محمد شكري نحو بناء مقاربة نقدية جديدة

حسن الزهراوي
2016 / 6 / 26

محمد شكري نحو بناء مقاربة نقدية جديدة


محمد شكري ابن من أبناء المغرب المنسي، ذلك القادمُ من تخوم الهامش، استطاع ببراعته ودهائه أن يحقق شُهرة أدبية عالميّة بكتاباته التي ترجمت إلى الكثير من اللغات الحيّة، ويعتبر بحقّ محطّة من المحطات الأدبية البارزة التي بصمت ووسمت تاريخ الأدب المغربي الحديث، ورائدا من رواد أدب الهامش بلا منازع (La littérature marginal).
لقد جرت العادة أن يصنّف دعاة الأدب النظيف "الطاهر" المتن الروائي والمنتج الابداعي لمحمد شكري في الأدب "الفضائحي" والبعض الآخر صنّفه في أدب "الوقاحة والعري والسخافة"، والحال أن الغوص والتعمّق في كنهِ وباطن ما كتبه شكري، واسكناه وسبر أغوار نصوصه وتفكيكها على المحك بعين نقدية موضوعية بعيدا عن الأطر الثقافية ومقولاتها وقوالبها المغلقة، ومنطق الرقابة الأخلاقية سيجدهُ أدبا مَوسُوما بالجُرأة والتمرّد والرفض والاحتجاج، إن محمد شكري لم يكتب الا ّعن العُهْر السياسي والقهر الاجتماعي، ولم يكن في الحقيقة إلا ناطقا باسم البؤساءِ والفقراءِ والمنبوذينَ والمُسْتغَــلّين وماسحي الأحذية في الشوارع والمياومين والمطحونين طبقيا، إنه لم يكن يتحدث الا عن آلام وآمال وعذابات أبناء الهامش، لقد حاول شكري أن يُخَلْخِلَ ويساءل هذا المجتمع وبنياته الهشّة، بأسلوب كافكوي (نسبة الى كافكا) عبثي ساخر من خلال مُنتجه الروائي ومجموعاته القصصية؛ "السوق الداخلي" و"غواية الشحرور الأبيض" و"وجوه" و"الخيمة" وما كتبه عن عزلة طنجة وسيرته الذاتية " الخبز الحافي" "الشطار"..الخ بجرأة وشجاعة رائدة لم يسبقه إليها أحد في فرادتها المتميزة وهو يحفر في ذاكرة طفولته، وتجربته الذاتية القاسية حسب الناقد محمد برادة وهو يقدم له "زمن الأخطاء".
إن الأدب باعتباره "وصف رمزي" للحياة ونبش في المعيش واليومي، هو في عمقه تمـــــرّد عن الأنسقة الناجزة، ــ وما الأدب إلا تمرّد وعصيان وخروج عن المؤسسة ـ كمحاولة لتجاوز الممكن ، وتجاوز للبنى الفكرية والاجتماعية الجاهزة، وهذا ينطلي وينسحبُ على كل الأشكال والصيغ والفنون التعبيرية التي عرفها وابتكرها الانسانُ منذ أقدم العصور ومنذ أن عرف الكتابة؛ من فلسفةٍ وشعٍر وملاحمَ وروايةٍ ونحتٍ ورسمٍ ورقصٍ وكاركاتور ..الخ
إن الأدب "الشوكروي" ـ إن جازت هذه النسبة ـ هو أدب شجاعة واعتراف بامتياز، بحيث اعتبر الكثير من المهتمين والنقاد سيرته "الخبز الحافي" من أشهر الاعترافات في العالم، فما كتبه "شكري" يعكس المستوى الاجتماعي، وذمَامَة الواقع للطبقات المتصدعة، ويرصد بشكلٍ أمينٍ "تركيبة الهامش" وقل إن شئت "هامش الهامش" وتفاصيله وانبناءه، كمهمّش، منسي، مسحوق، مهدور، يحترق ويتوجّع، وما فائدة الأدب إن لم يعانق الهمَّ الإنساني وأوجاع الرّثين في لياليهم الباردة الشقية بكل جرأة وعمق، ويوصل بشكل مسموع ويفضح ويعري بصوت مجهور ما يخاف المنبوذون قوله.. ان الحديث عن شكري وما كتبه من آثار وأعمال ابداعية يجعلنا نعيد مع بور ريكور سؤال العلاقة بين "الهوية السردية" و"هوية الواقع" !
إن أصحاب نظرية "الأدب الطاهر" لم يفهموا جوهرية الأدب وماهيتة، فهم دعاة سطحية لا أقل ولا أكثر، وغاب عنهم أن جمالية وحقيقة الأدب تمكن في تمرده ورفضه للأنسقة القائمة من الأوضاع، في كشفه وتعريته للطابوهات وتكسير قوالب الكتابة ونمطيتها المألوفة وتجديدها، في هتكه ولا مهادنته للمألوف وكتابة المألوف بطريقة غير مألوفة وكتابة ماهو غير مألوف بطريقة مألوفة هذا هو الابداع والنص العميق كما يقول اميل سيوان، في مقابل أدب المؤسسة "العاصمي" الذي تسمح به السلطة وما يخدم توجهاتها وخياراتها الأيدولوجية ويكرس نفس القيم ونفس النسق الذي تريده !
إنّ المتن الروائي الذي كتبه محمد شكري هو عن تفاهة الحكام العرب، وحقيقة الاستعمار، وخزي البلاطات، والفوارق الاجتماعية الطبقية الصادمة. فقد باع الرجل جسده من أجل لقمة، وقلّب المزابل ومطارح النفايات من أجل كسرة خبز، تلك ــ الأسطورة ــ المفقودة التي لم يوفرها له المجتمع البئيس ولا بأس أن يأكل الجيفة حينما تُغيَّبُ العدالة .
إن ما دونه محمد شكري هي عن التناقضات الحقيقية الصارخة التي تسكننا كمجتمع "سكيزفريني" فصامي "سيكوباتي" يجيد ازدواجية المعايير، ولغة الأقنعة، والنفاق الاجتماعي المستتِر تحت عباءة الدين الذي لا نستطيع أن نعترف به حتى مع أنفسنا.
آه يا شكري لم تنتهِ مأساة الخبز عندنا بعدك.. آه يا شكري وأمّك تقول لك " اسكت يا محمد سنهاجر الى طنجة فهناك خبز كثير"
آه يا شكري إن أطفال انفكو المهمشين بعدك بين النّجود والسهول هناك في مغربنا المنسي لازالت مشكلتهم مع الخبز والبرد قائمة، في افريقيا وفي غير افريقيا ، في كل الدول التي تعيش مآسي إنسانية لا زال الأطفال في حاجة الى كسرة خبز حافية، ونحن في الألفية الثالثة، زمن البيوتيقا والتكنولوجيا زمن دخل فيه العالم الرأسمالي النيوبيرالي المتوحش مرحلة تاريخية أسماها "بالاستمتاع الحضاري" ومع ذلك لا زالت مشكلة الخبز قائمة في باقي المعمور ..
ان شكري لم يكن يبحث إلا عن الكينونة المنسية، إنه يحكي بعيدا عن المساحيق اللغوية (اللغة الشبقية كما يسميها الناقد الفرنسي "لولان بارت) عن المجانين والمعتوهين "شخصية ميمون في السوق الداخلي " وأوجاع التلاميذ حينما يتم تكديسهم كعلب السردين الرديء في الخيريات، ودور الطلبة، وذلك ما أثاره حينما تحدث عن تجربته كتلميذ في العرائش، ولم يكن يومها يجد حتى المرآة ليحلق ذقنه .. كان يكتفي بإحضار "طست" من الماء ليرى فيه وجهه ليباشر عملية الحلق.. إنه يحكي عن مرارة المنبوذين المنسِيِّين الذين يتوسّدون "الكارطون" والخِرَق الممزّقة في الشوارع وقد حدث أن توسّده شكري مع الرثّين مرارا حينما كان تلميذا فقيرا في السلك الثانوي بالعرائش.. إن الشحرور الأبيض لم يكن يؤرخ - والعمل الإبداعي هو وثيقة تاريخية تبقى شاهدة على عصر المبدع / الكاتب حسب المنهج النقدي التاريخي الذي تبلور مع سانت بورف وتين - في حقيقة الأمر بإبداعه الساخر الا لفترة عصيبة عرفها ريفنا الجريح، حينما اضطربت أحوال الناس الاقتصادية والاجتماعية، وتوالت الأزمات وسنوات الجفاف والقحط (1925- 1930-1933- 1934-1941-1945 )، ممّا اضطر الكثير من أبناءِ الريف إلى الهجرة نحو الشمال والغرب بحثا عن لقمة عيش آمنة، يروي شكري في شهادة له عن هذه الهجرة فيقول: "أنا ابن هجرة المجاعة الريفية التي حدثت في بداية الأربعينيات، الذين هاجروا هربا من الجفاف القاتل .. لم يكن أحد من أسرتي يتكلم الدارجة المغربية، عندما غادرنا قريتنا في بني شكير، لغتنا الوحيدة كانت هي الريفية داخل كوخنا وخارجه، عندما بلغنا طنجة كان عمري سبع سنوات، كلّما حاولت أن أسرق لحظة لعب مع أطفال الحيّ الذي سكنا فيه كانوا يطاردونني صارخين : "امش يا الريفي" .."امش يا ولد الجوع". طبعا كان من السهولة بمكان أن يجد مكانا له وسط المهمشين والجياع من أبناء القاع في أحياء طنجة الفقيرة. إن النص الشوكروي يسائل ضمنيا التهجير القسري الذي تعرض له الريفيين الى الجزائر للعمل هناك مع المعمّر الفرنسي نتيجة سياسة الإصلاح الزراعية التي نهجها في الجزائر، انه يثير الوجه القبيح البشع للمستعمر الاسباني الذي لم يكن يخلق فرص الشغل، بقدر ما كان يكتفي فقط باستغلال خيرات المجال واستنزافها، وجرد الريفيين من أراضيهم والحرفيين والصناع البسطاء من أدواتهم البسيطة حتى صاروا لا يملكون إلا قوة أبدانهم التي يبيعونها للمعمّر، إنه "المغرب المجهول" كما سماه الكاتب الفرنسي اكوست موليراس، رواية عن محمد بن الطيب الذي يعد من الكتب والمؤلفات الأولى التي تناولت الريف انتروبولوجيا وجغرافيا ؛ عادات الريفيين وقيمهم وأخلاقهم وطبائعهم.. الخ وقس على ذلك باقي مناطق المغرب وما عانته من ويلات الاستعمار من تجويع وتشريد وقمع واستغلال وعسف واعتقال.
إن ما كتبه الروائي محمد شكري هو عن تسلط الآباء وغيابهم (الأب الغائب). في ثنايا نصوصه نجده يصرح بل ويجهر بدون مواربة ودون حرج كرهه لأبيه المتسلط القاسي ورغبته في قتله طعنا بالسكين، والتبول على قبره بعد مماته، ذلك الأب اللامسؤول الذي يعنف أمه بكلّ قسوة نهارا ويصالحها في الفراش ليلا بعبارته، ذلك الأب الجاف الذي قتل ابنه الأصغر لأنه كان يصرخ من ألم الجوع يريد قطعة خبز.. ولعل ما كتبه شكري عن الأب المتسلط في سيرته الاعترافية استثنائي في الادب العربي والمغربي كله اللهم اذا استثنينا ما كتبه احمد أمين في سيرته والطاهر بن جلدون عن "تيمة" تسلط الأب.
أمّا على مستوى الفضاءات والأمكنة التي يتم وصفها لم يكن يحتفي إلا بالأمكنة الهامشية، بفضاء الشوارع الخلفية والقبور والاماكن المظلمة، الأسواق الشعبية والحانات أماكن الانحدار والشقاء التي ترزح تحت الزمن الليلي المعتم، فشكري يعتبر نفسه كاتبا ليليا بامتياز، وهو يسهم بذلك في اصباغ المشروعية على انتصاره للهامش الاجتماعي، الشيء الذي مكنه من تحقيق مركزيته الابداعية. لقد كان شكري رفيق الهامش، وظل وفيا للطبقات السفلى لقيمها واحتراقها.
إن أدب شكري لمْ يكنْ سوى "أدب الجراحات والاختلاف والاعتراف والوجع، إنه الوجع الذي يصبح جميلا حينما يصير أدبا على حدّ قول الناقد سيوران، فمهْمَا حاول الماضويون الرجعيون الأصوليون تشويه ومسخ صورته، والتهجم عليه بشكل هستيري ـ مرضي سيظلّ الأقرب إلى وجدانيات المسحوقين من فتاويهم المارقة الفوق ــ تاريخية المفارقة للواقع، وستظل الطبقات الشعبية عندنا تحتفي و تلتهم "الخبز الحافي" / السيرة الذاتية، ولو من وراء جدار ولذلك لا نستغرب أن تتعرض كتاباته لكل هذا التضييق والمطاردة والتعتيم والتشويه والتركيز على نص الخبز الحافي ـ الذي قال عنه شكري نفسه ــ "إنه النص الذي قتلني" "ونص ملعون" الذي جاء حافيا في لغته وكشفه للمستور والمسكوت عنه واللامفكر فيه، بلغته الانتهاكية الجسورة العنيفة في تصوير المشاهد والاحداث بعيدا عن التعابير الرومانسية الأنيقة المهادنة، فهو لا يعرف كما يقول أن يكتب عن حليب العصافير والذهب.. الخ
صورة المرأة في زمن الأخطاء:
ان الحَفر في نصُوص محمد شكري بلغته المُسْتفصحة المُسْتفضحة كما يسميها أبو حيان التوحيدي يمكن أن نصوغ من خلالها وعبرها صورة عن المجتمع – والأدب ما هو الا صورة وتعبير عن المجتمع حسب مقاربة المنهج النقدي الاجتماعي الذي تبلورت بداياته مع مادام دوستال وجورج لوكاتش وكولدمان ..– وكل ما يموج فيه من أعطاب نفسّية واختلالات في النسق ، ان شكري من خلال كتاباته ولاسيما "زمن الأخطاء" يقدم ويرسم صورة عن المرأة في مجتمع ذكوري بطريقي متأخر تحكمه العادات والكثير من العاهات والتقاليد، يقهر المرأة ولا يرى فيها الا جسدا وأداة للولادة والانجاب وآلة قابعة في المطبخ، انها لا تحضر الا حضورا شاحبا باهتا، تحضر كجسد عاري تابعة للرجل في نزواته ومغامراته الجنسية الليلية، انها تحضر كشيء لا كذات فاعلة واعية منتجة !! انه يساءل البنيات والذهنيات الثقافية لمغرب ما بعد الاستقلال وتهميش المجتمع للمرأة وحرمانها من أبسط وأقدس حقوقها واضطهادها وتعنيفها، تحضر المرأة كزوجة معنفة مقهورة مغبونة لا قرار لها ولا اختيار إن هي أرادت أن تقرر أو تختار، انها وضعية أغلب النساء قبل وبعد الاستقلال.. تحضر الانثى في ثنايا كتابات شكري كأم أمية تؤمن بالأسطورة والخُرافة وبمس الجن والسحر وعاجزة عن تقديم إجابات تربوية شافية لطفلها الصغير وهو يسألها أسئلته الوجودية "الانطلوجية " الاستكشافية الطفولية البريئة وهو لم يزل غض طري يريد أن يفهم ولا شيء غير الفهم (شكري حينما سأل أمه عن الموت، ومصير أخيه الأصغر بعد دفنه مثلا).. أما المرأة التي كان يحلم بها شكري فشيء آخر، كان يريدها أن تكون هي كلّ النّساء وليست كلّ النّساء هي، إنْ وضعها في كفة وهنّ في كفّة أخرى مقابلة مالت كفة المرأة والزوجة التي يريدها، انها الأنثى التي يستطيع تمييزها وتمييز وجهها الشفّاف البلوري حتى ولو كانت بين الآلاف من الوجوه، إن نظرته الحالمة للمرأة كان فيها الشيء الكثير من الطوباوية ولعله السبب الذي جعل شكري لم يتزوج .. وغيرها وغيرها من المواضيع التي يمكن مقاربتها وتناولها وطَرْقُها من خلال أعمال شكري الأدبية ولربما عدنا الى بعضها في كتابات قادمة.
لقد كان شكري رائدا من رواد أدب الهامش بلا منازع كما أومأنا الى ذلك سابقا رغم كل التضييق والحصار التي تعرضت له كتاباته الإبداعية، ظل وفيا لطبقات القاع المطحونة وللرثين المشردين في المجتمع ناطقا باسمهم، معانقا لهمومهم وأحلامهم الصغيرة، محتفيا بأماكن الشقاء والانحدار الاجتماعي، ساخطا رافضا للنسق، احتج على واقعه الموبوء المتوعك بوجع الحرف، ووهج السؤال وحرقة الكتابة، والوجع يصير جميلا حينما يصبح أدبا كما اقتبسنا لإميل سيوران، ويكفي شكري فخرا أنه كان شكري .