أيام -سود- تخيم على الاقتصاد العالمي

ناجح العبيدي
2016 / 6 / 27

يعيش الاقتصاد العالمي هذه الأيام مرحلة فاصلة وحرجة. فأصحاب القرار في الدول الصناعية الكبرى يحبسون أنفاسهم خوفا من تداعيات الاستفتاء التاريخي في بريطانيا. ومن أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه يحرص المسؤولون السياسيون والاقتصاديون على إرسال رسائل مطمئنة إلى الأسواق بأمل الحيلولة دون وقوع انهيارات جديدة يمكن أن تجر الاقتصاد العالمي إلى أزمة جديدة يصعب التكهن بنتائجها. فقد دخل يوم الجمعة الماضي التاريخ بصفته يوما أسود. ففور الإعلان عن نتيجة الاستفتاء القاضية بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي توالت الانهيارات في أسوق المال والأسهم والعملات والمواد الخام. وكان هناك نوع من الأمل بأن تكفي فترة اليومين الفاصلة بين إغلاق الأسواق مساء الجمعة وافتتاحها صباح الاثنين لإعادة الهدوء إلى الأسوق. ولكن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن. ففي مستهل تعاملات الأسبوع يوم الاثنين واصلت الاسواق تسجيل خسائر قوية الأمر الذي ينذر بأن أياما أخرى مرشحة لاكتساب صفة السواد.
ومن الملفت للنظر أن يومي الجمعة والاثنين تكتسي عادة أكثر من غيرها من أيام الاسبوع باللون الأسود. وهذا يعود إلى أن الجمعة تسبق العطلة الاسبوعية المؤلفة من يومين حيث تغلق البورصة أبوابها وتتوقف التعاملات. ويدفع هذا التوقف بعض المتعاملين لاتخاذ قرارات عاجلة ببيع ما لديهم من أسهم الأمر الذي يضغط على الأسعار ويفاقم الخسائر. وفي صباح الاثنين وتحت تأثير انتظار ساعات طويلة يفقد متعاملون آخرون أعصابهم ويُقدمون على بيع أصول مالية خوفا من استمرار التراجع في الأسعار . وبهذا تتوإلى الخسائر ضمن دوامة من الأفعال وردود الأفعال غير المدروسة. وكما يحدث في الطبيعة يُلاحظ ايضا في عالم المال أن الزلزال، والمقصود هنا نتيجة الاستفتاء البريطاني، تليه هزات ارتدادية.
ولعل ما يتعرض له الجنيه الاسترليني هو أوضح مؤشر على تداعيات هذه الهزات الارتدادية. فبعد أن تهاوت العملة البريطانية يوم الجمعة الماضي إلى مستويات قياسية، واصل الجنيه تسجيل الخسائر يوم الاثنين أيضا. وبهذا فقدت العملة البريطانية خلال الأيام القليلة الماضية نحو 12 % من قيمتها مقابل الدولار الأمريكي، مسجلة أدنى مستوى لها منذ أكثر من 30 عاما. ويأتي هذا التراجع على خلفية مراهنة المستثمرين على أن بنك انجلترا سيقوم عاجلا ام آجلا بتخفيض سعر الفائدة في محاولة لاحتواء صدمة الاستفتاء. صحيح أن محافظ المصرف المركزي البريطاني "مارك كارني" حاول طمأنة الأسواق وأكد استعداد المصرف لضخ سيولة إضافية تقدر بـ 250 مليار جنيه في الأسواق، إلا أن هذه التصريحات لم تكن كافية، كما يبدو، لتبديد قلق المستثمرين والمتعاملين. وإلى جانب الجنيه الاسترليني يواجه اليورو أيضا ضغوطا متزايدة أدت إلى تراجع سعر صرفه أمام العملات الأخرى. ويتوقع الكثير من الخبراء استمرار الهبوط في سعر صرف كل من الجنيه الاسترليني واليورو على المدى المتوسط أيضا.
أما الخسائر الأكبر، فكانت من نصيب أسواق الأسهم والسندات. فبعد الانهيار الكبير الذي مُنيت به بورصات لندن وفرانكفورت وول ستريت وطويكو وغيرها يوم الجمعة تحت تأثير صدمة الاستفتاء البريطاني، لم تفلح تصريحات المسؤولين في طمأنة المستثمرين الذي واصلوا سياسة التخلص من الأسهم والسندات. ودفع تهاوي الأسهم مسؤولي بورصة لندن مثلا إلى إجراء غير معتاد وهو إيقاف التعامل بأسهم بعض البنوك الكبري بعد أن تكبدت خسائر قاربت 20 % بعد ساعات فقط من افتتاح التعاملات صباح الاثنين. ومن الملفت للنظر أن الخسائر الكبيرة لم تقتصر على البورصات الأوروبية وإنما امتدت أيضا إلى بورصة وول ستريت في نيويورك حيث بلغت الخسائر التي منيت بها أسهم الشركات المدرجة ضمن "مؤشر ستاندر أند بورس 500 " في يوم الجمعة وحده قرابة 650 مليار دولار. أما إجمالي الخسائر في أهم البورصات العالمية في هذا اليوم فقد تجاوز حاجز 2,5 ترليون دولار، اي ما يقارب قيمة الناتج المحلي الاجمالي لبريطانيا في عام كامل. ولا يستبعد استمرار مسلسل الخسائر في الأيام القادمة أيضا.
بدورها لم تبقَ أسواق المواد الخام وفي مقدمتها النفط بمنأى عن تداعيات الزلزال البريطاني. فقد خيمت حالة الارتباك على أسواق النفط حيث تراجعت أسعار الذهب الاسود بنسبة تزيد عن 5 % ولتفقد بالتالي جزءً من المكاسب التي حققتها في الأسابيع الأخيرة. ويوجه هذا التراجع ضربة للآمال بتعافي السوق النفطية على المدى القصير على الأقل.
ومن المتوقع أن تستمر أجواء القلق والترقب والحيرة، لاسيما في الجزر البريطانية. ويعود ذلك أيضا إلى عدم الوضوح بشأن آلية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والفترة التي تتطلبها. ففي حين يطالب قادة الاتحاد الأوروبي بريطانيا بالإسراع بتقديم طلب الخروج وفق المادة 50 من اتفاقية لشبونة، رفض وزير الخزانة البريطاني "أوسبورن" ذلك قائلا بإن بريطانيا ستبدأ بتطبيق آلية الخروج عندما "تكون مستعدة لذلك" وعندما يكون لديها "تصورات واضحة حول الطريق اللاحقة". وهذا يعني أن الطلب الرسمي سيتأخر إلى ما بعد اختيار رئيس وزراء جديد لبريطانيا في شهر تشرين الأول/أكتوبر القادم. وبعدها ستبدأ مهلة السنتين المخصصة لتنفيذ إجراءات الخروج من الاتحاد الأوروبي. وكل ذلك يُنذر باستمرار حالة عدم اليقين الأمر الذي سيلقي بظلاله على أداء أسواق المال. وفي غضون ذلك يعقد قادة ما تبقى من الاتحاد الأوروبي العديد من الاجتماعات المصغرة والموسعة والقاءات الثنائية والمتعددة لبحث الخطوات التالية ، ولكن دون التوصل إلى خطة طريق واضحة يمكن أن تساهم في طمأنة الأسواق.
ولهذا يحذر الكثير من الخبراء من أن الاستفتاء البريطاني ينطوي على مخاطر كبيرة ستؤثر على أداء الاقتصاد العالمي برمته، بل ويقارن كثيرون بينه وبين إفلاس بنك ليمان الأمريكي والذي شكل في عام 2007 نقطة البداية المشؤومة لاندلاع أزمة مالية غير مسبوقة هزت أسس النظام الرأسمالي.
ويستند الخبراء في تحذيراتهم هذه إلى حقيقة أن الاقتصاد البريطاني هو خامس أكبر اقتصاد في العالم ويرتبط بشكل وثيق بالاقتصاد العالمي. وتجدر الإشارة هنا إلى الدور الكبير الذي يلعبه حي لندن المالي في التعاملات المالية العالمية وفي صفقات العملات الصعبة وخاصة فيما يتعلق باليورو. ويحيط بهذا الدور الآن نوع من الغموض بعد إعلان عدد من الشركات أنها بصدد مراجعة نشاطها في لندن واحتمال انتقال الجزء الأكبر من التعاملات باليورو إلى أسواق أخرى تقع داخل الاتحاد الأوروبي ومنها سوق فرانكفورت في ألمانيا. كما تأتي الاضطرابات والتقلبات الحادة على خلفية الاستفتاء البريطاني في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي تحديات كبيرة وفي مقدمتها ارتفاع المديونية وتباطؤ النمو وتناقص قدرة البنوك المركزية على المناورة. فأسعار الفائدة السائدة حاليا تتسم بمعدلات متدنية للغاية وتقارب الصفر في كثير من البلدان. وهذا يعني بأن البنوك المركزية لن تستطيع إجراء تخفيض آخر لمواجهة أي ركود اقتصادي محتمل. كما أدى انخفاض أسعار الفائدة إلى تراجع واضح في عائد السندات الحكومية التي تعتبر احد الضمانات الرئيسية للقطاع المصرفي. من جهة أخرى شهدت السنوات الماضية تراكما مستمرا في المديونية العامة للدول الأمر الذي يحد من إمكانيتها في تمويل برامج لتحفيز النمو الاقتصادي في حالة الركود. ويترافق ذلك مع تدهور واضح للأوضاع الاقتصادية لعدد من البلدان الناشئة ومنها البرازيل وروسيا والمملكة العربية السعودية التي تعاني بدرجات متفاوتة من تدني أسعر النفط. كما أن الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، تشهد هي الأخرى تباطؤا واضحا في النمو في السنوات الأخيرة.
والآن جاء الزلزال البريطاني لتصبح آفاق النمو حول العالم أكثر قتامة. ويخشى كثيرون الآن من أن نتيجة الاستفتاء البرطاني لن تكون بحسب تعبير الكثير من المسؤولين الأوربيين يوما أسود لأوروبا فقط ، وإنما أيضا للاقتصاد العالمي. وهكذا تجتمع عوامل كثيرة تُنذر بإندلاع أزمة عالمية جديدة قد لا تقل خطورة عن الأزمة المالية عام 2007 والتي قلبت العديد من المفاهيم في الاقتصاد الرأسمالي. وبطبيعة الحال فإن مثل هذه الأزمة ستتسبب بضحايا ومآسي كثيرة وستضع قدرة الحكومات في كبرى الدول الصناعية على التحرك أمام مفترق جديد.

د. ناجح العبيدي