في ضرورة الوقاحة

سامي عبد العال
2016 / 7 / 4

الوقاحة تورُط أخلاقي ومعرفي إزاء إنسان ما، مجتمع ما، لا يحتمل المزيد. فهي عمل صفيق يتطلب قدراً من القوة المنفلتة. لا تمثل موضوعاً في ذاتها. لأنها مظهر لإدراك الواقع والإصرار على التبجح تجاهه. وبذلك ليست الوقاحة رزيلة. بل هي فيروس الفضائل، إذ تختبرها وتضعها على المحك. دوما لن ترضى بالآخر لكنها تعتبره تبْغَاً تُشْعله كسيجار محترق. والوقح كائن يتناسى واجبه اندفاعاً بقوة داخلية تضعه قيد الاستفهام. المفارقة كيف نتوقَّح مع كل أوصاف انسانية هي لنا؟!
من ثم تأتي أهمية الوقاحة insolence بقدر ما تكشف الأخلاقيات السائدة العفنَّة. كل الأخلاقيات لا تمتلك عندها شيئاً. فجأة سيغدو رصيدها صفراً. لأن التوقَّح يتضمن هذا الازدواج، التناقض الفاضح. ومع ذلك يترك آثاره قدر ما يستطيع في الحياة. فحينما نصادف شخصاً يزعم شيئاً لا قبل لنا به، وهو يعرف ذلك، فلا يمحى هذا الأثر. لكونه أحيا داخلنا النقيض(اللا أنا non ego)، هذا الآخر الذي لا يهدأ. فيشعل داخلنا رؤى مختلفة ومتلاطمة الأمواج.
بالتالي فأن تصبح وقحاً "أمر مهم" لتقليب المواقف على جوانبها الجريئة. بمعنى: قد لا يكون الإنسان وقحاً دونما أن يناقض الفضائل الآسنة قبل أي شيء آخر. وبالتالي في عمق الوقاحة هناك انتهاك ما، تجاوز ما، ادعاء معين. كيف نستفيد من ذلك في وضع الوقاحة أمام نفسها؟ ألا يفترص ذلك قدرة على ممارستها بوعي أكثر نفاذاً لمعرفة استعمالها لا خلاقياً؟! فكما يشير نيتشه علينا أن نضع انفسنا دوماً في حالات لا نخضع فيها لفضائل مزيفة. بالمثل يجب ألا نسمح بتغطية الحقائق. فلم ينجو إنسان من الوقاحة: إما ضحية أو جلاد أو الاثنين معاً. الاحتمال الرابع: أن يقفز خارج سفينة الأخلاق المعطوبة. عندئذ يراها وهي تغرق عن كثب فينتظرها تحت الأعماق. حيث يسكن الشيطان في التفاصيل!!
فعلاً بكل وقاحة نحن يجب أنْ نتساءل: لماذا لا نهتم بذلك المشكل اللاأخلاقي؟! فلا يفل الحديد إلا الحديد. ذلك أن وقاحة واقعنا الراهن تمادت في تداعياتها. وأضحت غاشمة، تزداد شراسة يوما ً بعد يوم. فمثلاً ليس أوقح من الباس الشر رداء الخير طوال الوقت. ووضعه باعتباره حقيقة ثابتة. لتترتب عليه أعمال وتصرفات خارج حدود نطاقه. رجال الدين بإمكانهم تبرير الشر في صورة الخير. لأنهم يعتقدون أنفسهم حراساً لشريعة السماء في الأرض. فالدين يقوم على التبرير لأي فعل وإن كان شراً. في هذا تتوقح الفتاوى لإضفاء مشروعية على ما يرتكبه الإرهاب. حتى باتت الوقاحة سمة لا يخلو منها فقه الحرب والقتال والعلاقات مع الآخرين.
الأمر بالمقابل يتطلب عقلاً وقحاً لكشف المعضلة. لكن هل هناك عقل وقح خارج الأخلاق؟ ولئن كانت تلك الصفة ذات طبيعة قيمية فلماذا لا تتأسس عقلانية نقدية وقحة. بحيث لا تتورع عن اقتحام الواقع بشراهة. كل حكمة تنطوي على وقاحة بعمق المعاني. إنَّها رؤية نافذه تعري مصير الأشياء. وما لم تتوقح الحكمة في سرها لن تتجاوز سطح التعبيرات. لماذا لا ندرك جوهرها؟ لأن هذه الحكمة أو تلك تنشغل بمفارقات الحياة. ونحن حينما نفكر فيما تقول تخطفنا أحدى المفارقات متناسين أن ثمة وقاحة تعرينا في نفس الوقت.
فالجذر المعجمي: وقح، توقح، استوقح... ينطوي على الصبر، الاصطبار. وعليه يمكن استعمال الصبر في سياق تتأرجح فيه قيم التواطؤ، الخمول والعمالة. ويقال: توقَّحت الحرارة؛ أي اشتدت وازدادت ارتفاعاً. وبالتعريف التقليدي تعتبر الوقاحة اجتراءً. وكل ذلك ينم عن فض ميوعة الفعل. فيصبح واضحاً وحاداً كما النهار. العقل حينما يكون وقحاً يتسلح بنقده الجذري. إنّه سيصبح باتراً بشكل لا أخلاقي. وقد لا تكون الأخلاق مطلوبة في مستنقع الوقاحات إنما نحتاج فأساً تزيل الأوحال جانباً.
فعلاً واقعنا العربي صارخ لدرجة أنه يعاجلنا بقُبحه المباشر. من هنا اسهم الشأن العربي في بلورة مبادئ التوقُّح وتحديد مجالاته!! فمن زاوية ربيعنا الدموي هناك من تحدث باسم الحرية وباسم الله وباسم القانون وباسم الإنسان. هو فعل ذلك بدون مسمَّى ولا منطق. والأنكى أنه ارتكب من الجرائم نقيض ما نادي به. فذبحَ الإنسان، وأضاع الله وقتل القانون وربط الحرية بالخراب. إنه جنون الواقع إلى حد النذالة. إذن: كيف تكون الحقيقة مختلطة بنذالة لا تبرأ منها؟! وهل توصف الحقائق بأوصاف لا أخلاقية أصلاً؟ وما مشروعية ذلك العمل وعلى أي مستوى؟!
هنا المشروعية تتم بفرض الانتهاك من قبل سلطة تتجاوز نطاقها. كما إنها تعصف بأية معايير إزاء المعرفة التي تحققها. المشكلة تحديداً: هل يمكننا التعامل مع الواقع المشين بخلاف ما هو عليه؟ لقد أصبح واقع مجتمعاتنا هو الفضيحة. والـ "هو" كماهية تترقب الاستيلاء على أية معرفة كاملة. كل ما نمتلك من عتاد معرفي بجانب واقعنا لم يعد ليجدي. كل فنون الرؤية والكشف والتمسرح أضحت كليلة وأصابها الرمد المزمن. ومع ذلك نحن راضون عن حالنا كما نعيش... نأكل القوت وننتظر الموت.. أو كما جاء بالحديث المعمد بالخنوع" من أصبح آمنا في سربه، معافىًّ في بدنه، عنده قوت يومه كأنما حيزت له الدنيا بحزافيرها!!
هل هناك عبودية سعيدة أكثر من هذه؟ هل يوجد من يتكلم باسم شيء لا يعرفه، ثم يقال مازال الوقار موجوداً؟ الموضوع ليس مُزحة إذن، بل في غاية الصرامة المعرفية. كيف يتطلب الواقع علماً بل يفرضه فرضاً ولا نستطيع تلبية رغبته؟ المجال ليس خاصاً بالأنبياء والرسل حتى نقول هناك ضرورة لرسالات أخرى أم لا. لقد أُغلق هذا الباب تماماً منذ انتهاء عصور الأنبياء. كما أن علوم الإنسان لدينا غارقة في أحكام أخلاقية حتى النخاع. فهناك من ينادي بأسلمة الاجتماع وعلوم النفس والفلسفة. فضلاً عن تحريم الميتافيزيقا والقانون. فهذه علوم الكفار.
انعكاس ذلك كان سريعاً: فقد غُطِّي الواقع القبيح بكم سميك من الأخلاقيات العامة. وهي تصورات وأبنية تضفي مشروعية على حالته. إما تمهيداً للاستيلاء علية كما يتحين الاسلاميون. وإما لخدمة أغراض سياسية كما تفعل مراكز إنتاج المعرفة الرسمية. إذ تسيس المعارف الإنسانية لصالح السلطة. بل تعيد إنتاجه مرة أخرى يومياً.
في مثل هذه الحالات يرى نيتشه: أنَّ الوقاحة أهم تصور يمكن الخروج به. فلئن كانت الحقائق مؤلمة وفضائحية، فماذا ننتظر حتى نعريها بكل صلافة وقوة في آن؟ نحن نحتاج علماً خاصاً بالوقاحة. لمعرفة أساليبها وأدواتها وأنظمتها وكيف تتغلغل في حياتنا باختلاف أنشطتها.
وحتى لا نخفي شيئاً سيكون علم الوقاحة أشبه بادعاء النبوة وسط الاتقياء. وبالجنون إزاء العقلاء. وبالرزيلة بين الفضلاء. هكذا يبدو للبعض، لأنَّ كل الناس أتقياء كما يزعمون، وجميعهم عقلاء. وهم أيضاً الفضلاء. الوقح هو من يستوثق من مزاعمهم في نطاقٍ هم اختاروه لنزال علني. وهو أكثر المجالات كشفاً لطبيعة الأعمال الوقحة التي تتخفى بينهم. ولا يعني ذلك اقتضاء ما لا وجوب له. ألم يكن لكل أصحاب الوقاحات ملأ يخصهم؟! لكل الأنبياء أدعياء. لا يفهم أولئك إلاَّ بظهور هؤلاء. ولا نعرف أيهما كانت معجزاته حقيقية دون غيرها. إلا إذا قيل: فليكن لدية دليل على ما يملك فليطرحه سريعاً.
أما نطاق هؤلاء الأدعياء فهو المجال العمومي كميدان للنزال بين الوقاحات. القضية ليست بهذا الشكل نتيجة رغبة شخصية. فالعلوم بحسب فلسفتها لا تشخصن، إنما المجال العمومي نفسه لا يحتمل وقاحة بلا انكشاف. وسيظهر تململه من ادعاء التسيّد بلا سند ولا تفويض. كمن يحاول سرقة كوكب في الفضاء زاعماً أنه ملك شخصي. لنفترض أنه أخذه بالفعل فكيف سيدير شؤونه؟ وهل بالإمكان عزله عن وضعه الكوني؟ وإذا فعل ذلك فهذ سذاجة التفكير ومناطحة لواقع موضوعي. لكم ماذا لو أصر على ذلك رغم كل هذه الأشياء؟
هنا يبدو الموقف وقحاً إلى درجة الصفاقة. هكذا سيكون علم الوقاحة مجالاً لرصد الانتهاكات إزاء كل حق يمنح مجاناً بلا أدنى أحقية. والشيء الداعي للدهشة أن موضوع الحق غير موجود إلاَّ في اوهام صاحبه. وبالكيفية التي يريدها هو حصراً. هكذا زعمت الجماعات الدينية قيامها بأعباء الثورة والخلافة والديمقراطية!! ومن ثم كان سؤالها المبدئي: لم لا تتولى حُكماً يشكل هدفاً شرعياً لجميع الأطياف السياسية؟ حتى أضحت السياسة فناً للقبح على كافة المستويات. سنجد أيضاً لصاً بمرتبة رجل أعمال، وزيراً ليس مكانه إلاَّ السجن، ونظاماً سياسياً لا وجود له إلاَّ بالقمع والاستبداد. فأية وقاحة ساخرة نتجرع؟!