المالكي .. مشروعك الإسلامي ومشروعنا الوطني يتنافيان

ضياء الشكرجي
2016 / 6 / 28


بين حين وآخر يخرج علينا نوري المالكي رئيس وزراء الثماني العجاف بتصريح إسلاموي شمولي، فها هو في حديث له لبرنامج (حق الرد) الذي تبثه قناة (السومرية) يكرر ما سمعناه منه قبل مدة، حيث يقول: «هناك من يريد ضرب المشروع الاسلامي، وهذا بالنسبة لنا خط أحمر، فكما لا نريد أن نضرب مشاريع الآخرين من باب أولى لا نقبل لأحد أن يضرب المشروع الاسلامي».
لا أدري عن أي مشروع إسلامي يتحدث، وليخبرني ما هي إنجازات مشروعه الإسلامي هذا، منذ تسلطت أحزاب الإسلام السياسي، وأحزاب الطائفية السياسية، شيعية وسنية، وأحزاب التخندق القومي والعرقي، كل ذلك مما يتقاطع مع دولة المواطنة الحديثة، وماذا قدم هو في ثمانيه العجاف.
أقول للمالكي: نعم، أنت محق، فمشروعنا الوطني لا يلتقي مع مشروعك الإسلامي، فالمشروعان يتنافيان ويتقاطعان، أو من أجل أن نكون دقيقين في التعبير أقول إنهما كما يعبر في المنطق «ضدان لا يجتمعان ويرتفعان»، والذي يهمني من التعريف أن هاذين المتضادين «لا يجتمعان»، ولا يتوافقان. فمشروعنا الوطني مشروع ديمقراطي، والإسلام السياسي ما كان يوما ديمقراطيا، ولا آمن بالديمقراطية، بل حاول ويحاول ركوبها للوصول إلى مآربه. ومشروعنا الوطني يؤمن بالمواطنة، وأحزابكم الإسلامية والمتمذهبة شيعيا وسنيا تهدم ركن المواطنة، لأنها تطرح نفسها ممثلا لمصالح هذا أو ذاك المكون، سواء كان المكون الشيعي، أو المكون السني، وحتى لو كان مكون أتباع دين الأكثرية، أي المكون المسلم، أو مكون أتباع قومية الأكثرية، أي المكون العربي، فكل ذلك هدم لأهم ركن من أركان الدولة الديمقراطية الحديثة ألا هو المواطنة. أليس كذلك؟ أم أنت لا تعرف معنى «المواطنة»؟
ماذا قدم مشروعكم الإسلامي للعراق، غير الطائفية السياسية، والمحاصصة الطائفية والقومية والحزبية على حساب مصالح الوطن والمواطن؟ ماذا قدم مشروعكم الإسلامي غير الفساد المالي والإداري، وسرقة - أو لا أقل - هدر المال العام، وتردي الخدمات، وتهيئة الأرضية لداعش؟
ولعجب عجاب منك يا نوري المالكي أن تقول إن «الدستور لم يأتِ بشكل دستور يبني دولة، وفيه ألغام كثيرة». فمن الذي وضع هذه الألغام غيركم أنتم القوى الشيعسلاموية المتثملة آنذاك بـ«الائتلاف العراقي الموحد 169»، غيركم أنتم حزب الدعوة، والمجلس الأعلى، وحزب الفضيلة، والتيار الصدري؟ ألستم أنتم من وضع المادة الثانية، التي تمثل اللغم الأخطر ضد مشروع بناء الدولة الديمقراطية، دولة المواطنة، دولة الحريات والحقوق والمساواة؟ ألست أنت الذي جئتني معاتبا، لأن بقية القوى الشيعسلاموية شكوني إليكم (حزب الدعوة)، لأن ضياء الشكرجي كان الوحيد الذي رفض أن يسجد وأن يركع للخطوط الحمراء، التي سميتموها أنتم وما أنزل الله بها من سلطان؟ أرجوك لا تتاجر بالوطنيات، وأنتم أبعد ما تكونون عن مصالح الوطن والمواطنة.
ماذا قدمت في ثمانيك العجاف من 2006 حتى 2014 كرئيس لمجلس الوزراء، وقائد عام للقوات المسلحة، ووزير فعلي للدفاع والداخلية، ورئيس فعلي لجهاز المخابرات؟ من الذي أوصل التوتر الشيعي السني، والتوتر العربي الكردي إلى ذروتيهما الخطيرتين، دون تبرئة ضديك المذهبي والقومي النجيفي والبرزاني. لكنك أنت الذي تتحمل القسط الأكبر من أوزار وخطايا وآثام وكبائر الثماني العجاف.
أي جرأة هذه منك، عندما تعتبر في حديثك للعشائر بأن الإصلاح «محاولة لإفشال المشروع الإسلامي للأحزاب الإسلامية وضرب المتدينين»، مطالبا عشائر الفرات الأوسط والجنوب بأن يكونوا بدرجة من الوعي والتشخيص، وأن «يتفهموا حجم المؤامرة»، وكأنك تريد أن تحرضهم ضد دعاة الدولة المدنية، وضد دعاة الإصلاح.
لا أدري عن أي نهوض تتكلم عندما تقول إن «العراق بدأ ينهض في السنوات الماضية بعد عام 2003 واسترجع عافيته بعد القضاء على تنظيم القاعدة والإرهاب، لكن أعداء العراق خططوا مرة أخرى من خلال الاعتصام، ثم بعدها أولدوا الوليد النكد داعش، الذي لا شك أنه وليد إقليمي دولي وله أهداف كبرى بدايتها سوريا ونهايتها المنطقة بأكملها». أنا معك في أن اعتصامات المنطقة الغربية كانت طائفية بامتياز، وكتبت في حينها مقالة أصف تلك الأحداث بمثابة ثورة سنية ضد سلطة شيعية، أو لنقل ثورة طائفية ضد سلطة طائفية. لكنكم أنتم (الأكثرية المكوناتية) الذين ضيعتم الفرصة التاريخية الذهبية على العراق، التي توفرت له بعد سقوط الديكتاتورية. من هنا قلت إن ما ارتكبتموه، لم يكن خطأ وحسب، بل كان جريمة تاريخية عظمى. كيف تريدني أن أصف تضييع فرصة تاريخية على الشعب العراقي، لا تتأتى عادة للشعوب إلا مرة في كل قرن؟ ناهيك عما يمكن أن تدفعه أجيال بعد أجيال ثمنا غاليا لجريمة تضييع هذه الفرصة التاريخية. هل فهمت حجم ما ارتكبتموه؟ إما إنكم لا تفهمون، أو لا تريدون أن تفهموا، أو تفهمون و(تغلّسون).
لا تقل لي إنك لست طائفيا، وإن حزب الدعوة وبقية أحزاب الإسلام السياسي الشيعية ليست طائفية. كل حزب ينغلق في عضويته على الشيعة، هو حزب طائفي بالضرورة، وكل حزب ينغلق في عضويته على السنة، هو حزب طائفي بالضرورة. وأعيد ما قلته في آخر حلقة شاركت فيها قبل مدة من برنامج «بالعراقي» على قناة (الحرة – عراق)، حيث قلت «كل تعصب ديني أو تعصب مذهبي هو درجة من درجات الداعشية، وكل تسييس للدين، وكل تسييس للمذهب، هو لون من ألوان التعصب الديني والمذهبي، وهو بالتالي درجة من درجات الداعشية أو على الأقل الممهد للظاهرة الداعشية». نعم، كنت منكم، واعتذرت للشعب العراقي، وأدنت نفسي عن تاريخي لغاية الخامس من أيار عام 2006 عندما أعلنت عن استقالتي من حزب الدعوة، ولذا كان هذا اليوم بحق عيدا تاريخيا بالسنبة لي. والعلمانية تجب ما قبلها.

كم أنت يا نوري المالكي يا رئيس الثماني العجاف مهووس بالمؤامرة، وكم تشبه لغتك في هذا الصدد لغة رجب طيب أردوغان ولغة محمد مرسي العياط. حيث تتكلم عن معشوقتك المغرم بها حتى الوله (نظرية المؤامرة) فتقول: أن «المؤامرة لا تقف إلى هذا الحد، فقد دخلوا تحت عنوان الإصلاح، ويريدون أن يجهزوا على ما تبقى من بقية السيف، وقالوا إن الإصلاح يجب أن يأتي بوزراء تكنوقراط بمعنى شهادات، ولكنهم أفسدوا ذلك حين قالوا أن يكون مستقلا»، وتبرر قولك الغريب العجيب هذا بأن «هذه العناوين يريدون بها أن يهمشوا دور الأحزاب الدينية، وما قدمت وناضلت واستشهدت ومنها الذي أسسها الشهيد الصدر، وان هذا الصوت يريدون به إفشال المشروع الإسلامي وضرب المتدينين».

بالله عليك ماذا قدم حزبك الإسلامي، وماذا قدمت بقية أحزابكم الإسلامية، وماذا قدم (المتدينون)؟ وهل المتدين يسرق؟ وهل المتدين يزوّر شهادته؟ وهل المتدين يستولي على عقارات الدولة؟ وهل المتدين يركب الدين والمذهب مطيتين إلى مآربه وأرباحه الحرام الحرام والألف حرام؟ ألا هل من حياء؟ ألا هل من ضمير؟ ألا هل من مواجهة للذات بصدق؟ ألا هل من مكاشفة للشعب عن فشلكم بل عن إساءاتكم للشعب ومصالحه وعيشه الكريم وكرامته وحقوقه وحرياته وثرواته؟

نعم نحن نناضل ضد مشروعكم، مشروع أحزاب الإسلام السياسي، مشروع أحزاب الطائفية السياسة، مشروع أحزاب الفساد المالي وسرقة المال العام، لأن مشروعكم الذي تنعته بالإسلامي هو بالضد كليا من المشروع الوطني، وبالضد من المشروع الديمقراطي، وبالضد من مشروع دولة المواطنة، وبالضد من مشروع الدولة المدنية الحديثة، وبالضد كل ما هو نافع للشعب، ولرفاهه، وحريته، وكرامته، وحقوقه، ولمستقبله، وأجياله المقبلة. هل عرفت لماذا نريد إفشال مشروعكم؟ لأنه ببساطة عمل على إفشال مشروع الشعب ومستقبله.

إذا لم توقفكم محكة الشعب والقضاء العادل، فستنطق محكمة التاريخ بحكمها العادل، وستقول «قفوهم إنهم مسؤولون».