أهل الكتاب مؤمنون والجنة ليست حكرا على المسلمين.

سعيد الكحل
2016 / 6 / 28

تزداد الحاجة إلحاحا إلى مراجعة الفقه الإسلامي مراجعة جذرية وشجاعة والعمل على إنتاج فقه يساير تطور المجتمع ويتفاعل مع الواقع . الفقه الموروث أنتجته بيئة اجتماعية ومناخ سياسي لم يعودا قائمين . إنه فقه يعيش خارج الزمن ويصادم الواقع ؛ بل يحكم علي المسلمين بالعطالة الفكرية ماداموا لا ينتجون من الاجتهادات الفقهية ما يجعلهم يعيشون القرن 21 بقيمه وثقافته وحقائقه العلمية . لم تعد الحروب الدينية تميز عصرنا ، ولا نشر العقائد والأديان يستدعي الفتوحات أو الغزوات ؛لهذا لم تعد الحاجة إلى بناء أسوار سميكة وقلاع شاهقة لصد العدوان وحماية الحدود والدفاع عن البيضة . بل لا دولة تعيش مقطوعة عن العالم أو في صراع معه . جميع الدول أعضاء في هيئة الأمم وتربطها معاهدات اقتصادية ، سياسية ، ثقافية أمنية ،عسكرية الخ. الأمر الذي يجعل الحديث عن دار السلام ودار الحرب ، حديث يثير السخرية . وكذلك الشأن بالنسبة للتمييز بين دار الإيمان ودار الكفر. انتهى زمن كان فيه المجتمع الواحد بالدين الواحد ، وصارت المجتمعات متعددة الثقافات والأديان وسماؤها مفتوحة لكل الإيديولوجيات والعقائد . فلا رقابة لأي نظام على عقائد مواطني شعبه. صار العالم ،إذن، قرية صغيرة متعدد العلاقات وعلى دراية بكل تفاصيل الأحداث التي تشهدها أي منطقة من مناطقه. في ظل هذا الواقع ، لا يمكن أبدا تحكيم فقهاء السلف في علاقتنا بأنفسنا ومواطنينا ومواطني العالم ، ولا القبول بوصايتهم على عقولنا . فالمسلمون اليوم مطالبون بتحرير عقولهم من أسْر الماضي وضمان استقلالية وعيهم عن سلطة السلف. وأولى مداخل التحرر هي الفتاوى التي تأسر العقول وتحجر عليها وتمنعها من ممارسة النقد الهادف لهذا الكم الهائل من الغث والسمين في التراث الفقهي خاصة.وفقا لهذا التصور ، بات مطلوبا من المسلمين أن يفتحوا باب الاجتهاد ليندمجوا في العصر ويربوا أبناءهم على قيمه ومكتسباته حتى لا يعيشوا انفصاميين .إذ بينت الأحداث التي تشهدها بلدان الخريف العربي ،أن النازحين منها يفرون إلى البلاد والأمم التي صنفها لهم التراث الفقهي بأنها أمم الكفر وديار الحرب . تراثنا الفقهي يحرم علينا موالاة غير المسلمين ، لكن واقعنا وظروفنا تفرض علي النازحين من جحيم الحروب والفتن طلب الأمن والأمان في "بلاد الكفر" والاستظلال بقوانينها والتمتع بنعيم خيراتها والاطمئنان إلى أمنها وعدل قضائها . وجوهر المشكل ،أن هؤلاء النازحين يحملون معهم ثقافتهم الفقهية التي تزدري عقائد مستضيفيهم وأولياء نعمتهم الذين آووهم من جوع وآمنوهم من خوف وحموهم من سبي وقتل واسترقاق. نحن إذن،أمام مفارقات وشروخ نفسية ، فكرية ووجدانية بسبب الثقافة الفقهية التي تشبعنا بها ولا زالت مؤسساتنا الدينية والتربوية تعيد إنتاجها وترويجها ، مما يستوجب تفكيكها ووضع الغث منها في المتاحف.وأول ما يقتضي التفكيك والمساءلة هو اعتبار الإسلام الدين الوحيد الذي يُدخل أتباعَه الجنة ، بينما بقية الأديان فاسدة ومنحرفة ومصير معتنقيها النار .هذه عقيدة ثابتة لدى المسلمين ، علمائهم وعامتهم . ولم يكلف الفقهاء الذين يكفرون المسيحيين ويفتون بدخولهم جهنم ويحرمون زواج ذكورهم من بنات المسلمين ، لم يكلفوا أنفسهم إعادة قراءة الآيات على ضوء القرآن كله ومحكمات آياته ، ومنها قوله تعالى ( وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين) . فالجنة ليس مخصصة للمسلمين وحدهم ، بل هي لكل من وحّد الله مهما كان دينه كما يبين القرآن الكريم في سورة البقرة (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) .على المسلمين أن يراجعوا مواقفهم وعقائدهم ويعترفوا بأنهم ظلموا غيرهم وتعصبوا لعقيدتهم واحتكروا الله لهم وحدهم ومارسوا عليه الوصاية وسحبوا منه مفاتيح الجنة يدخلون فيها من يشاءون .