جعفر الإفريقي، ابن قاهر الامبراطورية

توفيق أبو شومر
2016 / 7 / 5

زيارة نتنياهو لأربعة دول إفريقية، يوم 4/7/2016 تحمل عدة دلالات وإشارات يجب التوقف عندها لتقييمها.
لم تُثرني في قصة الزيارة سوى تقريرٍ أوردته صحيفة يديعوت أحرونوت عن، خطاب نتياهو في موقع عملية عنتيبي، يوم 4/7/2016 بمناسبة مرور أربعين عاما على عملية (مطار عنتيبي) عندما اختطفتْ مجموعة من الجبهة الشعبية، بالتعاون مع عضوين من الحزب الثوري الألماني، عام 1976 طائرة إير فرانس المتوجهة إلى مطار تل أبيب.
نفذتْ إسرائيل عملية عسكرية في المطار الأوغندي لإطلاق سراح الرهائن، بمجموعة من فرقة، سيريت متكال، تقدر بمائة جندي وضابط، قتل في العملية يونثان نتنياهو، أخو رئيس وزراء إسرائيل الحالي.
كان ذلك تاريخا قديما، غير أن صحيفة يديعوت أوردت تحقيقا مع ابن عيدي أمين، جعفر أمين، الذي كان يبلغ من العمر وقت تنفيذ العملية عشر سنوات، هو اليوم يعتذر عما فعله والده، ويعتزم زيارة إسرائيل، لتقديم الاعتذار عما فعله أبوه في حق الإسرائيليين.
لم تكتفِ الصحيفة بذلك، بل إنها أوردت شطرا من ذكريات، ابن عيدي أمين، وهو ينقل عن زملائه في المدرسة الابتدائية، ممن كانوا يتندرون على ألقاب أبيه الفخرية، فقد اعتاد الديكتاتور عيدي أن يسمي نفسه:
(صاحب الفخامة، الرئيس مدى الحياة، المشير، صليب النصر، قاهر الامبراطورية البريطانية، الحاج الدكتور عيدي أمين، ملك اسكوتلندا....)
عيدي أمين الذي تولى السلطة في أوغندا من 1971-1979 توفي وحيدا في بيتٍ معزول في جدة بالسعودية عام 2003 .
إن جعفر الإفريقي!! بالمعنى الآخر يتوب عن ماضيه، وهذا ما حرضني على أن أكتب عن توبة القارة الإفريقية.
قارة إفريقيا اليوم تقترب رويدا رويدا من إسرائيل، وتتخلص من ربقة الماضي للأسف، وتلقى نفسها في أحضان مصالحها، ولم تعد الأيدولوجيا التقليدية، المتمثلة في العدالة والحرية، ونصرة الشعوب المقهورة تساوي شركة مقاولات واحدة، تعمر الصحراء الإفريقية، أو تحفرُ بضعة آبار مياه للظمأى!!
من المعلوم أن إسرائيل لم تغفل قارة إفريقيا من أجندتها الدبلوماسية منذ تأسيسها، أدركتْ بأن إفريقيا يمكنها أن تُعزز إسرائيل في كل المجالات، منها المجال الدبلوماسي، والاقتصادي، والعسكري، والسياسي، فكل دولة لا تستفيد من علاقتها مع القارة الإفريقية، ستظل ضعيفة مهما أوتيت من مصادر القوة.
إسرائيل تريد أن تُلغيَ قرار منظمة الدول الإفريقية عام 1973 الذي طالب الدول الإفريقية بقطع علاقاتها مع إسرائيل، فقطعت إحدى وثلاثون دولة علاقاتها مع إسرائيل
كما أن إسرائيل في إطار سعيها لإنهاء القضية الفلسطينية، تقوم اليوم بالخطوات التالية:
تعزيز علاقاتها التجارية مع دول منابع النيل الرئيسة، لكي تضمن الضغط المستمر على الدولتين العربيتين الكبيرتين، مصر والسودان! بالإضافة إلى أنها من ممولي ومخططي مشروع سد النهضة الأثيوبي، الذي يهدف لتقليص حصة مصر من مياه النيل، مما يخلق نزاعا بين مصر وأرتيريا، وهذا يستنفد الجهود المصرية في المجالات العسكرية، إذا فكرتُ في عمل عسكري، ويُنهكها في المجالات الاقتصادية!
جاءتْ زيارة نتنياهو بتوصية خاصة من سفير إسرائيل في الأمم المتحدة، داني دانون، لهدف كسر احتكار التصويت الآلي للقضية الفلسطينية، لأن كثيرا من الدول الإفريقية اعتادتْ أن تكون نصيرا لكل مشروعٍ يُقرُّ بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
إن الليكودي، داني دانون نفسَه هو صاحب مشروع التعاون العسكري والاقتصادي، مع دولة جنوب السودان في مقابل أن تستوعب حكومة الجنوب، آلاف المهاجرين الإفريقيين، ممن تسللوا عبر سيناء إلى أوطانهم، وهذا ما نُفذ بالفعل، فالغلبة اليوم للشركات والخبراء العسكريين الإسرائيليين في دولة جنوب السودان!
ترغب إسرائيل في توسيع نطاق تعاونها العسكري مع أنظمة الحكم الإفريقية، وبخاصة في مجال توسيع شراء السلاح الإسرائيلي، المنتج في شركة رافائيل، وهو يُدرُّ دخلا كبيرا على ميزانية إسرائيل!
لكثيرٍ من أباطرة التجارة الإسرائيلية نفوذٌ في تسويق التجارة المحرمة دوليا، (الماس الدامي) في إفريقية، وهو الماس الذي يُغذي العصابات الإرهابية في إفريقية، ويمدها بالمال لشراء الأسلحة!!
كما أن خبراء التدريب الأمني، وهم من عملاء الموساد، يقومون بتدريب الفرق المختارة في كثيرٍ من الجيوش الإفريقية، التي تحمي الرؤساء، وكبار الشخصيات!
إن هذه الزيارة، متعددة الأهداف والمآرب، تمرُّ مرور الكرام على بقايا العرب، فهم اليوم مشغولون بأنفسهم عن شعوبهم، وليس فقط عن إفريقيا!
وتمرُّ أيضا مرور الكرام على الفلسطينيين المنهكين بالاحتلال والانقسام!!