فرنسا يونيو 1936: الاضراب العام !

مارك ريمي
2016 / 7 / 1


غالبا ما يجري الحديث عن سنة 1936 باعتبارها عام مكاسب الجبهة الشعبية. ولكن إذا كان العمال انتزعوا حقوقا في تلك السنة، فمرد أولا و قبل كل شيء إلى موجة الاضرابات في مايو و يونيو 1936. فقد كانت فرنسا مشلولة بالكامل بسبب اضراب لم يسبق ان شهدت نظيرا له، شاركت فيه كل الطبقة العاملة تقريبا.
تمتد جذور هذا النجاح في الازمة التي كان البلد والعالم الراسمالي برمته يشهدانها في سنوات 1930. في سنة 1934، كان من بين 12 مليون عامل مليون عاطل تام أو جزئي عن العمل. لكن رد فعل العمال الأول في هذه الفترة كان على الصعيد السياسي. ففي يوم 6 فبراير 1934، نظمت ميليشيا اليمين المتطرف، “صلبان النار” و “العمل الفرنسي”، مسيرة أمام مقر الجمعية الوطنية، ما سبب سقوط الحكومة بعد ليلة اشتباكات مع الشرطة. بعد عام من وصول هتلر إلى السلطة في ألمانيا، كان التخوف من انتصار جديد للفاشية ما حدا بالعمال إلى التعبئة والمشاركة بكثافة في يوم الإضراب والتظاهر في 12 فبراير 1934 تلبية لنداء المنظمات العمالية.
استثمارا لهذه الإرادة في النضال والتطلع الى الوحدة بين العمال، شكل القادة الاشتراكيون والشيوعيون تحالف الجبهة الشعبية في يوليو 1935، والذي شارك فيه أيضا الحزب الراديكالي، المكون من السياسيين القدامى للجمهورية الثالثة. وكان هذا التحالف يدعي النضال من أجل “الدفاع عن الحريات الديمقراطية، وعن خبز العمال وعن السلام”. لكن برنامجه اقتصر على ما يمكن أن يقبله الحزب الراديكالي و لم يتضمن أي اجراء في صالح العمال.
بعد حملة تخللتها مظاهرات كبرى، مثل التي جرت في 16 فبراير 1936 حيث تجمع أكثر من نصف مليون شخص في باريس، فازت الجبهة الشعبية في انتخابات 26 أبريل و 3 ماي 1936 المطبوعة باندفاعة يسارية. ضاعف الحزب الشيوعي عدد الاصوات لصالحه وبلغ 1.5 مليون ناخب. كما تجلت كفاحية العمال المتنامية في المشاركة الواسعة في الاضرابات و المظاهرات يوم 1 مايو.

اندلاع الاضرابات الاولى:
في 11 مايو 1936، أعلن عمال معامل “بريغيه” في لوهافر و “لاتيكوير” في تولوز عن الاضراب، مطالبين بإعادة العمال المفصولين بعد مشاركتهم في 1 مايو الذي لم يكن يوم عطلة آنذاك. في كلتا الحالتين، احتل العمال المقاولة محققين بسرعة مطالبهم.
و في 24 مايو، تجمع 600 ألف شخص إحياء لذكرى مناضلي كومونة باريس. تعليقا على ذلك، كتب المناضل النقابي اللاسلطوي “مونات”: إن تظاهرة كتلك لا يمكن إلا أن يكون لها صدى في اليوم الموالي في المصانع. عندما نستشعر القوة في الشارع، لا يمكن الاستمرار بالاحساس بالعبودية في المصانع”.
ويوم 26 مايو، انطلق احتلال المصانع في شركات “نيوبور” في “ايزي لي مولينو”لافاليت ب “سانت- وان”، “هوتشكيس” ب”لوفالوا”. وصباح 28 مايو، توقف 35 ألف عامل في “رونو بيانكور” عن العمل بدورهم، مطلقين إشارة الاضراب لعمال مقاولات كبرى مثل “فيات”، “شوسون” و “رون”،”طالبو”.في المجموع أضرب 100 ألف من عمال التعدين.
و مع ذلك، لم يكن قادة الاتحاد العام للعمل CGT و الحزب الشيوعي، يريدون أن تتطور حركة واسعة النطاق يصعب بالضرورة السيطرة عليها. ويوم 29 مايو، فور ابرام اتفاق محلي دعت نقابة الاتحاد العام للعمل CGT إلى استئناف العمل في مقاولة “رونو”.
الاضراب يصبح عاما:
لكن الحركة انطلقت، واستمرت الإضرابات في التوسع. بعد استئناف عمال “رونو” العمل يوم 2 يونيو، كفوا عنه مجددا يومين بعد ذلك. وتوسعت الاضرابات في كل البلد، مؤثرة على جميع القطاعات، من الصناعة الى متاجر باريس الكبرى. وطوال شهر يونيو تقريبا، يوما بعد يوم، شاركت فئات جديدة بدورها في الاضراب.حتى الاقل اعتيادا على الاحتجاج، مثل عمال المقاهي، الفنادق و المطاعم، عاملات النظافة و حراس المباني.
كتب تروتسكي في 9 يونيو، محللا الوضع في مقال بعنوان ” الثورة الفرنسية بدأت”:
“تأخذ الحركة شكل وباء، تمتد العدوى من مصنع الى آخر، ومن حرفة الى أخرى، ومن حي الى حي.(…)ما حدث، ليس اضرابات حرفوية، ليست حتى اضرابات، إنه الاضراب.انه تجمع المضطهَدين في واضحة النهار ضد الظالمين، إنه البداية الكلاسيكية للثورة.(…)تحركت الطبقة برمتها. يستحيل ايقاف هذه الكتلة الهائلة بكلمات.”.
أدرك أرباب العمل تماما ما في الرهان، ووافقوا على تقديم تنازلات كبيرة، وكان هدف الرئيس وقف الحركة حتى تتمكن فيما بعد من استعادة موقع القوة. وروى لاحقا ليون بلوم، الوزير الأول الاشتراكي، كيف جرى تنظيم اجتماع في”ماتينيون” بممثلي أرباب العمل والنقابات، يقول:” جاءت المبادرة الأولى من أرباب العمل” طالبين منه ” الاسراع بابرام اتفاق على أساس الزيادة العامة في الأجور، مقابل اخلاء المصانع… من هنا جاء اتفاق مانتينيون”.
و كانت هذه الاتفاقات، المعترفة بالحق في العمل النقابي، والقاضية بانتخاب مندوبي العمال، وبمبدأ الاتفاقات الجماعية وبزيادة هامة في الأجور، متبوعة بالتصويت في الجمعية العامة على قوانين أسبوع العمل من 40 ساعة وعطلة مؤدى عنها الأجر. لكن بعد توقيع على هذه الاتفاقات، استمرت الإضرابات، بل واصل عدد المضربين الارتفاع. كان العمال يشعرون،غريزيا، بمقدرتهم على تحقيق أكثر من ذلك، و تغيير أعمق من ذلك بكثير.


خيانة الجبهة الشعبية
بذل قادة الاتحاد العام للعمل والحزب الشيوعي كل جهدهم لدفع العمال الى العودة إلى العمل. صرح القائد الشيوعي توريز أمام أعضاء حزبه المجتمعين في 11 يونيو:”يجب انهاء الاضراب فور تلبية المطلب”. وكرر قادة الحزب الشيوعي “ليس كل شيء ممكنا الآن” لإقناع المناضلين بابرام اتفاقات في المقاولات تنهي الإضراب. وإن كانت الحركة بدأت الإنحسار منذ منتصف يونيو، فإن العديد من المقالات ظلت محتلة في يوليو.
ستبقى العطل المؤدى عنها ويوم عمل من 40 ساعة في التاريخ بصفتها “مكاسب” الجبهة الشعبية. لكن أيا من تلك التدابير لم يكن واردا في برنامجها. لم يتبناها بلوم وحكومته إلا بقصد وقف الإضرابات. بل إن بلوم ضاعف في الشهور الموالية التنازلات لأرباب العمل، مساعدا إياهم على استعادة ما كانوا اضطروا إلى منحه، وعلى استعادة سلطتهم و ميزان القوى لصالحهم في المقاولات.
وبعد عامين من يونيو 1936، رخصت مراسيم باستثناءات بخصوص يوم عمل من 40 ساعة باسم الدفاع الوطني. وفي العام 1939، للمرة الثانية في ذلك القرن، أغرق النظام الرأسمالي المأزوم العالم في همجية الحرب العالمية. بينت هذه، أن الإندفاع العمالي لعام 1936، كنظيره في اسبانيا خلال الفترة ذاتها، لم يتمكن من شق مسار الثورة التي بوسعها وحدها إسقاط النظام الرأسمالي مسبب البؤس والحرب.
في حقبة من هذا القبيل، على عكس السياسة التي فرضها قادة الجبهة الشعبية، وخاصة الحزب الشيوعي الستاليني، لا يمكن للطبقة العاملة أن تضع حدا للبطالة والفقر وتوقف السير نحو الحرب دون التوفر على وسائل لإسقاط البورجوازية في تحالف مع عمال اسبانيا و دول أوربية أخرى.
تبقى اضرابات مايو و يونيو 1936، استعراضا هائلا لقوة العمال، ودليلا على قدرتهم على التنظيم وشل الاقتصاد والضغط على الطبقات الحاكمة. لكنها أيضا مثال لخيانة تطلعات الطبقة العاملة من قبل المنظمات التقليدية وأحد فرص تغيير مسار التاريخ الضائعة.
مارك ريمي
جريدة النضال العمالي lutte ouvriere
8 يونيو 2006
تعريب المناضل-ة