الرفيق ..

بدر الدين شنن
2016 / 6 / 29

الوحيد الذي لم ينصح فؤاد ، بمغادرة الوطن ، للتخلص من آثار عذابات سنوات السجن .. كان أبو الحكم .
ولما اتصل فؤاد بأبي الحكم ، من بلد أوربي قريب منه .. فوجئ .. وقال له :
- لقد أوجعتني .. صرت أخاف عليك أكثر .
وأجابه فؤاد :
- لماذا .. إنهم هنا " أوادم " ويحترمون الآخرين ؟ ..
- نعم البسطاء في كل مكان هم هكذا . أما الذين فوق .. هم لا يعطونك شيئاً .. إلاّ ليأخذوا منك أشياء . أنت في الوطن معروف وقوي.. أما في الغربة .. فأنت مثل شجرة اقتلعت من أرضها وخسرت جذورها .. ومثلك هو الذي يعرف معنى خسارة الجذور .

وبقيا على اتصال . لكن أبو الحكم كان الأكثر اتصالاً بفؤاد ، ويتابع وضعه في الظروف التي يمر بها .
إن فؤاد كبير .. وعظيم .. عند أبي الحكم . فعندما غلب السديم الأسود على رؤى الكثيرين وغيروا .. وتغيروا .. ظل فؤاد على رؤاه النقية ووفائه . وحين بدل الآخرون جلودهم .. ومناراتهم .. ظل فؤاد متمسكاً بجلده ومنارته .
وعلى ندى الثبات على المبدأ .. والبقاء في موكب المقهورين .. نمـا وترعرع الود الحميمي النادر بينهما . وعمق وكبر هذا الود اشتراكهما معاً .. في الاجتماعات .. والمهمات .. والمظاهرات .. والمناقشات .. وسنوات خلف القضبان . والجري الدؤوب العنيد معاً خلف الأفق المختار ، وحسب أم فؤاد ، التي كانت تقول لهما أحيانا على سبيل المزاح ، " حاملين السلم بالعرض " .

في الاتصالات الأخيرة ، أقلقت أجوبة فؤاد أبا الحكم .. لم تعجبه حاله .. وصوته .. ولم يجب على استفساراته عن صحته بوضوح .

في آخر اتصال بينهما ، شكا فؤاد ، من نقله مرات عدة ، خلال فترات قصيرة متلاحقة ، بالإسعاف إلى المستشفى ، لإجراء معالجات .. نوعية ومؤلمة وعاجلة له . وقفز بذكاء من الحديث عن نفسه ، إلى الحديث حول القضايا العامة .. وبخاصة حول حلب .. والأهل والأصدقاء هناك .
سأل عن الأحياء التي يقصفها المسلحون .. وعن رهاب الانفجارات .. والرعب .. والدم .. الذي ينغرز من كل بد .. في وعي ومشاعر الأطفال الأبرياء .
وما أن بدأ فؤاد يتحدث عن الوطن .. وعن حلب .. تحسنت نبرة صوته .. وانتعشت كلماته .. مفعمة بالثقة والأمل .
لكنه توقف عن متابعة الحديث معتذراً .. إذ لم يعد قادراً على متابعة الحديث .. وودع أبا الحكم بكلمات قليلة متقطعة .

وفكر أبو الحكم كثيراً ، وحسم ما راوده من قلق وخوف على فؤاد ، بالسفر إليه . إن مثله لا يترك في ظروفه الأخيرة لوحده . لقد كابد فؤاد الكثير من المواجع الجسدية والنفسية . وكان واثقاً من حاجة فؤاد إليه . فهو لا يأنس .. ولا يطمئن في أزماته
إلاّ بحضوره .

وصل أبو الحكم إلى فؤاد . وجلس على كرسي في غرفته بالمستشفى ، ينتظر أن يصحو من نومه ، أو من مفعول دواء ما .
ولما صحا فؤاد كانت مفاجأة حارة عظيمة لفؤاد .. كان لقاءاً لا يمكن وصفه ببضعة كلمات .. هو أكثر من لقاء أخوين .. ورفيقين . لم يتعانق الجسدان بل اتحدا .. ولم تدمع العيون فقط .. كانت روحهما .. ومشاعرهما .. وحنين ووفاء عشرات السنين تتعانق أيضاً .. وتفور .. وتتجدد .. وتجدد معها أزمنة .. فورة اليفاعة الثورية .. والتهام الكتب الجديدة .. والمظاهرات الصاخبة .. ونحت الأفق بالأظافر .. لتوسيع المنافذ .. للضوء .. ولعبور الحلم .

لم يستطع فؤاد النزول من السرير ، ليجلس ملاصقاً لأبي الحكم ، لكنه أحكم راحته في الجلوس ، مستعيناً بالمخدات فوق السرير ، وكأنه يستعد ليجلس ، كما كان يفعل وأبو الحكم ، عندما يلتقيان للاطلاع على آخر الأحداث .. والاتفاق للتحرك والآخرين في الأيام المقبلة .
خلال ذلك كان أبو الحكم يمعن النظر في الجالس أمامه ، الذي تحف به الشراشف والمخدات البيضاء . وركز خاصة على وجهه .. وعينيه .. وهيكل جسمه .. وكفيه .
غلبه الحزن .. وأحس بغصة في صدره .. وتساءل في نفسه .. أمن المعقول أن الذي أمامي هو نفسه فؤاد .. الذي كان رأس حركة الصدام ، عند الضرورة ، مع رجال الأمن .. ورد تعديات قوى التخلف .. والمتحدث الجاد المقنع في المؤتمرات واللقاءات مع الآخرين . .. أهكذا يفعل السجن .. وانشطار العائلة .. والغربة القسرية بالإنسان ؟ ..
ونفرت دمعات حارة متلاحقة من عينيه .. قاوم .. حاول أن يوقف سيل الدموع بمسحها بكفيه سريعاً .. وبفتح حديث مع فؤاد .. ليخفف قليلاً من انفعاله .. لئلا يلاحظه فؤاد وينعكس عليه . ولما نظر إلى فؤاد ، وجده يمسح عينيه بمنديل .
لكن فؤاد بادر أبو الحكم بالسؤال .. عن أخبار حلب .. والأحداث الأخيرة في الوطن .
قال أبو الحكم :
- حلب صار اسمها " حلب الشهداء " .. إنها بانتظارك .. إنهم هناك بحاجة إليك .. وإلى أمثالك .. اليوم هو يوم حلب .. ويوم حلب هو يومكم .
أجابه فؤاد بصوت متهدج :
- كم أتمنى أن أكون هناك . لكني يا أبا الحكم .. أنا عديم القدرة .. كالقتيل هنا .. كما كنت خلف القضبان . الغربة كما وصفتها أنت .. هي ضياع .. ومذلة .. وموت .. يا أبا الحكم . ليت لي بضع سنين لأستخدمها من أجل حلب والشام .. والوطن كله .
- ستشفى وتعود يا فؤاد .. حقاً ستعود .
- أتمنى من كل قلبي .. وإن لم أستطع ذلك .. فأنت تعلم أنني عشت الحياة التي يجب أن أعيشها ..
لقد عشت عروبتي .. وسو ريتي .. ونقابيتي .. واشتراكيتي .. بالقدر الذي تمكنت أن أعيشه .
عشت العروبة الأبية .. الحاملة للحرية والكرامة .. والطموحات الإنسانية والحضارية .
وعشت سو ريتي المغدورة من كل عتاة وهمج الكون . سوريا بكل ألوانها .. وأزهارها . أنا فخور أن لي أخوة ، وأصدقاء ، ورفاق نضال .. من العرب والكرد ، والأرمن ، والسريان ، والتركمان ، وغيرهم ممن ينضمون إلى التشكيل السوري التاريخي العريق .
وعشت نضالي النقابي ، الذي علمني كيف تكون وحدة النضال ، من أجل المطالب المشروعة .
وعشت نضالي من أجل الاشتراكية .. وتعلمت منه ، أنه المؤسسة الإنسانية الوحيدة .. التي تحمل العدالة .. والاحترام .. والأخوة .. لكل الناس .. ولكل الشعوب .
هذا هو كنزي .. الذي خزنته في قلبي وعقلي .. وتركته لوطني .. ورفاقي .. وأحفادي .

ولبس أبو الحكم صامتاً .. خاشعا ً .. وهو يستمع لفؤاد .. وكأنه يطلب من أبي الحكم .. الشهادة .. وحفظ الأمانة .. والوصية .
ووجد أبو الحكم نفسه متردداً .. متأثراً .. لا يعرف ماذا يقول ن أمام هذا البيان المعبر عن تاريخ نضال شارك فيه . وقال لفؤاد ليهدئ من مشاعره التي ارتفعت وتيرتها :
- إنه كنز ثمين . لكنه يحتاج إلى إضافات جديدة ، ستحققها اليوم وغداً ..
وسأله :
- كيف يمكن برأيك .. أن نحقق نجاحات أكبر لإ نقاذ البلد .. أنت ما زلت تستطيع أن تقول ذلك .. وتفعل الكثير من أجل ذلك . ؟ ..
- ربما أستطيع .. وأرجو أن أستطيع .

وفجأة أحس فؤاد بانقباض حاد في صدره . وبدأ العرق يتصبب من جسمه ، وبلل رأسه ووجهه . وتوقف عن الكلام . وضغط على المنبه بجانبه .
اعتذر الطبيب من أبي الحكم ، وطلب منه أن يخرج من الغرفة .

تواترت حركة الأطباء والممرضات . ثم رأى الممرضات يأخذن فؤاد من غرفته نحو مكان آ خر .
لحق أبو الحكم بالممرضات موازياً للسرير ، يحاول قلقاً .. مرعوباً .. الاستفسار عما حصل لفؤاد .. وإلى أين سينقلنه .
لكن إحدى الممرضات منعته بلطف ، وطلبت منه أن يذهب إلى الطبيب الواقف إزاء الاستعلامات .

غير أن أبا الحكم صمم على اللحاق بفؤاد . وحين بدا الجري ، أحس بدوار ثقيل يداهمه ، ووهن شديد ينتشر بجسمه .. وسقط على الأرض
حاول الوقوف .. ليجتاز الممر الذي غاب في نهايته فؤاد . لكنه لم يقدر .. وعاود السقوط . وأطبق عليه برد صقيعي انتزع كل الدفء في كيانه .. وأخذت أطرافه ترتجف .. وأسنانه تصطك ببعضها . وراح يردد كلمات غير مفهومة تماماً للواقفين قربه . كان يقول :
- سنعود إلى سوريا .. سنعود إلى حلب يا فؤاد