المال والسياسة: المؤلفة قلوبهم في العراق!

ناجح العبيدي
2016 / 7 / 4

المال والسياسة: المؤلفة قلوبهم في العراق!
عندما وصل رئيس الورزاء العراقي السابق نوري المالكي إلى سدة الحكم عام 2005 في ولايته الأولى كان سعر النفط أقل من 50 دولارا للبرميل. وحالف الحظ المالكي عندما واصل سعر البرميل صعوده غير المعهود واستطاع خلال سنوات قليلة أن يكسر حاجز الـ100 دولار. وترافق ذلك مع زيادة مطردة في انتاج النفط. ولهذا كانت ميزانية الدولة العراقية توصف على مدى سنوات متتالية بأنها "الأعلى في تأريخ العراق ". وأغتنم المالكي الفرصة السانحة لتوظيف المال لتوسيع قاعدته الشعبية وللتخفيف من حدة الصراعات المذهبية والإثنية التي عصفت وتعصف بالعراق. ولم تأتِ هذه السياسة من فراغ ، بل هي امتداد لسياسة "تأليف القلوب" التي اعتمدنا النبي محمد قبل أكثر من 1400 عام والتي لا تزال تحظى بشعبية كبيرة في الشرق الأوسط. وبطبيعة الحال لم يكن المالكي في حاجة لأحد لكي يعلمه سحر المال في استمالة القلوب.
فقبله لجأ الأمريكان للمال لشراء الولاءات على نطاق واسع في إطار سياستهم المعلنة لـ"كسب العقول والقلوب". وكانت الصفقات تُدفع بالطبع نقدا بالدولار الأخضر الذي توفر فجأة بكميات كبيرة بعد 2003 . ففي منتصف عام 2004 قامت طائرة أمريكية بنقل مئات الأطنان من العملة الأمريكية من فئة 100 دولار إلى العراق. وقد قدّر "ستوآرت بوين " المفتش العام الأمريكي لإعادة إعمار العراق قيمة الحمولة بستة مليارات وستمائة مليون دولار والتي أخذت من صندوق تنمية العراق الذي كان خاضعا حينها لإشراف الأمم المتحدة. ووظفت هذه الأموال في دفع رواتب الموظفين العراقيين وفي تمويل ميزانية الحكومة العراقية المؤقتة وكذلك لاستمالة الحلفاء وتحييد الخصوم . غير جزءأ لا يستهان به من هذه الأموال تسرب عبر قنوات غير شرعية ويُقال إن أكثر من مليار دولار لا تزال مخزونة في قبو في لبنان. وفي تلك الفترة وبعدها أيضا كان الكثير من المسؤولين المدنيين والعسكريين الأمريكيين يهبطون في مطار بغداد حاملين حقائب مليئة بالدولارات. ويبدو أن الجانب الأمريكي كان قد درَس سياسة "تأليف القلوب" واطلع على دورها في المجتمعات الإسلامية على الرغم من أن الأمريكان يتهمون عادة بأنهم جاهلون بتأريخ المنطقة وعادات شعوبها. وبالفعل نجح الأمريكان في كسب مؤيدين من جميع الفئات وفي إقامة تحالفات مع قوى وعشائر في المنطفة الغربية على وجه الخصوص لكسبها إلى الحرب ضد تنظيم القاعدة الارهابي. وبالتأكيد لعبت هذه الدولارات دورا هاما في صحوة العشائر العربية "الأصيلة" وإداركها لخطر الإرهاب.
وبعد وصول نوري المالكي إلى دفة الحكم تحولت سياسة تأليف القلوب و"الجيوب" إلى مبدأ أساسي للدولة العراقية الجديدة. فبصفته زعيما لحزب الدعوة الإسلامي يعرف المالكي جيدا تفاصيل هذا المبدأ الهام الذي اعتمده محمد في صدر الإسلام والذي تعتبره قوى الإسلام السياسي احدى ميزات الدولة الإسلامية. ومن الملفت للنظر أن توظيف المال لكسب الحلفاء أو لتأمين شر الأعداء نصّ عليه القرآن {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ}. وبالتأكيد فإن تأليف القلوب هو تعبير عن حنكة محمد السياسية وقدرته على التعامل المرن مع المعارضين والمتذبذبين وبما ساعد في تثبيت أركان دولته الحديثة في تلك الفترة. وتذكر لنا كتب السيرة أن النبي كان يطالب أصحابه بـ"قطع لسان" من ينتقده كثيرا، والمقصود إعطاؤه المال حتى يسكت ويكف عن الانتقاد. غير أن ورود "تأليف القلوب" في القرآن حوّل هذه الممارسة المثيرة للشبهات إلى مبدأ "مقدس". وهذا ما تتحجج به حاليا الكثير من الدول الإسلامية وفي مقدمتها السعودية لتبرير دفع الرشاوى لقادة سياسيين واعلاميين عرب وأجانب لترضيتهم وكسب ودهم ولتوسيع نفوذها في المنطقة والعالم. ولا يزال معظم الدعاة الإسلاميين يصرون على أن تأليف القلوب أمر إلهي ثابت ولا يقبل النسخ رغم معرفتهم بإقدام الخليفة الثاني عمر بن الخطاب على إلغاء هذه السياسة لاحقا بعد أن انتفت الحاجة إليها. وفي كل الاحوال فإن النص القرآني يشجع على التمادي في شراء الولاءات والذمم لأنه يعمل على طمأنة مشاعر الجانبين، العاطي والآخذ معا، ويوفر لهما المسوغ الشرعي بأن ما يفعلانه لا يتعارض مع الأخلاق. وهذا ما حصل أيضا في العراق بفضل انهمار البترودولار والقفزات التي سجلتها ميزانية الدولة والتي وصلت إيراداتها في عام 2013 إلى أكثر من 100 مليار دولار. وبهذا حصلت الحكومة العراقية على قدرة أكبر على المناورة وعلى إمكانيات أوسع في استخدام الانفاق الحكومي كأداة لاستمالة الأطراف المتذبذبة في مواقفها أو على الأقل ضمان حيادها وعدم انخراطها في نشاطات معادية. ومن دون شك فإن هناك ما يبرر اللجوء إلى سياسة توزيع المال والهبات والامتيازات لفترة معينة للحفاظ على السلم الأهلي في ظل التركيبة المعقدة والتحالفات الهشة التي اتسم بها نظام ما بعد 2003. ولكن ارتباط سياسة تأليف القلوب بالدولة الريعية ونظام المحاصصة الطائفي والإثني وبظاهرة المحسوبية والمنسوبية حولها إلى مصدر أساسي للفساد ولتبديد المال العام. وتكمن المشكلة الاساسية لهذه السياسة في أنها كانت تجري في الخفاء ودون أي رقابة. وعلى خلفية هذا النهج لم تلعب معايير الجدوى الاقتصادية والاجتماعية الدور الحاسم في توزيع موارد الدولة على المناطق والمحافظات، وإنما أعتمدت سياسه سخية ومتساهلة بهدف تجنب الصراعات والخلافات ولضمان الولاء المؤقت على أساس مصالح مالية ضيقة وقصيرة الأمد. ولم يقتصر الأمر على إفساد النخب السياسية والاجتماعية فحسب ، بل تعدى الأمر إلى محاولة توريط المجتمع وفئات اجتماعية واسعة في نهج تأليف القلوب. ففي إطار هذا السياسة تم أيضا رفع الرواتب والأجور لموظفي القطاع العام والمتقاعدين عدة مرات، بل ومرر مجلس النواب قوانين في هذا الشأن بطريقة متهورة ودون وعي كاف بتبعاتها المالية. ورغم أهمية تحسين الوضع المعاشي للمواطنيين، إلا أنه لم يكن "حسنة" لوجه الله، وإنما محاولة سافرة من المسؤولين في الأجهزة التشريعية والتنفيذية لشراء سكوت المواطنين على تمتعهم بامتيازات مالية سخية. وعليه يمكن الاستنتاج بأن العقلية الدينية السائدة والتي تبرر استخدام المال في كسب "القلوب" هي جزء مما يعرف بـ"ثقافة الفساد" ولعبت دورا هاما في توفير أرضية اجتماعية خصبة لتفشي الرشوة ولإضفاء نوع من الشرعية عليها الأمر الذي يضع عقبات إضافية أمام جهود مكافحة الفساد.
وكما حصل مع النبي محمد الذي وجد بأن لنهج استمالة القلوب بالمال حدودا لايمكن تجاوزها { لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} وأنه يحتاج للعون الالهي لتحقيق هذا الغرض، فإن سياسة تأليف القلوب والجيوب في العراق المعاصر وصلت في عام 2015 إلى طريق مسدود. ويعود ذلك بالدرجة الأولى إلى إنهيار أسعار النفط الذي بدأ في منتصف عام 2014 . فرغم التعافي النسبي الذي سجلته أسعار النفط في الأشهر الأخيرة، لا يزال مستواها الحالي أقل من النصف مقارنة بالأسعار السائدة قبل عامين. ومع استمرار تدني أسعار النفط دخل نهج شراء التأييد والولاءات وأسلوب "تطييب الخواطر" و"رشوة" الخصوم والحلفاء في مأزق حقيقي الأمر الذي شكل الأرضية لتأجيج الصراعات السياسية والاجتماعية والمذهبية والفئوية. وبالتأكيد فإن عامل المال يلعب دورا أساسيا في تفاقم الأزمة الحكومية والأزمة البرلمانية في العراق وكذلك في تزايد السخط الشعبي واحتمال إنجرار الشارع إلى أعمال عنف لا تحمد عقباها. وفي نفس الوقت تقف عقلية "تأليف القلوب" بالضد من أي محاولة جدية لإجراء إصلاحات اقتصادية حقيقية، طالما أن هذه الإجراءات ستمس مصالح وامتيازات المستفيدين من السياسة السخية لتوزيع المال والامتيازات والمناصب. وهذا بدوره يؤدي إلى تفاقم الأزمة المالية الخانقة في العراق.
في المقابل توجد في المنطقة دول نفطية ثرية وفي مقدمتها السعودية وإيران والتي تملك باعا أطول وخبرة أكبر في سياسة تأليف القلوب. وهي لا تتردد في توظيف المال بطريقة فجة لتوسيع نفوذها. وليس سرا أن هذه الدول تستخدم المال أيضا لشراء الذمم وللتأثير على قرارات سياسيين عراقيين. ويبدو أن قدراتها في ذلك أكبر من إمكانيات الحكومة العراقية. وبدون هذا العامل يصعب التفسير التقلبات الحادة في مواقف بعض السياسيين وتغييرهم لولاءاتهم في ليلة وضحاها.
إن استخدام المال في السياسة يعتبر ظاهرة منتشرة في جميع أنحاء العالم، ولكن أشكال تطبيقها تختلف من بلد لآخر. ويمكن الاشارة هنا إلى جماعات الضغط "اللوبي" المألوفة في الدول الصناعية.وكثيرا ما تتذكر الحكومات المنتخبة ديمقراطيا فجأة قبل الانتخابات بأن الوقت قد حان لرفع مرتبات المتقاعدين أو لتقديم تسهيلات ضريبية جديدة. ولكن كل ذلك يُنفذ بطريقة شفافة وعبر قوانين تقرها السلطات التشريعية وتراعي إمكانيات الدولة المالية. ولا أحد ينظر إليها كقضية دينية مقدسة أو كصدقة من الحاكم، كما هو الحال في بلدان إسلامية.
كما أن عملية توزيع الدخل في الدول الديمقراطية تخضع أيضا لاعتبارات إيجاد نوع من التوازن بين مختلف الفئات والمناطق والتي تُترجم في الواقع العملي أثناء إعداد وإقرار ميزانية الدولة. من جهة أخرى تستخدم الدول وبما فيها الدول الديمقراطية المال في العلاقات الدولية. ولعل مساعدات التنمية من قبل الدول الصناعية هي أحد الأمثلة على ذلك. ولكن لا يجوز أن تقدم هذه المساعدات في إطار رشوة علنية أومستترة لأصحاب القرار وإنما كوسيلة للمساعدة من أجل مساعدة الذات.
ومن هنا فإن العراق وغيره من البلدان الإسلامية في حاجة إلى قوانين كثيرة تنظم المال العام وأوجه صرفه وتُسلط الضوء على تمويل الأحزاب السياسية وتجبر السياسيين على كشف ذمتهم المالية بأمل أن تقل أعداد "المؤلفة قلوبهم" بينهم.

د. ناجح العبيدي
4/7/2016