-فِش مين يدفش-؟

راضي كريني
2016 / 6 / 29

29-6-2016
"فِش مين يدفش"؟

لم يكشف ما سبق استفتاء خروج بريطانيا من الاتّحاد الأوروبّيّ، وما تبعه عن رفض غالبيّة البريطانيّين للنظام الرأسماليّ المتصدّع وليبراليّته، القديمة والجديدة، فحسب؛ بل إنّه كشف خلوّ الساحة البريطانيّة من معارضة اشتراكيّة ديمقراطيّة حقيقيّة، وجديّة، وقادرة على طرح نفسها كبديل للنظام الرأسماليّ المتوحّش والمنهار.
ومن المؤسف أيضا، أن نرى بين صفوفنا مَن اقتنع بما ردّدته غالبيّة وسائل الإعلام؛ بأنّ تصويت البريطانيّين للخروج من الاتّحاد الأوروبّيّ جاء نتيجة الخوف من أزمة المهاجرين الأفارقة والأسياويّين إلى أوروبّا الغربيّة، كذلك نجد أنّ هناك مَن يبحبح هذه النتيجة لتشمل المهاجرين من أوروبّا الشرقيّة إلى الغربيّة.
لقد عبّر غالبيّة البريطانيّين عن غضبهم ورفضهم لأسلوب النظام الرأسماليّ الاستغلاليّ القائم على سحق الفئات/الطبقات الاجتماعيّة الوسطى والفقيرة .. غالبيّة الناس قلقة، ومحتاجة. وتعاني من البطالة والإجرام والتلوّث و...، ومن سيطرة الأثرياء على مقدّرات البلاد.
ارتفع منسوب البؤس بعد تحويل الأرض والثروة والأفكار إلى بضاعة تباع وتشترى، و...، وبعد حرمان العمال والموظفين من النقابات والمؤسّسات المخلصة والمدافعة عن حقوقهم في الحياة الكريمة والإنسانيّة، وتركهم لقمة سائغة في فم وحش العولمة الرأسماليّة و... لقد عبّر البريطانيّون عن حاجتهم إلى تغيير النظام الاستغلاليّ، وعن أملهم ورغبتهم بنظام أكثر عدلا.
كذلك، من الواضح أنّ انتخابات/سباق الرئاسة الأمريكيّة، قد كشفت هي الأخرى، عن احتجاج ورفض غالبيّة الأمريكيّين لأسلوب نظام السوق الحرّة الرأسماليّ القائم. أعتقد أنّ حصول بيرني ساندرز ودونالد ترامب على هذا الـتأييد الواسع هو دلالة على رغبة الأمريكيّين في التغيير، وفي التخلّص من النظام القائم، بالرغم من أنّ ترامب هو ممثّل حقيقيّ لأسوأ نظام رأسماليّ، لكن ثروته، وظهوره، وتزعّمه، و... هي دلالة على أزمة الرأسماليّة النيوليبرالية وعفنها!
صدق الفيلسوف المجريّ كارل بولاني حين قال: إنّ الاقتصاد، في ظلّ جميع المجتمعات الإنسانيّة، كان دائما في خدمة المجتمع ما عدا في المجتمع السوقيّ (القائم على نظام السوق)، إذ يكون المجتمع في خدمة الاقتصاد/السوق/الربح. وأصاب في وصفه نشوء الرأسماليّة على أنّه "حركة مزدوجة"؛ فنحن نرى بشكل واضح كيف تتحرّك السوق الرأسماليّة نحو هدم أسس المجتمع الإنسانيّ والديمقراطيّ، ونحو هدّ الشبكات والعلاقات الاجتماعيّة القديمة (من العائلة حتّى الأمّة) والقيم الاشتراكيّة والإنسانيّة الداعمة، وإلى تهميش النقابات والأمن والسلطات القضائيّة، وفي الوقت ذاته نراها تتحرّك نحو بناء علاقات تبادل تجاريّة، متوحّشة، ووقحة، وأنانيّة، و...، وفاشيّة.
بالرغم من الأزمات السياسيّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة، و...، والبيئيّة، والأخلاقيّة المحيطة بنا، والتي تهزّ أركان المجتمع البشريّ، إلاّ أنّه من المبكّر أن نستنتج بأنّ نهاية تاريخ الرأسماليّة (فوكوياما) قد اقتربت. صحيح أنّ حيطان النظام الرأسماليّ متصدّعة وآيلة نحو السقوط، لكن.. تفتقر المجتمعات البشريّة إلى قوّة "دفش" (فش مين يدفش)!
لا يمكن أن تترك الأغلبيّة الأوضاع سائبة وقاسية، وعلى هذا المستوى من الخطر والفوضى والعبثيّة، لا بدّ من أن تخلق الغالبيّة أحزابها ومؤسّساتها وقياداتها، وأن تتحرّك لحماية الديمقراطية، وضبط الأسواق وكبح جماحها وسرقتها للثروات والعمل والأملاك و...، تستطيع الجماهير أن تجعل الاقتصاد في خدمة المجتمع، وهي قادرة على إعادة توزيع الثروة التي يتمّ إنتاجها، وعلى توفير الحماية الاجتماعية لكلّ أفراد المجتمع، و...، وإن أمهلت؛ فهي لا تهمل الثورة!