تناسُخ الغباء السياسيّ

سامي عبد العال
2016 / 6 / 27

كشفت(الثورة المصرية!!) شيئاً مهماً. لو لم يفلح النظام السياسي إلاَّ في جعل النخب نسخاً مكررة لكان كافياً لمعرفة أثره في تاريخ الاستبداد. ثمة ملاحظة خلال عهد مبارك: أنَّ كلَّ من يعمل في المجال العام كان نسخةً مشوَّهة من غيره. من هذا المسؤول أو ذاك الأكبر منه منصباً. فكلامه، رؤيته للأشياء لهجته، عباراته، تفخيمه الفارغ....جميعها مبصوقَّة من أعلى إلى أسفل. سلسلة جهنمية كان بقمتها أقنوم الرئيس وعائلته ورجاله. ثم يتَّوحَّل بالدائرة الأدنى أقلُّ موظف لاحساً العتب(بمصطلح الأديب خيري شلبي). هكذا كانت ممارسات السياسة بين(لاحس وملحوس) في طريق لا ينتهي إلاَّ بقداسة السلطة وهيمنتها.
ولذلك مع مرور الأيام- بعد ثورة يناير- ازداد تجاهل القوى السياسية للواقع المصري بتنوعه وتعقيده وكوارثه. لأنهم لا يعرفون سوى السلسلة السابقة. حتى بعد أفول سلطة مبارك تكونت نفس السلسلة بأناس جدد. السؤال: كيف يفكر المصريون سياسياً؟ لماذا تضخمت المشكلات؟ هل خرج المصريون من نظام مبارك وهل خرج منهم؟!
لقد استمر تصور الأحزاب بأنَّ سقوط السلطة(النظام) ليس سوى خطوة وانتهت. كلُّ حزب شحذ كوادره لأخذ أماكنه بمقاعد النظام القديم. ونظراً لتحليل الفكرة لا حقاً، سأذكرها مقتضبة: الأحزاب السياسية واجهة برَّاقة ثورياً لتكوين" القطيع"... شواشه وشروده وأيقوناته. وكان هذا التكوين سبباً مباشراً في اجترار حالة الغباء من مرحلة إلى أخرى. بدءاً من التعديلات الدستورية وانتهاءً بجولة مرسي الرئاسية عقب ثورة يناير. الجولة التي كرست ثنائية المؤيد والمعارض إلى الآن وأنتجت التفضيلات السياسية.
حالة الغباء أصابت السياسيين. لأنَّها قرينة التاريخ الثقافي لتكوين المجتمعات العربية مع الأنظمة المستبدة. إنها تتويج لغباءات فرعية ومعاودة إنتاجها بطريقة إجمالية. وبخاصة أنَّ الإرادة العامة -بحكم دلالتها- خارج إمكانية السيطرة عليها. فإذا كانت القوانين والدساتير اعترافاً ضمنياً بموضوعية تلك الإرادة وتفلُتها من الهيمنة، فغباءٌ معتَّق امتطاء صهوتها بوسيلة التملك الحزبي أو السياسي أو الديني أو الطائفي.
حينذاك كان الفكر السياسي للأحزاب(ذات المرجعيات الليبرالية والدينية معاً) كارثة ما بعدها كارثة. لأنه كان فكراً عنيفاً وتجزيئياً. وإلحاحاً على الدفع بعبارات لزجه مثل التعايش وتداول السلطة وقبول الآخر إلاَّ أنَّها تكشف عدم فهم الإرادة العامة جماهيرياً. ولا كما تدل عليها وقائع الأحوال المعيشة.
كما أن وضع الدستور لاحقاً(عقب البرلمان والرئاسة) ضد منطق الأمور. محاولة طائشة كانت نتيجتها ولادة "رئاسة" بمفاهيم استبدادية. وإعطاء فرصة لتأكيد نوايا الشمولية والديكتاتورية والإقصاء. وهذا ما جرى بفترة مرسي كأول (رئيس منتخب!!). والأغرب أنَّ أحزاباً وقوى عابت ذلك على رئاسة الإخوان كانت تهدف فقط إلى تحسين موقعها من السلطة الحاكمة. ولم تهدف إلى وضع الطرف الثالث- أي الإرادة العامة- موضع الشفافية.
فالغباء السياسي يؤكد لدى (الجميع): المهم أن نحكم. نلون سياستنا كما نريد. نرسِّب قدرات الإرادة العامة لصالحنا. ونغفل أهمية ممارسة الحكم كما لو لم يكُّن موجوداً. فالحكم وإن جاء بوقْع تلك الإرادة فلا يتم(أو هكذا ينبغي) إلاَّ بظهورها جوهراً وعرضاً موضوعيةً. الإرادة العامة تحتفظ في بنيتها بالتناقض الموضوعي بين إمكانية الاستحواذ عليها وإمكانية أن تنفض عن كاهلها الاستحواذ في أي وقت!! وأي حاكم لا يعي فكرةً سياسيةً كهذه سيكون مصيره الوقوع أرضاً تحت الأحذية وإنْ طال الأمدُ.
اعتمدت الأحزاب مقولة: "لنا السلطة والآخرون إلى الجحيم". مع أنَّ الإرادة العامة غير قابلة للتجزئة. فأي قطاع جماهيري منها ولو كان ضئيلاً باستطاعته إحداث ارتباك عام. ولا يفوتنا أنَّ إطلاق شرارة الخامس والعشرين من يناير تم بإرهاصات ثورية كانت تافهة من منظور نظام مبارك. وسذاجة المقولة بلغت ذروتها عندما ترشح البعض لمنصب رئاسة الجمهورية، فلأنه حامل لفيروس الإقصاء(مادام سيعتلي السلطة)، نادي بضرورة وجود زعيم ملْهَم. أي البحث عن مُنقذ وبطل لم يشهده التاريخ المصري. على طريقة فتوة الحرافيش في ملحمة نجيب محفوظ. هذا" الفتوَّة" الذي سيحمي الحارة وإنْ كان مستبداً وقاتلاً!!
في حين أن رؤى المرشحين إجمالاً كانت حاضنة لأقزام الفكر والممارسة أفراداً وجماعات. وسرَّب النفيرُ الإعلامي للمتابعين-خاصة لدى التيارات الدينية- أنَّ اتجاهها هو المنقذ لمصر، وعلى كافة المستويات. ولذلك عندما تمكنت من الحكم لم تفعل شيئاً أكثر من إزكاء الصراع والتفتيت ولم تزد الأزمات إلا تعقيداً.
ليس الذكاء مُقابلاً للغباء السياسي. الدهاء هو ما يوضح معنى" السياسي" political استراتيجية وطاقةً ودلالة وتنظيماً. الفارق بينهما، أي بين الذكاء والدهاء كبيرٌ. فإذا كانت السياسة فن الممكن، فليس الذكاء سوى استعمال بديل ملائم على أحسن تقدير. وهو بديل يتلافى المشكلات الراهنة سواء أكانت في مسار السلطة أو تنظيمها الإداري أو منتجاتها المادية.
الذكاء في هذه الأحوال وفي سياق التعقيد نوع من الغباء الملون!! الذكاء اختيار بين بدائل ليس المختار منها بأسوأ ولا بأفضل من غيره إلاّ في التجريب وزحزحة المشكلات. ولعل هذا دفع حسنين هيكل للقول(أثناء فترة مرسي) بأنَّ عمل الرئيس قائمٌ على اختيار البديل الأفضل من بين بدائل وحلول معروضة لأية أزمة. لكن مهم الالتفات إلى تحليله في سياق ممارسة مرسي لمنصبه مع العلم بتدني أدائه السياسي بشتى جوانبه. فهيكل يقول بضرورة تمتع الرئيس في ظل هذا المستوى بالحد الأدنى من الذكاء.
أما الدهاء فهو استعمال بديل لم يكن متوقعاً وفوق هذا نجده ملائماً وزمنياً. أي: نجده رامياً بثقله الاستراتيجي نحو المستقبل. إنَّ السياسة دهاءٌ غريزي. فالذكاء أبنية صورية محتملة الأخطاء بخلاف الدهاء الذي يعد حركة غريزة كاشفة وحية ونابضة بالمجهول. والسياسي الداهية هو القادر على التحول والتنبؤ ومعاينة المصير قبل أنْ يحدث كأنه قد حدث. ذلك ما نسميه أحياناً بالحس السياسي. وعلى صعيد الساحة المصرية لا تتوفر هذه الصفات في أفراد أو تنظيمات أو جماعات: لعدم وجود فكر استراتيجي وقُوى لمواكبته من ناحية. ونتيجة لتراكم ثقافة القطيع من ناحية أخرى. لذلك سنجد مع الحل المطروح لأية مشكلة سياسية واجتماعية مئات المشكلات الأخرى!!
قد يقال تلك الصفات فردية. وبالتالي حتى لا ننزلق إلى تأليه الأشخاص يجب الإشارة إلى معالم الإرادة العامة. أُشير إليها بحسبانها إمكانيات مفتوحة تتميز بالدهاء الأصلي للحياة في عمومها. فالإرادة العامة التي تتجلى أوقات الثورات إنما تعتبر طاقة تشكيلية تسعى إلى ملامسة المصير والوجود في عمق الحياة.
وليس أكثر تأثيراً من صور الجماهير في ميادين مصر. إذ بدت متفجرة بالحيوية والتطلع نحو الأفق الحر. وتلك الطاقة ليست مجموعاً حسابياً لأفراد إنما هي مجموع فردي لكليات؛ أي العكس يستمد منها الفرد وجودَّه. فيبدو مُريداً كلياً كالحال في التصويت الانتخابي وفي ممارسة الحرية. فالصوت صوت فردي لكن الاختيار والمسؤولية والنتائج كلية بموجب كونها قوةً متزايدة بحجم المجتمع وتراثه ومؤسساته. حيث ستتجلى روح الشعب بعبارة هيجل.
أولاً: الإرادة العامة حقٌ. والحق من أقصر السبل داهيةٌ في عدم امتلاكه وعدم سماحه بذلك إلا لمن يستحق. ولن يستحق دون إرادة عامةٍ. لأنه عملٌ مكشوف أمام الجميع ومتاحٌ للجميع، فليس معلوماً أن يُعطى لفردٍ على حساب آخر. ونحن في الثقافة الشائعة نقول "لا يضيع حق وراءه مطالب". لا يضيع باعتباره في كنف إرادة عامةٍ. فهو يذهب في حال غيابه إلى قوة أعلى يثق فيها المُطالب تمام الثقة. وسيظل موضع تساؤل دائم تجاه مستحقيه، وما إذا كانوا هم أهله أم لاً؟
وهذا يفسر الغباء السياسي حينما تعاملت التيارات السياسية مع حقوق الإرادة العامة كنوع من المداهنة الثورية إلى أن ينتهي التهام السلطة. فقد كرر الخطاب السياسي الديني بذل الحقوق لأصحابها حينذاك. حقوق الشهداء في خطاب مشهور لمرسي، وحقوق المصابين في نفس الخطاب، وحقوق المتضررين عموماً من أحداث ثورة يناير. ثم تحولت عبارات الحق إلى "صكوك تعوض" تمنح بقرار رئاسي لمن يريد شريطةَ منحها بطقوس رئاسية في إطار استحقاق ثوري. وشريطة أن يحدد المانحُ دلالة الحق وإلى أين يصب حيث يجني ثماره بل يجني رمزيته كأنه قائد الثورة الأوحد!!. هكذا كان إلحاح مرسي في غير مناسبةٍ على أنَّ حقوق الشهداء في رقبته ليس أمام شعبه بل أمام الله. وظل يتاجر بتلك القضية لسرقة الحق العام. لأنه يتحدث باسمه مُلخصاً مصدره في قراراته.
في المقابل تبادلت المعارضة غباء السلطة بغباء مقابل على نفس الوتر الحساس. ففي خطابات المعارضة وبخاصة جبهة الإنقاذ حاول أعضاؤها الإشارة- بمناسبة وبدون مناسبة- إلى حقوق الشهداء وضرورة ردها لأصحابها. فقر في روع الجماهير تواطؤ ما بين الطرفين من واقع مباراة "بينج بونج" الحقوق. لا لكسب النقاط إنما لخسارة طرف ثالث هو الشعب، ولإضعاف قوة منطقه في الدفاع عن حقوقه. فهذا التبادل لضرب الكرة وردها على طاولة اللغة الإعلامية جعلها حقوقاً مائعة، وسلعة معروضة في الهواء الطلق. وأضحت رموز السلطة وجبهة الإنقاذ "باعة جائلين" لا يمتلكون سلعاً سوى حقوق الشهداء وصكوك تعويضهم. لنرجع في هذا إلى أقوال حمدين صباحي وعمرو موسى!!
ثانياً: الإرادة العامة حيادية. بمعنى أنها غير منحازة ويستحيل انحيازها. وحيادها ليس شفافية سلبية بل تدل على قوة جذب تحت تصرف المجموع. تحت تصرف الواضع العام بما لا يستبعد جانباً على حساب غيره. ودهاء الإرادة العامة أنَّها تتعين في مؤسسات، فالمؤسسة حقيقة شائعة التأثير والحق والامتلاك كما يشار عادة بحسبانها أملاكاً عامة. ويبدو غباءً شديداً تلويث تلك الحيادية بزي سياسي معين. وفي هذا لم يكد مرسي يعتلي كرسي السلطة حتى ظن أنه بديلاً عن الإرادة العامة. وحرص على إلباس القوانين والمؤسسات زي جماعته الدينية. وحرص على إقامة ديوان المظالم تيمناً بتنظيم إداري إسلامي خلال عصر العباسيين والأمويين. وكان هذا التنظيم، ويا له من غباء استراتيجي، منقول عن الفرس والرومان. ووصل الأمر إلى خلق مؤسسات موازية لمؤسسات الدولة، فأنشأ نظامُ حكمهِ شبكةً تحتيةً من العلاقات الدولية والإقليمية والمحلية لمحاصرة الدولة وهو رئيسها.
فكان هذا الوضع الساخر: رئيس دولة يتآمر على مؤسساته بينما لا يستطيع تأدية عمله دونها. فقد مرسي (مبكراً) حساسية المنصب بعجزه عن كشف الأخطاء والمشكلات. وكان يتخذ القرارات بهواجس مؤامرة لم يقل ذات مرة حقيقتها ولا يدري كيف يعبر عنها ولا كيف يواجهها إلاَّ بتهديد الشعب كل الشعب. انطوى الأمرُ على جانب ضاحك: فلو لطمك أحدُهم على خدك قاصداً وجهك أنت، فهل تضرب شخصاً آخر أو هل تستدير لضرب جارك بخلاف الفاعل. صنع مرسي ذات الصنيع. ففي كل مؤامرة يراها كان يسدد اللطمات إلى الشعب!!
وإذا كان الشعبُ قد أجمع على فساد نظام مبارك بهتافه "الشعب يريد إسقاط النظام"، فلماذا لم يحاول مرسي تدارك الفساد؟! الحقيقة لم يفعل لا لأنه غير عارف به بل لأنه أراد على الأقل ضمنياً هذا الميراث بعينه. فميراث الفساد كان شرطاً إخوانياً لمراوغة الإرادة العامة والرمي تجاه أهدافهم الخاصة. والأقرب إلى الصحة أن حكم مرسي ما كان سيسير خطوة واحدة لولا دراماً الفساد التي ألفتها جماعةُ الرئيس. وظلت تشدو بها في كل المناسبات. هو فساد موجود حقاً لكن التوظيف الدرامي الإخواني لها شيء مغاير.
لقد التقط مؤيدوه دلالة الخيط الدرامي. فكلما أرادوا محاربة خصومهم السياسيين رفعوا شعارات تطهير الوزارات والمؤسسات من الفساد. مرة تطهير القضاء وأخرى تطهير الإعلام وغيرهما تطهير الشرطة وتطهير التعليم. وبالتالي ليست إشكالية الإرادة العامة في المناداة بإنهاء الفساد بل في التلاعب السياسي(الغبي) بمفاهيم الدولة(الديمقراطية- الحرية- المؤسسة- الرأي العام).
أصبحت المفاهيم عصا غليظة لا تقل في عنفها عن حمل السلاح واغتيال المختلفين في التوجه. ولاسيما إذا عرفنا استباق المفاهيم لقرارات تتخذها الرئاسة باتجاه إرهاب المنتقدين المفترضين. استعملت التيارات الدينية المفاهيم السياسية كوسيلة ردع من العيار الثقيل لتستحضر الغلبة وفرض السلطة. على طريقة استحضار الجان والعفاريت. وقادها تصور من جنس المفهوم بإمكانية تمرير المفهوم (الخادع مرحلياً) ليخطف أهدافاً عامة. والفكرة أنه على أساس الترديد المتواصل لشعارات الثورة حول الحرية والكرامة قد يقع الإيهام بتحققها. وفي المقابل حاول الخصوم السياسيون ركوب الموجة نفسها في التظاهرات الفرعية منادين بالحرية ومنددين بالاستبداد الديني. ولكن لو هؤلاء في مقاعد السلطة ما كانوا ليقدموا جديداً.
ثالثاً: الإرادة العامة خطيرة. والخطورة بمعنى الانكشاف والتجلي والرمي زمنياً باتجاه البدائل غير المتوقعة. هل توقع مبارك يومناً هذا السيناريو لحركة الجماهير. هذا الشكل المبهر ولو كان في أيام معدودة؟! تمثل إحدى العبارات الدينية معنى خطورة تلك الإرادة: " من تولى أمراً من أمور المسلمين فقد ذبح بغير سكين". ففي كل الأحوال بخلاف شعارتية الجماعات الإسلامية لا يستطيع (ولي الأمر) تحقيق العدالة. وأثبتت الفترة الرئاسية للإخوان ليس فقط العجز عن الوفاء بالوعود بل الفشل في فهم معنى الدولة كذلك!!
ومن زاوية القوى الليبرالية والمدنية كانت المشكلةُ في هذه النقطة بالتحديد. كأنَّ الدولة مثلت لاهوتاً فوقياً لا مناص دون تكريسه. وحقيقي أهمية، بل حتمية، فهم واعٍ للدولة والإرادة العامة، لكن تركيز الليبراليين على تبديل أشخاص دون سواهم صرف الأنظار عن أهمية ترسيخ مبادئ مختلفة وأفكار جديدة بقطع النظر عن الأشخاص. كان الليبراليون لاهوتيين في دفعهم بالرؤى الحدية. ولم يقلُّوا تعصُباً عن غيرهم.
نسى الليبراليون أنَّهم غارقون في نفس مشكلات التيار الديني بكل التوائه وقضاياه الآسنة. غير أنهم كليبراليين زخرفوا الوجوه مرةً بمصطلحات سياسية براقة وأخرى بأشكال مراوغة للأمثلة المتناثرة شرقاً وغرباً. فمن أين يأتون بعقليات مماثلة لتجارب الدول المتقدمة. وأكبر خطأ وقعوا فيه هذا الخطاب الإعلامي المُلِّح على قيم تبدو روَّاغة وغير قابلة للتطبيق(كالحرية- التسامح- التنوع- الاختلاف). وليس المقصود من وراءها سوى تسديد الوخزات إلى الخصم.
وقد كانت برامج(التوك شو)talk show بمثابة بؤر لتكرار كلام في كلام وطحن في طحن دون خيوط ناظمة. وعلى أكده الخطاب الليبرالي أحياناً من أبعاد نقدية، فقد وقع في ازدواجية الكلام والفعل. لأنه كلام لم يستطع اختراق الواقع المأزوم. لقد(شخصّن) المشكلات في أفراد كخصوم خياليين أو تاريخيين بينما الحقائق هي الفيصل لا التوهُم. فلا ينبغي لمعالجتها تجاهل سياقها الاجتماعي والسياسي لقاء تجسيد جسم عضوي يتلقى اللوم. هذا وبدت أفكاره بقايا ديمقراطيات ذات أصول إنسانية واجتماعية في ثقافتها الأوربية. ويصعب مقارنتها بالمجتمع المصري أو العربي.
رابعاً: الإرادة العامة دائرة نقدية. فلن يسلم من النقد حاكمٌ يعتقد بوجود شرعية مطلقة لكونه تجاوز الانتخابات الرئاسية على طريقة مرسي. لعله الرئيس الوحيد تاريخياً الذي ردد في أحد خطاباته لفظ الشرعية قرابة مئة مرة، في محاولة منه لتجاوز الأزمات. لكن بنفس منطقه الديني هل يجوز لمؤمن أن يعبد الله مرةً واحدةً وإلى الأبد؟ هل تعني الآية "وأعبد ربك حتى يأتيك اليقين" دلالة اليقين الدنيوي واليقين الأخروي؟ طبعاً الإجابة بالنفي. بدليل خرجت الجماهير مستنكفة (أصحاب عصر الليمون وحزب الكنبة) للاختيار بين أقل الضررين، بين مرسي وأحمد شفيق ولم ينزلوا من أجل اليقين!!
إذن الشرعية ليست فيما قالته الجماهير من تأييد بالكاد إنما فيما لم تقُله ولم تصوت عليه من مخاوف وتحذيرات كان ينبغي وضعها في الحسبان. والشرعية نقدياً ترتهن بفاعلية وأصوات من لم يصوت لمرسي أو هكذا كان يجب على الرئاسة فهم شرعيتها في أي وقت من الأوقات. وهي -لو أخذت بهذا المعطي- شرعية إدارة الخيال السياسي للمعارضين وملء المكانة الرمزية والدلالية لهذا المنصب.
لو نظرنا إلى مستوى الثقافة السياسية للأفراد لوجدناها قيد التحول والعمق. فالفرد العادي قوي بعمقه السياسي، لأنه قوي عمقه الحياتي. والاثنان لا ينفصلان. لأنَّ حركته التي لعبت عليها شتى التيارات متيقظة لانحراف المواقف. ورغم أخطاء الإعلام آنذاك بمجمل اتجاهاته إلاَّ أنه كشف عيوب الجميع أمام الجميع. عرى الخطابات والأفكار يومياً. وأتاح أمام القطاع العريض من الجماهير كل ما يدقق المواقف والرؤى.
والشخصية المصرية بتكوينها الثقافي قد لا ترضى بديلاً عن تيقظ الوعي. فهذا الوعي يردد "المصري لا يضحك عليه أحدٌ"، "المصري فهلوي ويعرف الحيل والألاعيب". ربط الوعي الهوية التاريخية والمتداول من أفكار. فالهوية بهذا المعنى معيارٌ لمعرفة الصح من الخطأ في الآراء. وشكلت أرضية لتحديد ما إذا كان الكلام ذا رسالة لإرادته العامة أم لا؟!
إن دائرة الإرادة العامة استفهامية، ولا يتسنى لفصيل سياسي حجب الأسئلة المثارة خلالها. فالأخيرة تسير بوقود تلك الإرادة على المساءلة. وكثيراً ما يقال مصطلح "مراقبة الشعب" لحكامه. وهذا صحيح إلى حدٍّ بعيد. فالسلطة وممارستها تقعان في العراء. والغبي من يتلاعب بها في سراديب وأقبية تحت الأرض كحال السلفيين والإخوان. فإذا صيغت رؤية داخل هذه المواقع، فكيف ستكون نتائجها؟ التدبير والتخطيط سريّان غير أن النتائج عامة. وعلية لن يتجنب الحاكم ردود الأفعال مهما كانت محدودة.
خامساً: الإرادة العامة قانون إنساني. فما يقر لدى الناس من مصالح مشتركة، وقيم عليا يمثل دلالة القوانين. وهذا ما يسمى بالعرف أو الأخلاقيات الكلية. لكن هناك جانباً غائباً لتلك المسألة ظهر مع ثورة يناير ألفين وأحد عشر: أنَّ آفاق الحراك الشعبي تعتبر جزءاً من هيكل الفعل الثوري ومن خيال الإرادة العامة. فلم يفهم الناس خطب الرئيس مرسى لا لسبب إلاَّ لأن الرئيس غير مواكب لهذا الخيال.
ونفس الموقف إزاء عجائز الليبرالية. فالأول نشأ ونُحت من هيكل جماعة شمطاء وشائخة في أفكارها وتجاوزها الواقع. أما الآخرون فيحتاجون إلى طاقم" أسنان ديمقراطي" لهضم أفكار الشباب وتمثلها طازجة من الشارع. وعليهم لو أرادوا اتساقاً مع الليبرالية ترك ذاكرتهم جانباً وتجديد خلفياتهم الفكرية.
قانون الإرادة العامة يتجسد في الحرية. وهي لا تُعلّم في أقفاص القرود لكونها نبض الحياة وأصالة الكائن السياسي. لم يعد مقبولاً تقديم الديمقراطية إلى الشعب كأنه مجموعة تلاميذ في حضانة دينية أو علمانية أو ليبرالية أو وطنية. لأن أثر الفعل الثوري لن يضيع هباء، فبإمكانه أن يشتعل في أية لحظة.