نصر حامد أبو زيد : عدوّ الظلاميّة

ضياء البوسالمي
2016 / 7 / 1

لا يمكن أن نتحدّث عن الانتلجنسيا المصريّة المقاومة للتطرّف الدّيني دون التّعرض لمسيرة أحد أعمدتها وأهمّ مفكّريها، نصر حامد أبو زيد. لقد كان هذا المفكّر من أكبر المدافعين عن العلمانيّة في مصر وفي كل البلدان العربيّة. وتُعتبر مقالاته وكُتُبُهُ مرحلة مهمّة في تاريخ النّضال من أجل الحريّة والحداثة. و ككلّ الأصوات الحرّة في العالم الإسلاميّ، كان أبو زيد ضحيّة تهديدات المتطرّفين. كانت مشكلته أساسا مع الأزهر ( أهمّ و أقوى مؤسّسة دينيّة تمثّل الإسلام السنّي في مصر ) و بسبب أطروحاته رُفعت دعوى ضدّه بتهمة الرّدة ممّا أدّى إلى الحكم بتطليقه من زوجته ونفيه خارجة بلاده.

يُعتبر أبو زيد أنّ قراءات وأطروحات الأصوليّين هي قراءات تجاوزها الزّمن، ويؤكّد في المقابل على قراءةٍ جديدةٍ للنّص المقدّس. فالقرأن يجب أن يعتبَر كوثيقة خاضعة لمختلف التّحولات أي أنّ قراءة النّص تتطوّر بمرور الزّمن. ويمكن أن نستنتج بسهولةٍ أن نصر كان قارئاً كبيراً للفيلسوف الألمانيّ كارل ماركس، فمنهجيّة تحليله تعتمد على أخد عامل الوقت بعين الاعتبار إضافةً إلى دراسة إجتماعيّة لمحيط الرسول مع ايلاء أهميّة للمعطيات التاريخيّة التي رافقت فترة الوحي. سعى نصر أبو زيد إلى إصلاح الاسلام عبر نقد الخطاب الديني. كان عدوّ الحركات الاسلاميّة و ووقف ضدّ مشروعهم المتمثّل في إرساء دولة دينيّة. هذا هو السبب الحقيقيّ لمحاكمة أبو زيد : الدّفاع عن حريّة التّعبير والدّعوة إلى قراءةٍ معاصرة للقرآن. نقد الخطاب الدينيّ عند نصر أبو زيد يكون عن طريق القراءة و النّقد الصّارم لعلوم القرآن و دراسة تاريخ النّص. كما يجب أيضا الإهتمام بالتغيّرات التي تطرأ على المجتمع المعاصر و مكاسب الإنسانيّة. على عكس هذا التمشّي، فإنّ نظرة المتطرّفين ترتكز أساسا على موروث الفكر الإسلاميّ الكلاسيكي و كتب الحديث مع تغييب للعقل ( الإجتهاد ) بتعلّة قداسة النّص. نصر يحمل فكرا مختلفا : قراءة في القرآن بالإعتماد على اللّسانيات ( علم اللّغة ) و العلوم الإنسانيّة. لذلك فإنّه لا يمكن تجاهل عامل الزّمن أثناء التّحليل و محاولة فهم و إستنباط معاني النّص. لقد ركّز أبو زيد على عمليّة المغالطة و الخلط في الخطاب الدينيّ بين التّفكير و الدّين، بين التّحليل ( الإجتهاد/الرّأي ) و المقدّس و هو ما أدّى إلى تصاعد و تنامي هيمنة المؤسّسات الدينيّة و الحركات الإسلاميّة في البلدان العربيّة. فضح أبو زيد الرقابة و القمع و رفض الخضوع للسّلطات الدينيّة، و قدّم منهجيّة جديدة لفهم النّص قائمة على العقلانيّة لأنّه كان متأثّرا كثيرا بمفكّري المعتزلة.
من بين كتب نصر حامد أبو زيد يمكن أن نذكر :
1/ الاتّجاه العقليّ في التّفسير ( دراسة في قضيّة المجاز في القرآن عند المعتزلة ) : هو تقديم لمنهجيّة تحليل النّص و فهمه عند المعتزلة و يعتبر من أهمّ الكتب في مسيرة أبو زيد، فالعودة للفكر المعتزلي الذي يعتمد على العقل في قراءة و فهم القرآن. بفضل هذا الكتاب تمّ إحياء فكر المعتزلة و إعادته إلى النّقاش بعد عدّة قرون. الفلسفة و المنطق في علاقة إتّصال مع الدّين.
2/ مفهوم النّص : هذا الكتاب خُصِّصَ لدراسة معمّقة في علوم القرآن. و هو بمثابة الثّورة الفكريّة في هذا المجال. فنصر حاول تقديم وجهة نظر نقديّة لخمس علوم أساسيّة من علوم القرآن و بيّن أنّ الإعتماد على العلوم الإنسانيّة و حضور الفكر النّقدي هي عناصر أساسيّة لقراءة و تطوير علوم القرآن.
3/ إشكاليّات القراءة وآليّات التّأويل : يحلّل أبو زيد في هذا الكتاب العلاقة بين النصّ و كيفيّة التّأويل، و يبيّن أنّ النصّ المقدّس لا يمكن أن يكون إلاَّ نتيجة لمجموعة من المعطيات التّاريخيّة. هناك فرق بين النّص الذي نزل مع الوحي و النص كما هو مكتوب في القرآن. يتعرّض نصر أيضا إلى إشكاليّة المجاز في القرآن و يرى أنّ القرآن يحتمل مجموعة من التّأويلات على مختلف درجات التعمّق في القراءة ( على عكس منهجيّة الأصوليّين في فهم النّص بطريقة حرفيّة )
4/ نقد الخطاب الدينيّ : أثار هذا الكتاب جدلا واسعا فقد فكّك فيه نصر خطاب الحركات الإسلاميّة المتطرّفة التي تملك سلطة معنويّة داخل المجتمع المصريّ. كما قام الكاتب أيضا بتقديم المنطلقات و الأسس الفكريّة لهذه الحركات مع التّأكيد على خلطهم بين المقدّس ( الوحي ) من جهة و إجتهادات الشّيوخ من جهة أخرى. يعتبر نصر أنّ هذا الخلط في الخطاب الدينيّ هو ما أدّى إلى تنامي التطرّف في مصر.

يُعتبر نصر حامد أبو زيد أحد أهمّ و أشهر المفكّرين العلمانيّين العرب. فقد كرّس كلّ حياته لدراسة القرآن و محاولة إصلاح الإسلام بهدف تطوير و تغيير العقليّات و إقصاء التطرّف و السّعي إلى إرساء دولة القانون أين يمكن لجميع المواطنين أن يضمنوا حقوقهم.