الشيخ أبو اسحاق الحُويني وقوانين السّبي والغزْو (قراءة نقدية)

حسن الزهراوي
2016 / 7 / 1

الشّيخ أبو اسحاق الحُويني وقوانين السّبْي والغزو
(قراءة نقدية ).
حسن الزهراوي
سأحاولُ في هذه المقالة التحليلية ـ أن أتوقفَ مع شريط "فيديو" أثار الكثير من اللّغط والجدل وجُملة من الرّدود من لَدُنِ التنويريّين من رجال الدين، وكلّ من يحكمون العقل وينصتون لصوت الحكمة والفطرة في داخلهم، هذا الشريط مُجْتزأ من مُحاضرةٍ طويلة على مواقع التواصل الاجتماعي للشيخ العلاّمة الفهاّمة وحيدّ عصره وفريدَ زمانه ـ سماحة الشّيخ الحويني ــ الذي يُعتبرُ حسب بعض مُمجِّديهِ ناقدًا من نقّادِ علم الحديثِ، بمعْنى أنّه بلغَ من الاجتهادِ والنظر الفقهي مرتبة لا يبلغها إلاّ قلة قليلة من فقهاءِ الشّريعة ورجال الدين، فضلا عن رواية الحديث وتحقيقه واخراجه (علم تحقيق وإخراج الحديث)، وتخصّصه المعمق فيه، فالرجل له تعليقات وشُروحات واجتهادات واضافات ونُقُود كثيرة وحواشي على طائفةٍ من كتب الحديثِ التراثيّة للمُحدِّثين القدامى والمُحَدّثِينَ المُحْدثين على حدّ سواء، كما فعل تمثيلا لا حصرا في "فصل الخطاب بنقد المغني عن الحفظ والكتاب"، لأبي حفص المُوصلي الحَنفي وغيرها وغيرها من الكتب والمصنفات التي لا يسع المقام لِطَرقها هنا بتفصيل في هذه المقالة، ويُعتر الرجل مرجعا وسندا أيْديولُوجيا عند التيارات المحافظة المُتأسْلفة (الأرثوذكسية الوهابية السلفية العنيفة) ؛ هذه المحاضرة يشرح فيها شيخنا قوانين السّبي والغنائم، وتقسيم الجواري وفق الإطار التصوّري الذي يؤمن به وينطلق منه كَفرْشٍ نظري، قال من بين ما قال وشريط "الفيديو" مسجّل بالصوت والصورة لمن أراد أن يعود إليه للتثبّت، حتّى لا يتهجّم علينا متهجّم وكل من يحبّون مواجهة ونقد الأشخاص بدل التركيز على تمحيص الفكرة وطرحها على مشرحة التحليل، ومحَكِّ التفكيك وفتح نقاش هادف هادئ وعقلاني لاستبانة أوجهِ العَور، والقُبحِ فيها وانصافها من حافة والانتصار لها إن اقتضى الأمر، وضرب الفكرة بالفكرة حتى يتبين الصواب من غير الصواب.. افترض الشيخ على الطريقة الفقهية في افتراض المسائل قبل وقوعها، لو أن المسلمين دخلوا في معركة مع عدوّهم الكافر "نقيضهم الأبدي" والمعركة بالضرورة الحتمية فيها إما غالب أو مغلوب على حدّ عبارته، وحاول أن يقدّم إجابة عن سؤال؛ ماذا لو أن المسلمين انتصروا عن عدوهم الكافر في المعركة ؟ .
لو كتبتِ الغـَـــلبة بعبارة ابن خلدون للمسلمين، في رأي شيخنا الذي افترض جوابا مسبقا لسؤاله، فان "كل الناس" سبايا، هكذا يقول الشيخ بتوظيف "كل" التعميمية وبجَزْمِيّة و إطلاقية غريبة وأنا أقتبس عبارته هنا من باب الأمنة، و(كُلّ) عند المناطقة "تصوّر الشيء وتحيط بجميع ما تدل عليه، وهي لفظ من ألفاظ الشُّمول والاستغراق والتَّمام لأفراد ما تضاف إليه أو أجزائه والغالب استعمالها مضافة لفظًا أو تقديرًا وحكمها الإفراد والتذكير، ومعناها بحسب ما تضاف إليه حسب المناطقة النحاة )، ولم يأتِ في كلام الشيخ من قرينة في سياق حديثه ما تفيد عندهُ "المطلق المقيد" أو "المخصوص")، إذن (كل الناس) سبايا حسب الشيخ السلفي التي يدخل تحتها؛ الحقول والنساء والمزارع والأطفال والدّور والأموال والأشخاص والمؤسسات .. الخ تبقى كُلّها في ملكِ الدولة الاسلاميّة ومن نصيب المجاهدين دون استثناء.. !
وافترض الشيخ ــ الانساني الموغل في نزعته الانسانية، الناطق باسم رسالة الإسلام السّمحة، ابن القرن الواحدِ والعشرين؛ قرن الانفصالات والمعجزات والثورات الكوبيرنيكية الابستمولوجية وعلى أكثر من صعيد، قرن "العبقرية" كما يسميه اللساني والسياسي الأمريكي نعوم تشومسكي ! ــ في مسألة حسابية رياضيّة بسيطة يفهمُها حتى صغار طلاب العلم عندنا، لو أن المسلمين دخلوا جهادا في بلد تَعدادُ سكانه نصف مليون نسمة، وعدد المجاهدين مئة ألف مجاهد فإنّه ينبغي أن تقسّم هذه الغنائم بالتّساوي على المجاهدين الذين جاهدوا في سبيل الله ولا نصيب لمن تخلّف عنِ الغزو المُبارك !، كل مجاهد ــ حسب تقسيم الشيخ ــ يأخذ خمسة أشخاصٍ بقسطاس مستقيم، وتحّدث سماحة الشيخ أيضا بعدها عن أسواق النّخاسة التي لا بُدّ أن تكون، لأن هذا يستوجب ذاك جدليا، وتقابل الغزو لبيع الجواري والرؤوس والأطفال بحيث يحدد داخلها الثمن لكل رأس على حدّ قوله، وكأنه يبيع رؤوس الغنم والخراف .. (وأنا دائما ألتزم بنقل معجمه الذي وظفه).
(سلاماتك يا عم، لا فضّ فوك أيها النحرير الجهْبذ ) !. تتحدّثُ عن الانسان كما لو أنك تتحدّث عن الغنم والبقر والماعز، أليس من البشاعة والشناعة والعيب والقَرْفِ في آنٍ أنْ تستعمل مصطلحات مستقاة من أدغال التاريخ، عفا عليها الزمن وشرب عنها الدهر واستنشق ؟ أليس من العدل الالهي أنه لم يمكن لمثل هذه الأفكار المتعصبة، والطروحات الموغلة في التوحش والرفض والكراهية "الأسلفة المظلمة" كما يسميها اللساني المغربي الفاسي الفهري ــ وإن كان هذا الأخير تحدث عن الأسلفة اللغوية في المقام الأول ــ فالتمكين لمثلِ هذه الافكار معناه بالضرورة عودة أبدية لأسواقِ النّخاسة، وبيع العبيد بتحديد ثمن كل رأس !! معناه انتكاسة حضارية، وردّة إنسانية وهبوط في كرامة الإنسان، وانحدار إلى التوحش والعبودية والقبح القِيمِيّ (اقتبست هنا عبارة القبح القيمي من الناقد والكاتب العراقي الجريء عبد الرزاق الجبران من كتابه "مبغى المعبد").
العدو الكافر نقيضك الوجودي الذي تفكر في غزوه، وسبي نسائه واقامة أسواق النخاسة لبيع الجواري الحسان، لم يعد هو هو كما كان في القرون الهجرية الأولى يا معالي الشيخ يوم كانت المعارك تحسم بصليل السيوف والعاديات ضبحا.. (العاديات الخيول التي تعدو وتغير على الخصم)، أنسيت أن هذا العدو الذي تكفّره في منابرك وخطبك وتفكّر في سبيه واسترقاقه هو نفسه الذي قصدته في مستشفياته المجهزة بأفخم وأحدث الوسائل والتقنيات الطبية المتطورة، نتاج هذه الحضارة الغربية الملعونة والمغضوب عليها في قاموسك الحضارة التي كفرت بها وبقيمها وبِآخرية هذا الحضاري المختلف، قصدت مستشفياته التي تستقبل الانسان باعتباره انسانا لأن المسلمين فشلوا في الحضارة الإنسانية الذكية، وانصرفوا إلى خطابات المذهبية والنعرات الطائفية المقيتة التي حولت أوطانهم إلى مقابر جماعية احرقتهم حدّ الاشباع ولفحتهم حتى الرماد، مستشفياتهم صارت قاعا صفصفا بعدما تخلفوا في العلوم الصلبة الدقيقة، واكتفوا بالافتخار بما قدم الخوارزمي في الرياضيات والزهراوي ابن الأندلس وابن سينا في الطب (عقدة الأصل كما يسميها المفكر المغربي عابد الجابري وهو يشتغل في مشروعه النقدي الكبير على تكوين بنية ونسق العقل العربي).
هل هذا المنطق الذي تتحدث به يليق بالقرن الواحد والعشرين أصلا ؟
إذا كنت تعتقد أن الانسان يمكن أن يستعبدَ ويباع في أسواق النخاسة فان هذا "الكافر" أعطى للإنسان قيمة من حيث هو انسان، مجّد عقله وكينونته، وأَنْسَنَ قوانينه، ليقطع مع النماذج التاريخية القروسطوية الاقطاعية المستبدة، وأسس لدولة المواطنة والكرامة والمدنية الحقة، التي تُعامل الانسان باعتباره قِيمة بصرف النظر عن جنسه ولونه ودينه وعرقه، بدليل أنك قصدت مستشفيات ألمانيا في رحلة علاجية بعد مضاعفات داء السكري الذي ألم بك واستقبلوك بكل إنسانية وانت الذي حدثتنا طويلا وغير ما مرة في خطبك الوعظية عن عقيدة الولاء والوراء !، فيما لا زلت أنت تحنّ إلى زمن الاستعباد والنخاسة وبيع الجواري التي فيها ما فيها من هذر لكرامة الإنسان وإنسانية الانسان، هذا العدو الذي تتحدث عليه بهكذا منطق قدم تضحيات تاريخية جسيمة ليقاوم المنطق اللاإنساني الارتدادي الغيبي الذي قاد أوروبا في سياقات تاريخية معروفة الى حروب دينية طاحنة، المنطق الذي يشيّئ الفرد ولا يتعامل معه الا كبضاعة كاسدة مزجاة أو كقماش ردي . وأغلب ظني أنك لست بحاجة شيخنا الفاضل كي احيلك الى النزعة الإنسانية والحركات الانسية التي تبلورت بدياتها مع ايرزم ابتداء من القرن 15م والتيارات الفلسفية التي قامت على محورية الانسان وكرامته وإعادة الاعتبار له من حيث هو انسان، وأمامك فلسفة الانوار في رقيها ونضجها الإنساني خير دليل على الذي أقول سيما مع جون لوك "رسالة التسامح الديني" ومونتسكيو في روح القوانين وجان جاك روسو وكانط وسبينوزا .. الذين أسسوا بأفكارهم للعقلانية الأوروبية الحديثة ، لنبدإ لفصل السلط ، وفلسفة الحق الضامن لكرامة الانسان وحقه في حقوقه...الخ
كيف ستغزو يا شيخ و"ستفتح" بلدانا أخرى وقد صارت كل سيوفنا خشبا وليس في بلدان المسلمين حدّاد يصنع السيوف بعبارة نزار قباني في "هوامش على دفتر النكسة" الساخرة التي يرثي فيها الواقع العربي الموبوء والمأزوم ماضيا وحاضرا سيما بعد نكسة 67 ؟ كيف ستغزو ؟ أم أن فكرة الغزو هذه "كذبة كهنوتية" طريفة ليس إلا . إنها الأفكار التي قادتنا الى الهزيمة والمأساة ..
أنسيت يا معالي الشيخ أن هذه "البلاتوهات" وهذه "الميكروفونات" وهذه "الساتيلات" التي من خلالها جلست مع مريديك تفكر في غزو مبارك مع الموردين اليك، هو من ابتكار هؤلاء الذين تفكّر في غزوهم وبيعهم وتحديد ثمنهم كما يحدد ثمن الإبل؟ هل يستقيم وينسجم هذا حتى مع المنطق الديني الذي تتحدث به ؟ أنسيت شيخنا اننا لازلنا نمارس التسول التكنولوجي والعسكري والثقافي بعدما صرنا ظواهر صوتية لا تنتج سوى الففاقيع الكلامية البلاغية والخطب العنترية الانشائية العصماء ؟
سماحة الشيخ هذا رأي ــ جنابكم الموقر ــ لكن افترض معي افتراضا جدليا كما يقول علماء المنطق لو كانوا يفكرون بالمنطق الذي تفكر به أنت هل سيبقى كائن من الكائنات التي تشبهك فوق سطح الأرض؟
احمدِ الله يا شيخ على انسانية الكفّار، فلولاهم لقتلنا الجذام والطاعون وبفضل منظفاتهم تخلصنا من القمل وهذه حقائق مرة يصعب علينا أحيانا تجرعها لأننا شعب وأمة ثالثية مردّدة مبجحة تمانع من أن تعترف بالهزيمة وهرمها الحضاري وشيخوختها الفكرية والثقافية..
وتذكّر قول محمد الغزالي أن الإسلام لن يخدمه الثرثارون في عالم الغيب الخرّس في عالم الشهادة الفاشلون في الحضارة الإنسانية الذكية .. وان كانت لك خصومة مع الامام الغزالي وألفت كتابا كاملا انبريت للردّ عليه سميته "طليعة سمط اللآلى في الرد على الشيخ محمد الغزالي" الواقع في جزأين للرد عليه، وتتبع زلاته الفكرية لأنه ليس على مذهب أهل السلف مثلك وأشعري خلفيّ ولا يجري على مذهب السلف الصالح في اعتقاده كما جاء في احدى حواشي الكتاب السالف الذكر ( الصفحة8).
نحتاج كلما استمعنا إلى مثل هذه الطروحات والقراءات الدينية النكوصية الارتدادية الرجعية، التي لن تكرس الا الرفض والرفض المقابل المضاد، أننا فعلا في مسيس الحاجة إلى تجديد خطاباتنا الدينية الميتة المتوعكة المتصدعة، ونسقنا التفكيري المعطوب، نحتاج فعلا إلى خطابات دينية نَديّــــة عقلانية على حد عبارة المصطلحي والفقيه المغربي الراحل "فريد الانصاري" حينما تحدث بعمق في كتبه عن جمالية الدين وانتقد مثل هذه الآراء المتطرفة الخشبية كما يسميها هو في كتابه "جمالية الدين"، الغريبة عن مجتمعنا المغربي التي تصدم عقل كل من استمع لصوت عقله..
نحتاج فعلا أن نعيد النظر في انفتاحنا على المشرق الذي لم تأتنا منه إلّا ريّاح التطرف السَّمُوم، وصناعة الموت وقتل الانسان على نحو مجانّي ..
ما أحوج رجال الدين الى أن يعيدوا النّظر في خطاباتهم التكفيرية العدمية، التي لم نجن منها الا "الدعششة" والمآسي والجروح الإنسانية التي لا تنتهي أصبحنا بسبب هذه الآراء نصنف وندرج ضمن ركن الطرائف في الاعلام الدولي..