الانتخابات المحلية بين الضرورات والتحفظات

محسن ابو رمضان
2016 / 7 / 4


لعبت الانتخابات بالأراضي الفلسطينية المحتلة ابان الاحتلال و خاصة بالجامعات و النقابات و الاطر المهنية دورا كبيرا في تعزيز الحراك الجماهيري و بناء الثقافة الديمقراطية القائمة على التعددية و احترام الاخر، وشكلت النقابات و الجامعات أرضية مهمة للوعي الوطني و ادوات فاعلة في مواجهة الاحتلال و في تعزيز الوعي الوطني و الحقوقي المطلبي في نفس الوقت.
و في اطار القدرة على استثمار نتائج الانتخابات و توظيفها لصالح المسيرة الوطنية تم الاستفادة من تجربة انتخابات البلديات والتي تمت في العام 1976 في الضفة الغربية واصبح رؤسائها رموزا للعمل الوطني و قادة لشعبنا من اجل الحرية و هذا ما يفسر استهدافهم من قبل مجموعات المستوطنين المتطرفين في ذلك الحين.
و يذكر ان قادة الاحتلال ارادوا من تلك الانتخابات فرز قيادات بديلة عن المنظمة لإدارة الشؤون الداخلية بعيداً عن الأهداف الوطنية ، الامر الذي انقلب عليهم من خلال تأكيد هؤلاء القادة على انتمائهم للمنظمة و مشروعها التحرري.
شكلوا رؤساء البلديات و النقابات المهنية و رؤساء تحرير الصحف و بعض الشخصيات الوطنية و أبرزهم المناضل الراحل د. حيدر عبد الشافي لجنة التوجيه الوطني، التي لعبت دورا رئيسيا بقيادة الشارع و توجيهه لإفشال مشروع الإدارة المدنية في ذلك الوقت.
استطاعت الحركة الطلابية التي اتبعت النهج الديمقراطي و الانتخابات الدورية سواء في اطرها الخاصة او في مجالس الطلبة من فرز قيادات وطنية لعبت دورا رئيسيا بالكفاح الوطني و خاصة ابان الانتفاضة الشعبية الكبرى، و يذكر ان العديد من قادة القوى و الاحزاب و الحركة الاسيرة قد جاءوا من جذور الحركة الطلابية و في المقدمة منهم القائد الوطني مروان البرغوثي الذي شغل موقع رئيس مجلس طلبة جامعة بيرزيت في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي.
لقد تراجع العمل النقابي بعد تأسيس السلطة و ذلك رغم الانتخابات التشريعية العامة 1996-2006 بسبب الالتباس الذي ساد في تحديد طبيعة المرحلة، فهل هي مرحلة تحرر وطني أم بناء ديمقراطي أم هناك تداخل بينهما ؟؟، كما أن السلطة لم تقدم نموذجا بالحكم الرشيد المبني على الشفافية و المساءلة، كما أصبح العمل النقابي ذو طبيعة وظيفية بدلاً من طبيعته النضالية التي كانت سائدة قبل تأسيس السلطة.
تعزز التراجع بالقيم و الاليات الديمقراطية بعد الانقسام، فقد اتضح أن الانتخابات التشريعية ليست وسيلة حاسمة لحل الخلافات الداخلية بل من الممكن أن تكون وسيلة للتفكيك والشرذمة كما حدث بعد انتخابات عام 2006، و عليه فقد بات ضروريا ربط الانتخابات بوظيفتها و بالاستناد الى عقد اجتماعي متوافق عليه يحدد الاهداف السياسية و الاجتماعية و الحقوقية المشتركة و بالتالي تصبح الانتخابات في هذه الحالة اداة لتعزيز العقد الاجتماعي التوافقي الذي يجب أن تشارك في صياغته كافة ألوان الطيف السياسي بمشاربها الفكرية المختلفة و بالاستناد الى القواسم المشتركة.
و اذا كانت الانتخابات العامة (التشريعي – الوطني – الرئاسة)، بحاجة الى عقد اجتماعي حتى لا تتكرر النتائج المأساوية التي تمت عشية انتخابات 2006 فأن الانتخابات الخاصة بالبُنى ما دون المستوى التمثيلي العام مثل البلديات و النقابات و مجالس الطلبة ليست بحاجة الى ذات الاتفاق من العقد الاجتماعي بقدر ما هي بحاجة الى اليات لتنظيمها بوصفها هيئات ذات طابع خدمي و تنموي أو مطلبي.
ان اجراء الانتخابات للسلطات المحلية و فق قانون التمثيل النسبي الكامل، بات ضرورة بوصف ذلك يشكل أحد حقوق المواطن كما سياسهم في تجديد شرعية هذه السلطات و مجالسها و يعمل على تعزيز المنافسة الايجابية التي يجب أن توظف لصالح اعادة استنهاض الحالة الديمقراطية التي تراجعت كثيرا و انحسرت بصورة كبيرة جراء الانقسام والميل باتجاه اضفاء اليات من الادارة المركزية للحكم باتجاه المواطنين، علما بان اجراء الانتخابات في كل من الضفة و القطاع ستعطى مؤشرا على الارادة باتجاه وحدة الوطن و انهاء حالة الانقسام.
ان التحفظات التي تبديها حركة حماس على انتخابات البلديات من حيث تركيبة لجنة الانتخابات و اليات اجراءها و طريقة الطعون و غيرها ربما تكن ذات وجاهة و لكن من الممكن تذليلها بمزيد من الحوار و الإرادة باتجاه السير نحو الانتخابات و عدم اعتبارها عقبة باتجاه تنفيذها فهي تحفظات ذات طبيعة ادارية و فنية ولا تمس الخلفية المنهجية من وراء اجرائها ، علماً بأن انتخابات البلديات التي تمت في عام 2005 وكذلك الانتخابات النيابية العامة التي تمت في عام 2006 وتمت تحت اشراف ذات التركيبة من لجنة الانتخابات المركزية والتي فازت بهما حركة حماس بأغلبية واضحة .
من الهام ان توفر الانتخابات اجواء مناسبة لحرية العمل النقابي بما يشمل حرية الدعاية للكتل المتنافسة، الامر الذي يتطلب ازالة العقبات الخاصة بالحريات العامة و هنا يكمن بيت القصيد برأيي، الامر الذي يتطلب وقف كل اشكال الكبح و المنع لحرية العمل السياسي و النقابي و المهني و المطلبي.
و عليه فاذا تم تذليل كل من العقبات الفنية و الادارية من جهة وتلك الخاصة بحرية العمل، و هي ذات اولوية أشد و اعمق فمن الضروري السير دون تردد أو ابطاء باتجاه اجراء انتخابات البلديات بوصفها هيئات للتنمية و التطوير و بوصف اجراءها سيفتح الافاق لإجراء الانتخابات العامة التي يجب ان تسير وفق مفهوم العقد الاجتماعي و مناخات من الحرية و في المقدمة فيها حرية العمل السياسي و النقابي.
انتهي