علاجات في إطار الإصلاح الديني ضد التطرف

ضياء الشكرجي
2016 / 6 / 30

علاجات في إطار الإصلاح الديني ضد التطرف
ضياء الشكرجي
dia.shakarchi44@yahoo.de
ضمن ورشة «جدل الإصلاح الديني في العالم العربي»، التي نظمها (مركز القدس للدراسات السياسية) في بيروت منتصف شهر أيار 2016، وبدعوة من رئيس المركز عريب الرنتاوي، قدمت ورقة، تمثل مجموعة علاجات، رأيت أن تعتمد في إطار إصلاح الفكر والفقه الديني للإسلام من قبل رجال الدين الإصلاحيين من الطائفتين، لمواجهة مرض التعصب والتطرف في عالم الأكثرية الناطقة بالعربية، وفي عموم عالم الأكثرية المسلمة. رأيت أهم هذه العلاجات في الأحد عشر علاجا، كما أدناه، مضيفا بعض التكملات بين [مضلعين] مع تعليق في آخر المقال:
1. اعتماد الإيمان الظني: إذ يعتمد الإيمان العقلي الظني التمييز في العقائد الدينية بين الواجب العقلي والممكن العقلي، فبينما يكون الأول معنيا بواجب الوجود والعدل الإلهي والجزاء، يكون الثاني معنيا بالوحي والنبوة، ومن هنا لا يكون الإيمان اليقيني إلا بالواجب العقلي، بينما يبقى الإيمان بالممكن العقلي (الدين) ظنيا. الظنية مقرونة بالعقلية والتأويلية تؤدي بصاحبها باعتماد نسبية الحقائق، وهذا يحول دون التعصب للعقيدة، والتطرف ضد مغايريها. والقرآن نفسه يعدّ الإيمان الظني مقبولا من الله، ذلك حسب الآية «الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون». [وبينت أن اليقين بالعقيدة الدينية يؤدي على الأعم الأغلب إلى التعصب، من خلال اعتقاد صاحبه بامتلاك الحقيقة المطلقة النهائية التي لا تناقش، وبالتالي اعتبار كل العقائد المغايرة تمثل ضلالا وكفرا، وكون الإيمان الظني ينسجم مع مبدأ نسبية الحقائق، مما يعد من لوازم العقلانية، والتي تفضي إلى الاعتدال والانفتاح على الآخر المغاير.]

2. اعتماد جوهر الإيمان: فاعتماد جوهر الدين، أو جوهر الإيمان، بدلا من شكل الأحكام الدينية، يجعل المؤمن بالدين أكثر انسجاما مع معايير العدل والقيم الإنسانية [كالعدل والمساواة (لاسيما مساواة المرأة بالرجل، ومساواة غير المسلم بالمسلم) وحرية العقيدة وسائر الحريات وحقوق الإنسان]، فيكون الجوهر هو الثابت، بينما يكون الشكل متغيرا ومتطورا [وبالتالي تكون كل الأحكام التي تتعارض مع العدل والمساواة، أو ما فيها مس بحقوق المرأة وحقوق غير المسلم، خاضعة لقانون النسخ، ومتحولة مراعاة لمواكبة روح العصر].

3. اعتماد التبعيض في الاتباع الفقهي: التبعيض، كنت قد سمعت عنه مضمونا لأول مرة في الثمانينات أو التسعينات من فقيه پاكستاني زيدي معتزلي في هامبورغ، هو المرحوم مهدي رضوي، ثم سمعته مصطلحا فقهيا من المرجع المرحوم محمد حسين فضل الله. [فالتبعيض يحول دون التعصب في الولاءات الشخصية لفقيه ما، أو المذهبية لمذهب ما.]

4. اعتماد قاعدة اليسر: في أمور العبادات والأحكام الشخصية التي لا يكون فيها طرف ثان، لا بد من اعتماد قاعدة اليسر، التي تؤيدها نصوص قرآنية، مثل «يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر»، وكذلك «ما جعل لكم في الدين من حرج»، بينما يقتصر التشدد والاحتياط على ما يتعلق بحقوق الآخرين، وهنا تتفق جميع المدارس الأخلاقية على ثمة قواعد وأصول في هذا الجانب. [وهذا ما تؤيده المدارس العقلية في الإسلام باعتمادها بما يسمى بـ«الحسن والقبح العقليين»، أي بقطع النظر عن مقولات الدين].

5. اعتماد النسخ القيمي: بمعنى أن يكون الإسلام المكي (المسالم والروحاني) ناسخا للمدني (السياسي والقتالي)، وليس العكس. كثير من المتشددين والمتطرفين والسلفيين يعتمدون النسخ الزمني، فيعتبرون الإسلام المدني ناسخا للإسلام المكي، وما يسمى بآيات السيف ناسخة لآيات التسامح والسلام وتقبل الآخر. وقد طرح أحد الكتاب العلمانيين من دائرة الأصدقاء (جعفر المظفر) فكرة أن يعتمد النسخ القيمي بدلا من النسخ الزمني، فما يسمى بآيات السيف هي التي جاءت في ظرف استثنائي، تنسخها آيات قيم السلام والعدل باعتبارها هي التي تمثل القاعدة، عند زوال الظرف الاستثنائي، وليس العكس.

6. الديناميكة والمعاصرة: من خلال اعتماد المذهب الظني، أو بتعبير أدق (الظني العقلي التأويلي)، واعتماد جوهر ومثل الدين، والاستفادة من مبدأ النسخ، يستطيع الفقهاء التنويريون أن يصوغوا فقههم ويستنبطوا أحكام الدين على أساس المرونة والتطور ومواكبة العصر.

7. اعتماد الإسلام اللامتمذهب: عندما يعتمد المؤمن بالدين الإيمان الظني، وجوهر الدين، وقاعدة اليسر، والديناميكة والمعاصرة، والتبعيض، فلا يبقى معنى للالتزام بمذهب من المذاهب، أو باجتهاد فقيه من الفقهاء، بل بإمكانه إذا أراد التقليد أو الاتباع في أمر ما لمذهب من المذاهب أو مجتهد من المجتهدين، فبإمكانه في كل قضية الأخذ بما هو أيسر، وبما يراه متوافقا أكثر مع قواعد العقلانية ومبادئ الإنسانية والمعاصرة، حتى لو لم يعلم من هو صاحب الاجتهاد الذي يلتزم به.

8. تصحيح مفهوم النهي عن تولي غير المسلمين: الآيات العديدة التي تنهى المسلمين عن تولي غير المسلمين، تشكل عند الكثيرين عائقا نفسيا أمام الانفتاح على الآخر المغاير في الدين، ومن هنا يمكن اعتماد آيتين لتصحيح هذا الفهم، «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم أو ظاهروا على إخراجكم أن تولوهم» [مما يدل على حصر النهي عن التولي فيمن قاتل المسلمين واضطهدهم بسبب دينهم، ولا يشمل النهي عن التولي مجرد الاختلاف في الدين أو المذهب أو ألإيديولوجيا.]

9. ترويض النفس على استقبال نقد الدين: وهذا ما يمكن للمسلم أن يجد له أرضية شرعية عبر مبدأ العدل المأمور به حتى مع أشد الأعداء عداوة، ذلك من خلال الآية: «لا يجرمنكم شنآن على أن تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى». والعدل يعني التعامل بالمثل وتكافؤ الفرص والمساواة في الحقوق، ومن هنا فكما ينقد الإسلام [نقدا قاسيا] بقية العقائد، كالمسيحية واليهودية والشرك، يعني أنه من خلال دعوته للعدل حتى مع الأعداء، إنما يوجبه من قبيل الأولى مع المغايرين غير المعادين، وبالتالي يجب على المسلم تقبل استقبال نقد الإسلام، كما ينقد [ويكفّر ويزدري] الإسلام عبر القرآن العقائد الأخرى. وهنا لا بد من استحضار أن رفض استقبال النقد يجعل الرافض له من حيث لا يشعر يشكك في قرار إلهي حسب عقيدته، بأن الله متكفل بحفظ دينه من خلال الآية: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» [وقد ركزت في الورشة على أهمية هذا الشرط، ودعوت علماء الدين المعتدلين والتنويريين والإصلاحيين على تثقيف المسلمين على قبول استقبال نقد الدين الإسلامي].

10. تقبل التحول من الإسلام إلى غيره: فكذلك استنادا إلى قاعدة أو فريضة العدل التي تؤكدها آية "لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا"، واستنادا إلى قاعدة نفي الإكراه بعبارة «لا إكراه في الدين»، يجب أن يتقبل المسلم أن يتحول مسلم ما إلى دين آخر [كالمسيحية أو الزرادشتية] أو عقيدة أخرى [كالإلهية اللادينية أو الإلحاد]، كما يمارس هو دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، ويتقبل بل يفرح بتحول مسيحي على سبيل المثال إلى الإسلام.

11. اعتماد الإسلام المدني: ذلك بدلا عن الإسلام السياسي، وهي فكرة طرحها أحمد القبانجي في كتابه "الإسلام المدني" الذي يقدمه كبديل عن الإسلام السياسي، وهو ربما ما ينسجم مع مصطلح "الدولة المدنية" الذي طرحه المرحوم محمد مهدي شمس الدين. وهو ما نظّرت له شخصيا من اعتماد الديمقراطية غير المشروطة بشرط الدين، وذلك بأدلة شرعية من 1993 حتى 2005 ثم اعتمدت الدولة العلمانية أيضا بأدلة شرعية عام 2006، وذلك باعتماد بأن الإسلام بالأصل مشروع دعوة، وليس مشروع دولة.
وعندما قدمت ورقتي هذه، وكذلك في مداخلاتي الأخرى، قدمت نفسي كإلهي لاديني، وتكلمت عن خلفيتي، كناشط في الدعوة إلى الإسلام لثلاثين سنة، وناشط سياسي في حزب إسلامي لربع قرن، ووكيل لأحد كبار المراجع لعشر سنوات، وذلك لأضع من لا يعرفني في الصورة، بأني لا أتناول الموضوع كشخص من خارج المؤسسة الدينية، ومتزود بثقافتي عن الإسلام من خارج المنظومة المعرفية للإسلام، ثم أردت في ذلك تأكيد قيمة الحرية، عبر الإفصاح عن هويتي الفلسفية. مع العلم إن المشاركين في الورشة كانوا متنوعين، من علماء دين سنة وشيعة، ومن مثقفين علمانيين، ومن قسسة مسيحيين.
وفي إحدى مداخلاتي، عندما رأيت بعض رجال الدين يبدأون كلامهم بالافتتاح المعهود عند متديني وإسلاميي المسلمين، تعبيرا عن ثوابت عقيدتهم الإسلامية، مع إضافات ليجاملوا المسيحيين، بدأت مداخلتي تلك بمقدمة تشبه مقدماتهم شكلا لا مضمونا، أي معبرا عن عقيدتي، إذ قلت: «باسم الله رب العقل والصدق والعدل والرحمة والحب والجمال والسلام، أحمد الله حق حمده، وأنزهه تمام تنزيهه، وأشهد ألا إله إلا الله، وأن العقل رسول الله، وأن الضمير رقيب الله، وأن الإنسانية شرع الله». أردت بذلك أن أثبّت مبدأ تكافؤ الفرص، والمساواة في حق التعبير، أو بالأحرى أن أوجه نقدا غير مباشر لهذه العادة، وإلا فيفترض ألا يفرض المتحدث في هكذا لقاءات عقائده الخاصة التي لا يشاركه بها الآخرون من الحضور. فالقسسة المسيحيون المشاركون في الورشة على سبيل المثال لم يفرضوا عقائدهم عندما تحدثوا، بل كان خطابهم غاية في الإنسانية والعقلانية والحداثة، حتى أنهم تجاوزا حسب قناعتي الخطوط الحمراء للمسيحية نفسها، وإن كانوا قد عبروا صادقين عن فهمهم المتطور والمعاصر والحداثوي للمسيحية، سواء اتفق فهمهم هذا مع (الكتاب المقدس) بعهديه القديم والجديد، أو لم يتفق.
وهكذا نريد من رجال الدين الإصلاحيين من المسلمين أن يبلوروا فهما حديثا للإسلام، ولو إنني شخصيا قد لا أرى جدوى من الإصلاح والتنوير للدين الإسلامي، لصعوبة ذلك، كون المسلمين وحدهم من بقية أتباع الديانات يؤمنون بكتاب مقدس ينسبون النص الذي بين دفتي كتابهم إلى الله، كمؤلف لهذا الكتاب، أو موحٍ به، أو منزل له. ومع هذا يجب الإقرار أن ليس هناك إسلام واحد، بل لا بد من التمييز بين إسلام وإسلام، كما يجب التمييز الإسلام والمسلمين، وبين مسلمين ومسلمين.
فهل من سبيل إلى إصلاح للدين الإسلامي، أو أي دين آخر، أم إن ما تحتاجه البشرية أكثر اليوم هو اعتماد كل من مبدأي العقلانية والإنسانية، ولتحل محل قيم الدين قيم الأخلاق (ethics) والإنسانية (humanism)، وبدل الأحكام الشرعية للدين القوانين العادلة والمتطورة نحو تحقيق مزيد من العدالة، لاسيما ما اعتمدته لوائح ومواثيق حقوق الإنسان، مع إننا قد لا نجد في كل ذلك العدالة المطلقة، بل تبقى العدالة في عالم الإنسان نسبية، ولكنها متطورة ومتكاملة نحو مزيد من العدل.
30/06/2016