بين ماركس وعلي بن ابي طالب .. الفقر رجل يمكن قتله

جعفر المظفر
2016 / 7 / 2


أود التنبيه إلى أن الإقتراب هنا من هاتين الشخصيتين, لا علاقة له بالمقدسات الدينية, ولا بالمواصفات الشخصية للرجلين, بل بالقيمة الأخلاقية لمنهجيهما الفكري, وهذا التنبيه سيعفيني من أي حوار ذا علاقة بقضايا الإيمان بالدين من عدمه. إن قضية الإيمان بالخالق أو عدمه لا شأن لها بالقضايا الأخلاقية التي هي منظومة قيمية خاضعة للتطور والتعديل وحتى التبديل وفق متغيرات الزمان والمكان, أما روح الأخلاق فثابتة. وستوضح لنا العودة إلى شريعة حمورابي التي تعود إلى ما يقارب الثمانية عشر قرنا قبل الميلاد كيف أن الوصايا الدينية المسماة بالعشرة, والمشتركة بين جميع الأديان, قد وجدت قبل وجود الرسالات السمائية نفسها.
وما أريد توضيحه أيضا هو ضرورة التمييز بين الثابت الأخلاقي والمتغير المنهجي على ضوء تبدل الزمان والمكان مما يوجب عدم إسقاط المشاهد الزمنية على بعضها. مثال ذلك كان ماركس قد عاش في زمن تراجعت فيه القيم التي تنظم عملية الغزو, تلك التي رافقت تواريخ كل الشعوب الأخرى, وليس التاريخ الإسلامي لوحده, كما أن التطور الإنساني وقيم الحداثة قد ألغت قضايا مثل السبي والرق وجعلتهما جريمة بدلا من غنيمة. وهذا سيوصلنا إلى حقيقة جديرة بالإهتمام, وهي أن دعاة العودة إلى الشريعة, كما كانت عليه, وتطبيقها بالحرفية القافزة على المتغير الزماني والمكاني هم أصحاب فكر مأزقي حقيقي.
إن الزمن وهو يفرض متغيرات على صعيد المناهج وآليات ووسائل التنفيذ والتطبيق إلا أنه يعود إلى التأكيد على ثباتها أخلاقيا, أما الإختلافات فسوف تكون ذات صلة بوسائل الوصول إلى الهدف الأخلاقي لا حول الهدف الأخلافي ذاته. ومن الأكيد أن هذه الوسائل تختلف من وقت إلى آخر تبعا لإختلاف طبيعة النشاط الإقتصادي بشكل رئيسي لأن هذا النشاط سيعبر عن نفسه من خلال مجموعة العلاقت الإنتاجية حينها مع ما يرافقها من وسائل وآليات التنفيذ.
لو أن الأمر من ناحية زمنية جاء معكوسا, أي لو أن ماركس كان قد عاش في زمن ابن ابي طالب وعمر بن الخطاب لقلت أمامه فرص أن يعبر عن أخلاقيته بطريقة أفضل من طريقتهما... لا شك أنه مع ثبات موقفه الأخلاقي سوف لن يصل إلى شكل المؤسسة الإشتراكية التي كان قد وصل إليها حينما عاش في زمن ما بعد الثورة الصناعية التي أنتجت بدورها طبقاتها الإجتماعية المعروفة ومن بينها الطبقة البرجوازية والعمالية.
وهل كان أمام ماركس وهو يتعامل مع موضوعة الفقر إلا أن يقول نفس ما قاله بن أبي طالب (لو كان الفقر رجلا لقتلته), اي هل كان يملك, في مجتمعه البدوي المفترض, من الوسائل والآليات ما كان قد توفر له في زمن لاحق, أي في الزمن الصناعي الذي وجد فيه, لأجل أن يكون بمقدوره أن ينظم مؤسساتيا طريقة مكافحة الفقر ؟!
أو فلنعكس السؤال ونضعه على الشكل التالي: هل سيكون علي مقنعا في زمننا الحالي,, لنفسه أو للآخرين, لو كرر قولته تلك (لو كان الفقر رجلا لقتلته) وتمسك بنصها القديم.
لا أعتقد مطلقا أنه سيفعل ذلك, فهو, الذي قال (علموا أولادكم فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم), سوف لن يجد صعوبة في تحديد وسائل وآليات مكافحة الفقر من خلال مؤسسات إشتراكية او ذات متشابهات أخلاقية من شأنها أن تحدد وعلى ضوء طبيعة النشاط الإقتصادي حينها طريقة الوصول إلى الهدف الأخلاقي الإجتماعي.
نعم لن يكون غريبا أن يجري بن أبي طالب تعديلا اساسيا على قولته تلك ليقول (بَلا.. الفقر رجل وسأقتله). لأنه يوم يردد قولته القديمة عن الفقر والرجل, في زماننا هذا, سوف يكون أخلاقيا بالتمني وبالروح, أما على صعيد منهج الحكم والممارسة فسيكون عليه أن يجد وسائل ونهج يُمَكناه على أن يقتل الفقر حقا لا أن يتمنى قتله. إن بقاءه في حدود التمني سيحوله إلى صوفي أو راهب ويسقط عنه صفة القائد الثائر.
التناقض الذي يفرزه ثبات الهدف الأخلاقي مع طبيعة المتغير الزمكاني يمنحنا المشهد التالي: ان المؤسسة الدينية, السلفية الثقافة والممارسات وأصولية العقيدة والزمان والمكان, هي بحكم النقيض المادي الوضعي لما تعلن عنه من أخلاقيات, فهي من ناحية تقدس عليا كما كان لا كما سيكون عليه الآن. وسيمتد هذا المشهد ليشمل كل أصولية وسلفية دينية تلغي تأثير الأهمية العظمى للبعد الزمني على تكوين حقائق الكون.
بشكل مبدئي .. حل الإشكالية هنا يكمن في إيجاد وسائل وآليات ومناهج متغيرة مرحليا لتنفيذ الثابت الأخلاقي غير المتغير رغم إختلاف الزمان والمكان. ولذلك لو أن عليا قد ظهر الآن لما ترددت هذه المؤسسة الأصولية السلفية أن تهاجمه بالطريقة التي تنبأ بها الشاعر النواب, أي لأتهمته بالشيوعية.
أما هو فأجزم ان أول ما سيفعله هو أن يقتل الفقر وكل رجالاته وسوف يصطدم أول ما يصطدم بالمؤسسة الدينية التي تحاول أن تقدمه لنا محنطا بزمانه ومكانه, وتمنعه عن محاولة الوصول إلى قيمه الأخلاقية بوسائل وآليات زماننا الحالي.
بالتأكيد أن هذه الموضوعة ستمتد لتشمل بمعانيها العامة كل الحركات الأصولية والسلفية التي تحاول العودة النصية إلى تطبيق مناهج سادت في الزمن القديم وتأسست تمظهراتها على الظروف الوضعية التي كانت قائمة ومهيمنة, وسيقرر هذا كم ستكون النقلة ظالمة حينما يُستدعى الإسلام في صدر ظهوره لكي يكون هو ذات الإسلام في عصر الحداثة, وهو العصر الذي بدأ يتعامل مع مفاهيم عدة بشكل نقيض تماما فصار عنده مفهوم الغنيمة مثلا مقاربا لمفهوم الجريمة