجرة بالدين، والفاسدة، والسارقة للمال العام، ولقوت العراقيين، لقوت الجياع، هي التي مهّدت لداعش، وما قبل داعش؟ فلو تأملنا في كارثة الكرادة، سنرى بشكل لا يقبل الشك، إن هناك اختراقا أمنيا، لولاه لما استطاعت هذه الشاحنة بكل هذا الكم الهائل من المتفجرات أن تكون هناك، فتحول الكرادة إلى جحيم. والاختراق لم يكن سيكون، لولا الفساد، والفساد ما كان سيكون، لولا التستر المتبادل بين القوى السياسية الممارسة له، وهذا التستر المتبادل ما كان سيكون، لولا المحاصصة، ولم تكن المحاصصة ستشق طريقها إلى الأداء السياسي والعملية السياسية، لولا الطائفية السياسية، التي ما كانت إلا الوليدة غير الشرعية لتسييس الدين، والإسلام السياسي الشيعي والسني. إن الذي مهّد الأرضية لكارثة الكرادة الشهيدة، ولكل جرائم داعش هو قيام العملية السياسية برمتها، ومنذ البداية، على أسس خاطئة، بل مدمرة، فبدلا من أن نرى أحزابا سياسية، وأؤكد على صفة (السياسية)، تتوزع بين اليسار الديمقراطي، والاتجاه الليبرالي، والوطنية الوسطية، تؤمن كلها بالمواطنة، ولا تكون ممثلة لهذا وذاك المكوّن، لاسيما للطائفتين المسلمتين الكبريين، بدلا من أن نرى أحزابا سياسة، وليست طائفية وعرقية، ببرامج سياسية، تتنافس على خدمة الوطن والمواطن، وجدنا بدلا عن ذلك أحزاب تسييس الإسلام، وتسييس التشيع، وتسييس التسنن، فبدأت الكارثة بهذا التأسيس الخاطئ والمدمر لكل أحلام العراق، ووجدنا أحزابا تتنافس على نهب ثروة العراق وقوت العراقيين.
بعد كارثة الكرادة الشهيدة، تبين أكثر من ذي قبل وجوب تجريم كل سياسي، يتحدث بلغة شيعية أو بلغة سنية، ويعرض نفسه ممثلا لهذا المكون وذاك المكون، نعم لا أبالغ، عندما أقول إنه يجب أن تجرم هذه الممارسة السياسية الطائفية، وهذا الخطاب السياسي، كما يجرم الفكر النازي في ألمانيا. فهذا هو الذي مهد الطريق وأسس الأرضية لكارثة الكرادة وكل كوارث العراق.
دموع وشموع وأحزان العراقيين، ومظاهر وحدتهم في أحزانهم؛ كل ذلك يجب أن يبعث وعيا جديدا، وإرادة جديدة للمضي بالعراق نحو تحقيق أحلام العراقيين، تلك الأحلام التي قتلتها الطائفية السياسة، وجاءت داعش تتويجا لتسييس الدين وتسييس الانتماء الطائفي، فتحل الكوارث علينا. وعلى العراقيين أن يتحلوا قبل كل شيء بوعي يحول دون استغلال دموعهم وأحزانهم من قبل بعض القوى ليبيعوا العراق لأجندات إيرانية، أو سعودية، أو تركية، أو قطرية، وأن يضعوا حدا للقوى السياسية التي تنفذ أجندات هذه أو تلك الدولة التي لم ترد خيرا للعراق والعراقيين، وذلك عبر استقواء كل من القوى السياسية على خصمها السياسي بهذه أو تلك الدولة، ليباع العراق رخيصا، أو ليوضع العراق تحت وصاية ولاية الفقيه.
نعزي ذوي الضحايا وأحبتهم، ونعزي كل الشعب العراقي، في عيدهم المتوشح بالسواد، والمتكلل بالأحزان، وأسأل الله أن يكون هذا العيد آخر عيد حزين، لتتحول أحزان العراقيين إلى أفراح، ومآتمهم إلى مسرات، وأيامهم إلى أعياد.
07/07/2016