الهروب إلى داعش .. حول نظرية الفعل ورد الفعل

جعفر المظفر
2016 / 6 / 28

الهروب إلى داعش .. حول نظرية الفعل ورد الفعل
جعفر المظفر
لا يمكن الحديث عن إنضمام بعض منتسبي الجيش العراقي السابق إلى داعش دون الوقوف أمام موضوعة الفعل ورد الفعل.
سيكون الأمر مقبولا إذا استعملت هذه الموضوعة لتفسير الحالة, لكنه يصير كارثيا حينما نستعملها لأغراض التبرير. التفسير يعطيك مساحة واسعة للبحث عن اسباب الخلل وصانعيه حتى تجد حلولا عريضة لا تتوقف عند إدانة الأفراد بل تعينك على الذهاب إلى الحالة التي أنتجت الخلل. التبرير يجعلك تبرأ مجرما بحجة أن جريمته لم تأتِ إلا كردة فعل على فعل كان قد أرتكب ضده.
يوم نتوقف امام ما يطرحه طائفيوالشيعة سنجد أن أحزابا, كالدعوة ومجلس عمار الحكيم وغيرها, تعتمد إلى حد كبير على موضوعة المظلومية الشيعية لتفسير حالة رد الفعل التي انتجتها. لكن هل سيكون من الصواب إستخدام هذه الموضوعة لتبرير تأسيس حالة طائفية ضدية يكون من شأنها خنق كل فرص الخروج من مساحة الفعل الطائفي ؟! هذا الأمر سيمتد ليشمل أيضا كل تنظيم أو تجمع طائفي سني تأسس بدعوى تبريره كحالة رد فعل سني على فعل شيعي كان قد سبقه في هذا المضمار.
إن فحص النتائج على الطبيعة بعد مراجعة الحالة التي وصلها العراق على يد الأحزاب الطائفية سيقربنا من الإجابة. هنا نستطيع العثور على النتائج الكارثية التي نجنيها حينما لا نعرف كيف نستخدم تفسير الحالة المدانة لغرض الخروج النهائي من مساحتها, بل نذهب إلى تسييجها بجدران عالية واللعب في ساحتها لتدمير الناس والوطن, إنها لعبة التبرير الدائرية القاتلة التي ما أن تبلور فعلا مدان حتى تنتج رد فعل مدان يتحول هو بدوره إلى فعل يؤسس لرد فعل.
أحد الأخوة من الوسط الشيعي, كان قد فُصِل في زمن صدام من حزب البعث بسبب عدم التطوع في الحرب مع إيران وكاد مع آخرين أن يعدم ثم أرسل إلى الجبهة لكي لا يعود, ولكنه عاد بقدرة قادر, وإذا به يصير مرة أخرى في مواجهة الموت في أقبية المخابرات العراقية, لكنه مع كل ذلك لم يُسْقِط كراهيته لصدام حسين على موقفه من إيران فيكون نصيرا لها, لأن ذلك كان سينقله من موقف معارضة نظام إلى موقف خيانة وطن.
هذا الموقف ينطبق على نوعين من الناس: الأول الذي لم يستطع تصريف (مظلوميته) وتناقضه مع نظام صدام تصريفا وطنيا فنراه يختار العمالة لدولة تبادل دولته العداء والحرب بدل أن يكون نقيضا وطنيا لنظام صدام. وهو إذ لم يواجه صعوبة في تفسير خيار العمالة على اساس مظلوميته إلا أنه وقع في إثم إستخدام التفسير بإتجاه تبريري لشرح وجوده في حالة اشد جرائمية من الحالة السبب. النقلة المتعمدة أو الغبية من حالة الفعل الأثيم إلى حالة الإثم النقيض هي التي تكشف لنا خطورة إستخدام تفسير الحالة الوضعية الشاذة لتبرير تأسيس حالة تاريخية نقيضة أشد إثما.
إن حل الجيش العراقي السابق كان جريمة بحق العراق قبل ان يكون جريمة بحق منتسبيه, والقول أنه كان جيشا لصدام قبل ان يكون جيشا للعراق هو قول يحمل الكثير من التسطيح, هذا إن حذفنا منه نية التجني. لقد كان الجسم القيادي في ذلك الجيش, وليس الجيش نفسه, هو التابع لصدام, أما أغلب ضباطه الآخرين ورتبه الأخرى فقد كانوا من أولئك الذين يتطلعون إلى نهاية حقيقية لماساة العراق التي لم تكن لتحل دون إزاحة صدام ومجموعته من على سدة الحكم, والدليل على ذلك أن كثيرا من ضباطه كانوا يعدمون على مدار الحروب التي كان يخوضها صدام وإن عدة محاولات إنقلابية فاشلة كانت قد جرت بعد غزوة الكويت لوحدها, أما في الحرب مع إيران فإن عدد الذين إعدمهم صدام, من المختلفين وطنيا على سياسته وقيادته كان بالمئات وليس بالعشرات. ولو أن صدام ونظامه كان هو المستهدف من قبل قوات الإحتلال لكان من السهولة جدا إيجاد البديل الذي يمر من خلال الإبقاء على المؤسسة العسكرية ذاتها. وبما أن الهدف لم يكن إزاحة صدام ونظامه لوحدهما بل إحداث تبديل معاكس في بنية الدولة العراقية الأصل وإعادة صياغة الثقافة العراقية والمجتمع بشكل آخر مغاير فإن شمول المؤسسة العسكرية كان قد أتى كخطوة الشروع نحو تحقيق أهداف شاملة تبدأ بتغييب أدوات حفظ الأمن الداخلي من أجل بناء حالة الفوضى الخلاقة التي لم تكن تمت بصلة, لا للخَلْق ولا للخُلِق.
نعم لقد تعرض الجيش ومنتسبوه إلى ظلم, لكن الظلم الأعظم هو الذي تعرض له العراق, ولقد كان حريا أن لا تتأسس ثقافة (المظلومية العسكرية) لكي تكون نقيضا لثقافة المظلومية العراقية التي خلقها الإحتلال وتكون بالنتيجة متعارضة معها. ويوم يكون سهلا تفسير حالة المظلومية التي تعرض لها العسكر العراقيون على يد قوات الإحتلال فسيكون مستحيلا القبول بذلك التفسير لتبرير حالة الإنضمام إلى داعش وإعتبارها رد فعل طبيعي على فعل الظلم الذي سبقه.
إن تفسيرا تبريريا بهذا الإتجاه سيكون مقبولا أيضا باثر رجعي لكي يعطي المشروعية لكل حالة ردة فعل كانت نشأت بإتجاهات غير سليمة, وفي المقدمة منها العمالة لإيران على حساب قيم الوطنية التي, وإن لم يكن في قدرتها إنتاج التغيير سريعا, إلا أنها كانت ستمنع على الأقل الإنتقال من وضع كارثي إلى آخر أشد كارثية.