نهاية قادة خروج بريطانيا من الاتحاد

عبدالخالق حسين
2016 / 7 / 1

هذا المقال هو تكملة لمقالنا السابق الموسوم: (عواقب خروج بريطانيا من الإتحاد الأوربي).

من المعروف أن من يتبع الكذب والخديعة في السياسة أو في أي مجال آخر، قد يحقق غايته على المدى القصير، ولكنه على المدى البعيد لا بد وأن يفشل، وتنكشف أحابيله الشطانية. هذا ما أكده التاريخ في جميع الصراعات بين معسكري: الخير والشر. ولكن من يتابع ما حصل في بريطانيا اثناء وبعد استفتاء الخروج من الاتحاد الأوربي، وما اتبعه قادة الخروج من وسائل الخداع والتضليل، فرغم ما تحقق لهم من النصر لصالح الخروج، ولكن الملاحظ أن المنتصرين سرعان ما فقدوا متعة النصر وحلت محلها عندهم الحيرة والأسى، بل وخلال أيام قليلة تحول نصرهم إلى هزيمة وانتحار سياسي.

لقد اعتمد قادة حملة خروج بريطانيا (Brexit) من الاتحاد الأوربي، على الخديعة والكذب لتضليل الناس، فقد ضخموا تكاليف البقاء وأخفوا المنافع الكثيرة منه، وكالوا للشعب الوعود المعسولة الزائفة بفوائد الخروج.
إن أنشط وأهم قادة حملة الخروج، هما بورس جونسن (عمدة لندن السابق)، و زميله مايكل غوف (وزير العدل الحالي)، ودون التقليل من دور نايجل فاراج، زعيم حزب المملكة المتحدة المستقلة (UKIP)، ولكن الأخير رقم ثقله في الاعلام المضلل، إلا أنه ليس له أي وزن في البرلمان البريطاني.

وأخيراً كشفت الأيام حقيقة هذين الشخصين (جونسن وغوف)، ونواياهما من حملتهما بحماس، إذ تبين أن كل منهما كان يستخدم الآخر لتحقيق طموحاته الشخصية، ليحل محل ديفيد كاميرون في زعامة حزب المحافظين ورئاسة الحكومة، ولكن بذريعة "تحرير" بريطانيا من سلطة بروكسل، أي (الاتحاد الأوربي). فادعوا أن ما تدفعه بريطانيا 350 مليون جنيه أسبوعياً كثمن بقائها في الاتحاد الأوربي، إذا ما تحقق الخروج فسوف يضيفون هذه المبالغ لتحسين الخدمات الصحية التي هي درة النظام البريطاني. ولكن ما أن تحقق لهم الخروج حتى وتنكروا لهذا الوعد، وقالوا أن الناس أساءوا فهم ما أعلناه في حملتنا الدعائية. ولكن الدعاية كانت واضحة لا تقبل التأويل، وهذا هو رابط الصورة: https://twitter.com/graysmith100/status/740795457379684353/photo/1

أما عن الهجرة، فهي الأخرى تنصلوا عنها، أو إعطاء أي تعهد بإيقافها، أو حتى بتخفيضها. وكانوا قد كذبوا على الشعب البريطاني أنهم إذا ما خرجوا من الاتحاد فسيتمكنون من الاستفادة من منافعه ودون أن يتحملوا التكاليف. ولكن كانت صدمة بالغة لهم حين أكد رؤساء الاتحاد أن الاستفادة بالمنافع مرتبطة بحرية تنقل شعوب الاتحاد والأموال بين دول الأعضاء، وليس هناك أي مجال انتقائي في الاستفادة من المنافع وتجنب التكاليف.

المهم، لقد تبين أن الثنائي، بورس جونسن ومايكل غوف، كان كل منهما قد استخدم الآخر لطموحاته الشخصية في زعامة الحزب ورئاسة الحكومة. إذ كان جونسن هو الأكثر حظاً في الفوز بالمنصب، أما غوف، فحتى قبل أيام كان يصرح على الدوام أنه لم ينوي مطلقاً لمنصب زعامة الحزب ورئاسة الحكومة، وأن أصلح شخص لهذا المنصب هو جونسن، وأنه يدعمه في حملته إلى النهاية. ولكن قبل ساعات من إغلاق تقديم الترشيحات، أعلن بورس جونس عن انسحابه من السباق، وأعلن مايكل غوف عن ترشيح نفسه، وأنه سحب دعمه لجونسن... لماذا؟ لأن جونسن، حسب زعمه، غير قادر على جمع شمل الحزب بعد أن فرقه بسبب اللغة العنيفة التي استخدمها في حملة الاستفتاء.

في الحقيقة، وكما صرح عدد من زملائهما من النواب المحافظين أن مايكل غوف كان قد وضع نصب عينيه زعامة الحزب ورئاسة الحكومة منذ أشهر، وأخفى نيته هذه عن زميله جونسون. أما دعمه للأخير فكان لأغراض تكتيكية واستخدام إمكانياته الخطابية والدعائية للإستفتاء، ومن ثم يتخلص منه بذريعة عدم قدرته على لم الشمل. ولذلك فقد كشف غوف عن انتهازيته وخسر مكانته في الحزب، وثقة زملائه به. أما جونسون فكما قال عنه مايكل هسلتاين، نائب رئيس الوزراء الأسبق، أنه (أي جونسون)، بعد أن ألحق كل هذا الضرر بالحزب و الشعب، تخلى عن ترشيح نفسه ليوجه تبعات عمله، وهو أشبه بالجنرال الذي قاد قواته إلى ساحة الحرب وبعد أن جعلهم في مرمى نيران العدو، تخلى عنهم هارباً.
ثم هناك سبب آخر لانسحاب جونسن واحتمال فشل غوف في الفوز، وهو أن 75% من نواب حزب المحافظين كانوا مع البقاء في الاتحاد، وبعد إعلان النتائج تنامى شعورهم بالعداء إزاء كل من ساهم في الدعاية لصالح الخروج، ولا يمكن أن يصوتوا لأي من جونسن وغوف. لذلك انسحب الأول، واحتمال كبير بفشل الثاني.

الدروس المستخلصة من هذا الاستفتاء هي:
أولاً، أنه حتى الشعوب المتقدمة حضارياً، والعريقة في الديمقراطية مثل الشعب البريطاني، هي معرضة للخديعة بالأكاذيب، وتتأثر بوسائل الإعلام المضلل، فلا عتب على شعوبنا البائسة.
ثانياً، رغم انتصار قادة الخروج في نيل غايتهم من الاستفتاء، فقد شاهدنا أقوى المتحمسين والبلاغيين وهما (بورس جونسون ومايكل غوف)، سرعان ما انكشفت ألاعيبهما ، و قد انتحرا سياسياً، وهذه نتيجة كل من يعتمد على الخديعة لتحقيق أغراضه. فحبل الكذب قصير، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.
فهل من يتعظ بهذا الدرس البليغ؟
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــ
روابط ذات صلة
د.عبدالخالق حسين: عواقب خروج بريطانيا من الإتحاد الأوربي
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=521880

Bethan Mckernan: 8 of the most misleading promises of the Vote Leave campaign, ranked in order of preposterousness
http://indy100.independent.co.uk/article/8-of-the-most-misleading-promises-of-the-vote-leave-campaign-ranked-in-order-of-preposterousness--WyxD59VO3Nb?utm_source=indy&utm_medium=top5&utm_campaign=i100