القطيع

سامي عبد العال
2016 / 6 / 30

القطيع "حشد وظيفي" في إدارة الصراع السياسي والاجتماعي. لعلَّه احتماءٌ بالكتل البشرية على خلفيات شتى...دينية واجتماعية وطائفية وأقلية وقبلية. وبجانبه الآخر يُظهِر ضعف مفهوم "الدولة" في ذهنية مجتمعاتنا الرعوية. فرغم عصرنا التكنولوجي المذهل إلاَّ أننا كعربٍ مازلنا جماعات بشرية سائبةً. وإنْ لم تتضح تلك الحقيقة بجلاء (حيث الاندماج أحياناً بين عناصر المجتمع) فإننا نلتصق بأقرب قطيع لنكون فاعلين في الواقع.
لكن يبدو القطيع كأقدم حالة بشرية تحت عين المقدس والسلطة. فلم تغب وضعيته طوال تاريخ ممتد منذ الحضارات القديمة الفرعونية والبابلية والآشورية والصينية حتى أزماننا هذه. الرعي للماعز والأغنام في الحقول وبالمثل الرعي للعواطف والعقول والأجساد في الكهوف والمحاريب وساحات الطقوس وشعائر الحكم. لأن المقدس يشترط الاصطفاف الجسدي باسمه وبأشكاله. أليست كل العبادات جماعية؟! وكذلك تقوم السلطة على الحشد الصراعي بالمقام الأول. فكانت الدولة الحديثة واسطة نقلت النمطين معاً إلى كيانات عامة.
وهذان(القداسة والسلطة) يتأسسان على الحرب. القطيع مغموس بروح التحارب مع الأغيار. لكونه يخضع لغرائز الاستنفار وسط غمرة الجموع فاقدة التمييز. إنَّ العماء لهو مصير رؤية لا يأخذ الأفرادُ فيها فرصة التأمل الفاحص. كما يفقدون الحرية بمجرد ذوبان إرادتهم(على اختلافها) في إرادة الكل. وبالتالي لا يستطيع الفرد السيطرة بل ينجرف كما لو كان ساقطاً وسط تيار جارف. فيشعر أنه يغادر نفسه ولا يمتلكها تمهيداً لملكوت منتظر.
جاء بإنجيل لوقا" لاَ تَخَفْ، أَيُّهَا الْقَطِيعُ الصَّغِيرُ، لأَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ سُرَّ أَنْ يُعْطِيَكُمُ الْمَلَكُوتَ" هكذا يرتبط القطيع بمرتبة العبودية لإله راع. وكلما كان البشر عبيداً، كانوا أكثر تماسكاً فيما بينهم. ناهيك عن كونهم أكثر قرباً منه. ليؤكد القطيع ثنائية" الراعي والرعية" بلوغاً إلى الملكوت. حتى أنَّه كلما غاب أحد أطرافها خلق، أسّسَ، ومدَّ حياة الطرف الثاني. ونحن كمجتمعات شرقية نخلق رعاتَّنا في كافة المجالات. من الإله حتى الأب مروراً بالرؤساء والمسؤولين. وذلك في عمليات إحلال وتبديل لا تتوقف. صحيح الأشكال مختلفة سوى أنَّ النماذج والجذور تنبت خلال أنشطة السياسة والأخلاق والاجتماع والدين. كأنشطة قائمة على صراع الرغبات والغرائز.
في الموروث العربي بدا جلياً بظواهر الغلبة والإغارة والعصبية والتوحش كما ناقشها ابن خلدون. وترتبت عليها المبايعة والاجماع والخلافة والمُلك والإمارة. ولازال الخيال السياسي للإسلاميين يعتبر المؤمنين قطيعاً تحت رايات الجهاد. كل كلام أبي الأعلى المودودي وأبي الحسن الندوي ومن بعدهما سيد قطب يتضمن تلك النظرة التعصبية. وهي تنقيfilter مفهوم التوحش في شكل جماعة إيمانية. ثم كقطيع ينادون بالحاكمية وإن تلبسّت ملكاً أو أميراً. واشتراط كون خليفة المؤمنين قريشياً كأحد أدبيات الإمارة ليس أكثر من جذور الاحتشاد بلا منطق حر وعقلاني.
لمعرفة كيف كانت المسألة... لنقرأ: ماذا قال الأحنف بن قيس التميمي مبايعاً يزيد بن معاوية بعدما تنازل الحسن بن على له عن الخلافة. وقد سمعت زوجة يزيد هذا الحوار. قال الأحنف(وقد كان يؤيد خلافة الحسن بن علي. لكنه لم يجد بداً من الذهاب إلى يزيد): اسمع يا يزيد: إنَّ القلوب التي أبغضناك بها لفي صدورنا وإنَّ السيوف التي قاتلناك بها لفي أغمادها وإنْ تقبل للحرب شبراً أقبلنا لها ذراعاً. فسكت يزيد " فتعجبت زوجة يزيد من كلامه! ولما خرج الأحنف بن قيس من مجلس يزيد قالت له: يا أمير المؤمنين لم سكّتَ عنه؟! ولماذا لم تقتله؟! فقال يزيد: ويحك يا امرأة ألا تعلمين من هذا؟! قالت: لا... فقال يزيد إنه الأحنف بن قيس التميمي الذي إذا غضب، غضب معه مائة ألف سيف لا يسألونه لماذا غضب!!
القضية برمتها اقتناص مبايعة الجموع. حشد أنصار للخليفة الجديد مهما يكن الثمن. وبعدما تنازل الحسن ليزيد لم يكن بُد من ترحال الجموع ورائه. ولم تكن قوة الأحنف إلا لهذا السبب. وهو العارف بكيف يحدِّث رجلاً تقول له زوجته أمير المؤمنين. وقد أخذ (الإمارة) بناء على مبايعة دون أسباب ولا استحقاق. والأهم أنه سعيد بذلك أيما سعادة. ويتلاعب برمزيتها مهادنة لغيره مقابل الهدف الأكبر. ولأنه يعرف ذلك فقد صمت تماماً إزاء اللهجة الحادة للأحنف. وكما سيكون حكمه بالقطيع لم ير مناكفة رجل يقف خلفه مائة ألف مقاتل. فهذا الحشد هو أرضية السلطة تاريخياً لدى العرب.
فالقطيع- بالتالي- يتيح عدة أشياء... أولاً: التراص الجمعي بلا مبرر ودونما معرفة الأسباب. ثانياً: الظهور العنيف أمام الأغيار وبالتالي التلويح بالصراع. ثالثاً: تحريك ميزان القوى لصالح القطيع الأكبر حشداً. رابعاً: الالتفاف بلا مناقشة حول هدف موجه ومؤدلَّج. خامساً: التهام الحقائق وتغليب سلطة الأمر الواقع. سادساً: تكريس الاعتقاد الشائع واستخدامه كسلاح أيديولوجي. سابعاً: الوقوع في أفعال غير عقلانية آنية تسيطر على الجمع.
ماذا اختلف اليوم عن الأمس؟ فعلاً يمكن تعريف الدولة العربية بـ"جهاز رعوي" يدير القطعان أكثر من أي شيء أخر. النكاية أن الدولة تدرك هذا جيداً. لأنها ابتداء تلعب دور ذاك الراعي المؤلَّه. وتجدد وظائفها على هذا الأساس. بل تحدد هوية مواطنيها وأدوارهم بالنسبة إليه. ومن ثم تتم أدوارها السياسية والأمنية والتعليمية كأنها خدمات لرعايا لا غير. فليس للرعية أن تتحرر بل عليها الطاعة والانتظام في الصفوف. وأثبتت أن قوالب القطيع لا تتفكك مع عصر الديمقراطية السائلة.
من ثم ليس القطيع السياسي political herd سطحياً. فهو تراكم نوعى لهذه المحصلة داخل أزمنة الثقافة العربية. لدرجة أن الذي يمارس عملاً سياسياً يمارسه كأنَّه شخص يحتمي بفئةٍ ما. هو يبدي قدرة على التطلع لمؤازرة هؤلاء دون وعي. إن أعمق الممارسات الثقافية تلك الخارجة تلقائياً بلا رقابة. وكافة الممارسات السياسية يكتنفها تورط في بنية الجموع نتيجة المفاهيم المؤسسة هكذا للأنظمة الحاكمة.
والآن كيف ظهر القطيع بعد الربيع العربي وقبله مشوهاً الممارسة السياسية؟ جاء القطيع في تمثُلات تاريخية رمزية علينا التنقيب حول جذورها عمقاً وأفقاً. فهو يساوى معجمياً الجمع من الناس. لكن وجهه الأخطر كونه قابلاً للتوظيف. حيث كان ذلك الوضع من طبيعة المرحلة. بل تضخم مع الضغوط الاقتصادية وتردي الأحوال الحياتية. هكذا ثمة قطعان غارقة في متون وحواشي المجتمعات العربية. وطالما رهن التوظيف فقد غدت طوع السلطة..."الناس على دين ملوكهم". فالقطيع ببصمته الشرقية يلتزم ديناً مركزه الحاكم.
هؤلاء هم القطيع. يتشكلون، يختلفون، يذهبون، يجيئون. لكن لم يعدمهم أي نظام سياسي لتحقيق مصالحه. حتى أصبحوا أُساً حاملاً لدول عربية راهنة. باتت هي الأخرى قطعاناً في فلك العولمة وشركاتها العابرة للقارات. دول مازالت تغرق العالم العربي بفوضى الفتاوي والإرهابيين والمليشيات المسلحة وحياكة المؤامرات والدسائس.
بالتالي كان سريان القطيع ضمن آفاق النظام الاجتماعي. لأنه أكثر حداثة مما نتوقع. داخل الأحزاب قطيع، في النقابات قطيع، في المؤسسات قطيع، في البرلمان قطيع...إلى غير ذلك. هل هذا لغياب الحرية الأصيلة؟ لو قلنا الثقافةَ تُواصل بثَ مورِّثاتها داخل أبنية المجتمع، فهناك الناشط منها مع الأحداث. ويطلق القطيع كحالة على إثارة التراب فوق الواقع ليواريه. إنَّه تراكم إساءة التصرف وتخبط التفكير بخلاف قدرات الأفراد المبدعة. وأيديولوجياً يحجب اختلافاتهم الثرية مانعاً الفكر الحر.
وفي هذا لا يغرب عن بالنا كون الجماعات الدينية تعملُّ كلها بتماثل جمعي. حتى أن فكرة الجماعة الدينية المغلقة تعني (تاريخيا وسياسياً)قالب الحشد الظاهري. ذلك بموجب الامتثال لإطار ديني تقليدي. وتعني الجماعة قطيعاً إذ تستبعد أيَّ تنوع يخصِّب نسيجها الفكري والتنظيمي. عندئذ هي كتلة أشبه بالكتلة المادية. حيث يرتبط القطيع بفيزياء حركتها الخاصة وبتشكل العلاقات مع محيطها. ويصبح انعدام الكياسة وفقدان التوازن وتجاهل السلبيات من لوازم عملها التنظيمي بصورة ضمنية.
على تلك الشاكلة ثمة جماعات وأحزاب مع أنماط الاعتقادات السائدة. أنماط تمثلُ بذوراً أولية داخل كيانات جمعية. الموضوع هنا يتعلق أيضاً بتكوين القطيع الاجتماعي. فعادة في الثقافة العربية تفشل المشرعات مع حركة الجُموع. وتغدو الأفعال العامة قرينة الإخفاق. هناك فشل إداري وفشل اقتصادي وفشل استراتيجي وفشل تنموي. ولأن الكيانات السياسية الجمعية تشابه كيانات اجتماعيةً كالأسرة والعائلة. بمعنى الأسر المتفرعة والقبيلة، فلا تجد بناءً مؤسسياً حيادياً. لأن المجالَّ الذي توجد فيه مجال يحكم قبضته، ويماثل أيَّة علاقات على غرار علاقاته الأصلية.
فالحزبُ لا يوجد بدلالة سياسية إلا بمقدار ما يضمر بذرة قبلية أو عائلية. بحيث تتحول بنية الحزب إلى شكل عائلي. ظن البعض أنَّ المصاهرة(النسب) بين أعضاء حزب "الحرية والعدالة" الذراع السياسي لجماعة الإخوان كانت أمراً خاصاً. هذا غير حقيقي. فهي علاقات سياسية بضمانات اجتماعية وثقافية. إنَّها مماثلةٌ لتكوين علاقات القرابة والعصبية في هيكل المجتمع المصري والعربي وبين تكوين سياسي بمهام أخرى. لكن نتيجة المماثلة تتوحد الوظيفتين إنْ لم يتبادلا أدواراً في اتجاهين متباينين.
طبعاً من يصاهر آخر لن يجد حِلّاً من الانتقال بصدد قضية واحدةٍ من شخص عضوٍ في حزب سياسي إلى شخص هو ذاته عضو في عائلته. الحزب بمثابة عائلته والعائلة هي حزبه...أليس ذلك تزاوجاً غير شرعي بمنطق السياسة؟! هكذا تتشابك الأبنية وتحل في بعضها البعض. فالمصاهرة عملية تعاقد اجتماعي سياسي عُرفي لا تتم إلاّ في السر. وتصب في خانة المصالح التي تعم المنتفعين.
هناك عبارة شائعة لدي التقاء المصالح: "زيتنا في دقيقنا". هذه أكثر عبارة دالة على تحالف مفاهيم العائلة والحزب. ولكَّم استغل حزب "الحرية والعدالة عنصري الزيت والدقيق وأضاف إليهما السكر كعربون لشراء الغرائز وجني الأصوات الانتخابية. لأن المصاهرة تضع العائلة في السياسة والعكس. ولا استغرب تلك العجينة السياسية تطلعاً لأهداف خاصة. فالناتج من تبادل الأدوار ليس إلاَّ قرباناً للسلطة.
الإخوان قدموا دون وعي سلعاً للناخبين جلباً للسلطة و درءاً لشياطين الليبرالية والعلمانية. ما فعلوه لون من "الوثنية السياسية"؛ أي قرابين سياسية توازن القرابين المقدمة في غابر التاريخ لاتقاء غضب الآلهة. ومع هذا يعتقدون بنذورهم مساعدة الفقراء والمعوزين. مرة يتلاعبون بمشاعرهم البسيطة ولا يقدرون الإنسان ولا معنى حريته. ومرة يحتقرونه. لأنَّ من يأتي فعلاً خدَّاعاً يحتقر المستجيب له وإنْ نال مأربَّه!!
هذا التفكير يدمر قيم ديمقراطية ومبادئ الحقوق الإنسانية. فالقضاياً كانت موضوع تجارة وخدمات على شرف الناخبين بأبخس الأسعار. وإذا بحثنا عن مبرر سياسي وراء تلك الممارسات فلا نرى شيئاً. الحال كما نردد: أنَّ فلانا يفعلُ أي شيء لأجل مقصده. و "أي شيء هذا" يفتح عمل الشيطان في السياسة.
يدفعني ذلك لتقرير: تفكير القطيع لا منطق له ولا رؤية. لكنه حال غامض يقلب المنطق والتنظيم. إنَّه تصرف غريزي برداء ثقافي سياسي. حينئذ لا يدرك الفرد الآخرين على أنهم مختلفون، إنما على شاكلته. فإذا كان لعوباً سياسياً ظن أنهم كذلك. وإنْ كان دجالاً يخرج الأماني والمشروعات من خطابه، كخروج الطيور من المنديل السحري، ظنَّهم هكذا. وكأن العالم وليس الآخرين فقط على صورته وعلى ما يعتقد وربما تصل به حالة الغباء اعتبار نفسه مركز العالم على طريقة جماعة الإخوان المسلمين.
فلدي الإخوان مصطلح "أستاذية العالم". قاعدته أنَّ مؤسس الجماعة كان يمنِّى النفس لو أمتلك اثنى عشر ألفا من الشباب المثقفين(بثقافة جماعته) لكان بهم أساتذة للعالم. هل يعقل الاصطلاح الخارق تجاه قطيع قوي ومثقف؟ وليكن الشأن هكذا: يقلب العالم!! أية أوهام كانت برأسه حينما أطلق هذا الكلام الهوائي وحرصت جماعته طوال تاريخها على تكوينه؟ فالعالم به قوي لا تأتي بالكلام. ولا بهذا التسيُد المزيف إنما بالإبداع والفكر الحر. ولو قالت حتى دولة هذا الوعد الغائم، هذا الحلم اليوتوبي لتذيلت الدول بامتياز!!
بتلك الخلفية تحرك النكتة رواسب الثقافة الشائعة حول الأفعال والتصورات. لأنَّ ما زعمه حسن البنا أشبه بنكتةٍ لها ظلال في هذا الإطار. تشير نكتة إلى مجموعة من أهل الصعيد كانوا يحاولون تعليق لمبة كهربائية في سطح إحدى الغرف. وبدلاً من إيجاد سلم لصعوده ليتمكن شخصٌ من اتمام العمل، قفزت في أذهانهم فكرة صعود أحدهم للإمساك باللمبة. ثم حاول الآخرون في أعقابه تدوير(لف) السطح ذاته لتثبيتها!!
الدلالة لا تحتاج إلى عناء. فاللمبة تعني التقوقع على الذات في تصور ساذج بدوران العالم حول صاحبها أو هكذا يلف العالم في رأسه بينما يقف في منتصف الدائرة الخيالية. وأي غباء أنكى من تصور شخص بأنه سيكون سيداً دون مبررات، دون مقدمات، دون حقائق، سوى التربية (اللاهوتية) لقطيع مغلق. حتى بقانون الحياة لا بقانون السياسة سيؤدي الانغلاق إلى الموت لا إلى الانطلاق.
الغريب أنَّ قطيع الاخوان ظل وفياً لهذا الحلم الهوائي. ومن أهم عوامل تماسك الجماعة فيما جرى بعد الثلاثين من يونيو: أن حُلماً يطلقه أحدُّهم فإذا هو يقين راسخ. ليس فقط واقعياً بل في التاريخ ذاته. لنتذكر أحدهم قد روى حلم تفضيل الرسول إمامة مرسي له ولجموع المسلمين أثناء إحدى الصلوات. فهذا الحلم إيحاء بتأييد النبي لمرسي رئيساً وإماماً. وهو حُلم لربط الواقع بالمقدس. وقذف كرة الجماعات الإسلامية إلى المستقبل. فإذا كان مرسي معزولاً فلن يخرج إلاَّ منتصراً. والحلم عبارة عن حمل الحشود على مواصلة اعتصامهم وتمديد مساحة الانتظار إلى أجلٍّ غير مسمى. وإذا كان صحيحاً فلا يقال ضمن هذا المجال دون توقُع نتائجه الإقصائية فعلياً. فالرسول ظهر خلف إمامة مرسي. إذن ظهور النبي لشخصٍ أثناء نومه يصبح حقيقةً لكل الجماعات أثناء اليقظة. ومع ذلك يشكل الحلم غياباً عن الواقع رغم أنَّ هدفه السيطرة عليه.
وإذا كان منْ حلٌّم قد رأى النبي، فإنَّ الصور البديلة ستكون مؤثرةً على نحو أكبر. بمعنى ستؤسس الأحلام أسلوباً غيبياً موازياً لمناقشة القضايا وطرح الأفكار على طريقة" أنا الذي حلمت وأنت منْ تصدق". وتدريجياً سيحدث انفصال للأفكار عن الواقع. وستكثر التهويمات البلاغية والخطابية. ولِمَ نذهب بعيداً فهذا ما خرج من أفواه الدعاة الحواة. إذ تلاعبوا بأحكام الشريعة. وقفزوا في كل هواء محتمل ليكفرا ويستبدلوا بأعدائهم التقليديين( الصهاينة والغرب الفاجر على حد قولهم) أعداءً جدداً كقادة الأحزاب الورقية التي فقدت صلاحيتها السياسية منذ زمن.
وفي حينه جعلوا من ميدان رابعة العدوية سركاً سياسياً دينياً يخرجون فيه من بين شفاههم وتحت ذقونهم التهديدات والتحريض على غيرهم. وربطوا جماعاتهم بآمال، قريبة أو بعيدة ليست تلك المشكلة، إنما آمال لا يسندها سوى الأصوات الزاعقة والحناجر المكفِرة بذهنية القطيع. بينما الوقائع ماثلةٌ أمامهم على طريقة جريان الأحلام ليلة البارحة. وحين يستفيقون يتمتمون بالدعاء واللعنات على أعدائهم وأعداء الشريعة.
المنزلق الوهمي أن يسُوق أفرادٌ أفكارهم بالاحتشاد الغيبي. الاحتشاد الخفي خلف موضوعات حلمية، وخلف معانٍ دون أدنى إدراك لجوهر المتغيرات في الواقع. ألم يقُل أحدُهم أنَّ الملاك جبريل نزل بميدان رابعة العدوية. وتقع خطورة التماسك غير المرئي، التدعيم المختبئ في كونه سيتبخر بمجرد السؤال عن ماهيته. ببساطة لأنَّه عالق بإيمان هؤلاء وبأحلامهم. فهو مسألة خاصة يصعب بلوغها من قبل المجموع. وهذا فسر سهولة فض الأمي لاعتصامي رابعة العدوية والنهضة. فإذا كان منهم منْ على يقين بالاحتشاد الخفي، فسيقول نحن نترك مواقعنا لأنها محفوظة.
بالمقابل تعد السياسة إدارة للقوى العنيفة بقفازات استراتيجية. وليست بالأصوات التي تعبأ بالكلمات الرنانة كالبلونات السابحة في السماء. أداة السياسي دهاءه العاقل وعقله المجنون معاً. بمعنى أنه لا يوجد ثوابت دجمائية وفق حالة القطيع. إنَّ هذا الأمر لم يتوفر لدى الشخصيات اللزجة على المنصات وعلى شاشات التلفزيون. فلا ينجح سياسياً من يعمل بوقود الظهور ولا بادعاء الثورة ولا بالمناصب الدولية ولا بالأفكار المتسلقة بسلم حزبي. إنه عمل خارج التنظيمات والأفعال المكررة.
هنا إذا عدنا للوراء فإنَّ مشهد البرادعي حال استقباله في عهد مبارك بمطار القاهرة من أنصاره دال على صناعة القطيع. وبهذا العرض الشعائري لا تنكشف رعاعية الشخص المنتظر فقط، إنما أنصاره أيضاً. أو هكذا تخيلوا أن يكيدوا للنظام فكادوا للثقافة السياسية المصرية. كانت المكايدة بين نظام ميت وبين صورة غير ديمقراطية في التعامل مع البطل القادم!! وكأنه سيحل كل مشكلاتنا الحضارية والفكرية والتاريخية. هو كمشهد وضع الأثر على الأثر. أثر البرادعي على أثر مبارك. وثبت ذلك حينما سمعنا كلام البرادعي في حينه حول مجيئه، وحول رؤيته لحاضر المجتمع المصري، وحول الأزمات الراهنة. لم يمتلك إلاَّ الأفكار المرتعشة والسطحية.
ما فعله المستقبلُّون(الملوحون بالأعلام) طبع الإحساس بالديكتاتورية الذي ولده نظام مبارك في صورة إحساس مقبول لدى قطيعه. لكنه سيترك بصماته وبقاياه خلال الممارسة السياسية. لم يسأل أحدُهم: أي جديد سيقدمه البرادعي بتصريحاته الإعلامية الأكثر من كونها فهماً أو رؤية سياسية؟ وكيف سيحل الأزمات الطاحنة على الصعيد الاجتماعي؟! إن هناك دعوات، وبفضل ذهنية القطيع، تضيف إلى ثقافة التخلف رصيداً. والمزعج تلقُف الإعلام لوصول البرادعي كأنه هبوط من السماء، مُردداً أهميةَ جائزة نوبل للسلام الحاصل عليها، ومؤكداً على الخبرة والتقدير الدوليين اللذين يحظى بهما. أيضاً كثيراً ما أنفق الإعلام غباء مغازلة الجماهير بما لا يعنيهم. وطرح استباقاً للأحداث وقت لم تثبت جدارة النموذج القادم بعنايتهم بعد، وكشف عن مغازلة الغرب ببضاعتهم التي ستروج في مصر!!
الأزمة التي لا يخرج منها تيار سياسي واحد أننا نعالج مشكلاتنا بنتائج المشكلات نفسها، بإفرازات الأنظمة السياسية السابقة، وبطرق فقدت صلاحيتها الآدمية. وليس هذا فحسب بل الشخصيات التي تتسيد المشاهد إنما هي نفايات خارج التاريخ. بينما كان يفترض إزاحتها بتعرية أفكارها من الأرض. وأزمة المجتمع المصري أن الممارسة السياسية بعد الخامس والعشرين من يناير حتى الآن تعتمد على رُعاعية الشخصيات المحتمية برُعاعية الشارع في جوانبهِ الغامضة وغير الثورية...مما يدعم القطيع ويزيد قوته مرة أخرى. ودائما ذهنية القطيع تبقي الأوضاع القائمة بلا تغيير.