العيد في الحرب .. تحد وكرامة

بدر الدين شنن
2016 / 7 / 4

مهما تغول .. وتوحش .. وتمادى الإرهاب في حربه على سوريا .. دماء .. وخراباً .. وتجويعاً .. وتهجيراً .. فإن الشعب السوري كله سيحتفل بالعيد ..
في المدن والبلدات والقرى .. التي انتزعت الأمان ، بصمودها ومقاومتها ، وهي تقاوم الآن وتتحدى ، نيران ، وتفجيرات ، وقذائف ، وصواريخ الإرهاب ، ولؤمه ووحشيته ، وغدره ، التي تحمل كل أشكال الموت ، وتؤدي إلى تساقط الشهداء يومياً .
وفي خنادق .. ومرابض .. جنود الجيش العربي السوري وفي ميادين قتالهم .. دفاعاً عن كل شبر .. ولتحرير كل شبر .. من أرض الوطن .
وفي أماكن العلاج .. المصابون الذين يعالجون .. حاملين فوق جراحهم .. أوسمة مضرجة بالدم .. برهاناً على انتمائهم .. وصمودهم .. ووفائهم لجذور أجدادهم .. ومستقبل أبنائهم وأحفادهم .
وفي المدارس والجامعات .. حيث يؤكد الشباب ، تصميمهم على اكتساب العلم والمعرفة .. واقتحام آفاق المستقبل الذي به يحلمون .
وفي أحضان الوطن ، أو خارجه ، الأطفال الذين يغردون أمنيات الحاضر والمستقبل .. ناشرين .. فوق المساحات المتاحة الفرح والابتهاج ..
في شتات التهجير .. المهجرون الذي يتمسكون بمفاتيح منازلهم .. وبإرادة العودة إلى الوطن .. آمنين مكرمين .

إن الدلائل تعلن عن نفسها في كل مكان :
في حركة المدن .. والشوارع .. والأسواق . التي تعبر عن تحدي الحرب .. ودمارها .. ودمائها .. وعن حب الحياة .. وأعيادها .. وما تتضمنه هذه الأعياد من نيل بعضاً من أحلام أيام قبلها .. وما تعد به من أحلام في مواعيدها القادمة .
وفي جبهات القتال المشتعلة .. الكاسرة لمواقع الإرهاب .. والواعدة بانتصارات جديدة حاسمة .
وفي الأزهار الفواحة النضرة ، فوق مراقد الشهداء .
وفي إقدام التلاميذ والطلاب .. على التعامل مع الامتحانات الدراسية .. تحت القصف .. والتهديد بالموت .. وحصولهم .. في ظروف الحرب .. على نتائج جيدة .
وفي حصاد المحاصيل الزراعية .. حتى بالقرب من خطوط التماس .. وخطر الموت بلا مقدمات .

وهذا التصميم الذكي الشجاع .. على الاحتفال بالعيد في ظروف الحرب الخطيرة .. وتحت قذائف وصواريخ الموت .. هو من السمات العظمى للشعب السوري .. الذي تعرض للغدر والغزو والحروب مرات عدة .. من الشرق والغرب .. طوال تاريخه الممتد آلاف السنين .

وهذا الاحتفال بالعيد .. ليس هو الاحتفال الأول والوحيد .. فطوال السنوات الخمس من الحرب المدمرة .. واظب الشعب السوري على احتفالاته بأعياده . لقد صدحت أجراس الكنائس معلنة أعياد الفصح والميلاد .. ورتلت المآذن .. معلنة أعياد الفطر والأضحى .

إن احتفال الشعب السوري بأعياده .. في أزمنة الحصار والدمار والحرب .. يؤكد أن هذه الأعياد صارت مع الزمن .. لاسيما مع أزمنة الاجتياحات والغزو والكوارث الناتجة عن تداعياتها .. جزءاً متميزاً من تشكيل هويته .. ومن مقومات وحدته الاجتماعية والوطنية . ولو أن الشعب السوري قد استسلم لتداعيات البؤس والانهيارات المادية والنفسية ، التي تفرزها كوارث ومآسي الحروب .. لتلاشت قيمه .. وإرادته .. و تمزق واندثر ، كما حصل لشعوب أخرى .
ولا غرابة أن ’يستهدف الاحتفال بالعيد في الحرب ، بتشويهه .. وتدمير آلياته ، من قبل الغزاة ، حملة العقلية العنصرية الطائفية المتخلفة .، لتفكيك الشعب السوري ، وشل قدراته على المقاومة .

ولذا إن الاحتفال بالعيد .. في زمن السلم .. هو حركة إرادة .. من أجل القطع مع روتين وآليات تكرار حياة غير مستحبة ، تتطلب التغيير ، وانتزاع فسحة محايدة من الزمن ، تمارس فيها طقوس بريئة من الفرح تسوغ الرغبة بالتجديد . وهو في زمن الحرب فضلاً عن ذلك .. حركة وحدة عقيدية مشروعة .. هي أحد أوجه الوحدة الوطنية المطلوبة في آن . .. وهو طاقة محفزة لمقاومة المعتدين الغزاة ..

ولذا نقول لشعبنا من أعماق القلب .. كل عام أنت بخير .. في صمودك دفاعاً عن الوطن .. وفي تمسكك بحب البقاء .. والحياة .. والانتصار .