هوامش الثورة: مُفارقة النظام والفوضى

سامي عبد العال
2016 / 6 / 25

"آفة حارتنا النسيان"... هكذا تكلّم نجيب محفوظ. هذا الخبير الأركيولوجي في روح الشعب المصري. إذ لا يشتغل خياله الأدبي على مظاهر الحياة. لكنه يطوف ليلاً مع غسق الوعي نحو القوانين التي تهيمن على إنتاج الثقافة. فالنسيانُ يبتلع المصريين عادةً بمجرد مُرور الأحداث. "يا عم كل الناس بتنسى"..." إنسَ يا عمرو.." كما جاء في أحد الإعلانات للتخلي عن الواقع. تلك لغة الشارع لمداواة الجروح مع بعض النكات والسخرية!!
لكن انطلاقاً من(ذاكرة الثورة) بين قوسين، أرصُد مفارقةً شارحةً لما حدث: مفارقة النظام والفوضى. الشروح حين تتقاطع مع الفلاش باكflash back وسيلة كتابة لما هو مخبوء. وفك الغامض أمام الرؤية الأولية. تعليقات تفتح طريقاً لإعادة النظر. لإعادة الاعتبار لأصداء بعيدة مازالت تأتي وتروح.
لأننا نحتاج معرفة ماذا جرى. ولن يكون هذا آتياً بتوثيق إخباري كحال الفضائيات والمواقع الإلكترونية. لكن بواسطة هوامش توجد في غير مكان من الأحداث آنذاك. ولا يعني الهامش مركزية المتن بالضرورة. فالهامش له دلالة الانتقال والتموقُّع في أي فضاء كان. حتى في قلب الموضوع، قلب المتون إنْ وجدت. ونظراً لأنَّ (الثورة المصرية) كانت مسرحاً لكافة القوى- على الأقل خلال بواكيرها- فالأهم: كيف دار الصراعُ بينها؟! وماذا قدمت في حمأة الأفعال اليومية؟!
مع حالة الاختلال(نتيجة ضعف السلطة) أبان الخامس والعشرين من يناير حتى الحادي عشر من فبراير ألفين وأحد عشر جاءت فعاليات الشارع موحَدَّةً بدرجةٍ ما. أُسمي هذا الطرف الأول من المفارقة paradox: وحدة الفوضى(جمع النقيضين بخلاف المعتاد). آنذاك رسمت مؤسساتُ الحكم دوائر للفوضى كجزءٍ من معالجة الأزمة وسيولتها. فقابلها الجمهور بنظام لعلاقاتٍ تظاهرية في الميادين والنقاش. بدا دهاءُ المتظاهرين فاعلاً. بهذا الوقت المبكر اختفى تناحرُ الأيديولوجيات والمذاهب والجماعات. فغدا المشهدُ جارياً تجاه إسقاط السلطة المهيمنة. ونقلت المقولاتُ تماسك الرسالة والخطاب: (عيش، حرية، عدالة، كرامة إنسانية). ثمّ نفى الهتافُ المباشر تناقضاً بين الفوضى والتنظيم تبعاً للتحرك(الواعي). واقتراب مؤشرات ترنُح السلطة القائمة.
بدت الأوضاعُ متوقفةً إلاَّ من انتفاضات لاستعادة طاقة الحياة. استلهم المتظاهرون مساراتهم وعواطفهم تلقائياً. كأنَّ الدهاءَ الحركي للجموع فُرِّغ آنياً داخل اللغة والفعل العام. وباتت منظورةً تلك القدرة على مقارعة "استبداد الحُكم" بإحداث الإرباك في تحصيناته الأمنية. أداتُها الناجعة تمثلت في مفاجئات التجمُع والحشد والتكتيك الحركي. حين قال مبارك أنا أو الفوضى انتظم المتظاهرون في أشكال خلاَّقة. وتم ابطال أية فوضى مقننة. فكان التوحُد الجماهيري مُجمعاً للفوضى والشواش chaos. والنتيجة: تحجيم الاعمال الأمنية. وإفشال الاحتواء السياسي. وفضح أي تواطؤ حاوله نظام مبارك لترقيعَ صورته.
وتفسيراً لهذا البُعد من المفارقة:
1- قيل إنَّ الفاعلين(خاصةً فئة الشباب) أصحاب ثقافة معاصرة. وأنهم في تلك اللحظة يعيرون اهتماماً لمواكبة صور الديمقراطية في العالم الراهن.
2- حرص المتظاهرين على الشكل السلمي المتحضر للإعداد والهتاف والفنون الإعلانية الثورية. وكأنَّ ثمة قوة دافعةً نحو ترجمة الآمال والأهداف إلى فعل عامٍ.
3-استعمل الناشطون السياسيون أدوات المعلوماتية وشبكات التواصل الاجتماعي في رد فعل استباقي لما يمكن حدوثه من قبل السلطة ومحاصرتها في الفضاء الافتراضي.
4- ظهر تلاحم بين عناصر المجتمع بمختلف أديانه وتوجهاته. وكانت نتيجتهُ استدعاء أواصر العيش المشترك وتماسك خيوط النسيج الاجتماعي.
5- استحضار الميراث الحضاري للمجتمع المصري في لفتةٍ إلى كونهِ ذخيرةً حيةً تخرج من حين لآخر. حيث يظهر التسامحُ النفسي انتظاراً للقادم.
إذن عندما أرادت السلطةُ إحداثَ الفوضى وتصوير المشهد بوصفه كذلك كان رد فعل الجماهير منظماً قادراً على التعامل الحر. لكن سرعان ما سقطت السلطةُ لتقايضنا الطرفَ الآخر من المفارقة. ذلك حين أعلن مبارك في خطابه الشهير تنحيه عن مقعد الرئاسة.
الجماهير أعطته الطرف الأول بينما ترك رأس السلطة الآفلة المجتمع ككل في تحدي الطرف الثاني(طرف إعادة البناء). أي وُضِع السياسيون أمام التحول التاريخي نحو مستقبل تجلى كلمحِ البرقِ أثناء المظاهرات والحراك الثوري.
كان هذا الطرف: أنَّ( القوى الثورية!!) ريثما حاولت إعادة بناء النظام السياسي مرة أخرى مارست أدوارَّها بطرائق الفوضى والتخبط. بل سعت أكثر من قُوى لإلقاء اللوم على القوى الأخرى. وقفز - في صدارة الحوارات العامة- التخوين والصراع والتكفير السياسي ناهيك عن الديني. ولم تستطع قوةٌ واحدة إقناع الجماهير الغفيرة سوى تحت خطاب الخداع والالتواء. جري الحال على مجمل القُوى من أقصي اليمن الديني إلى أقصى اليسار مروراً بجميع الأطياف السياسية وبمعظم المشاركين الثانويين.
وزمنياً من أجل تنكيس النظام وقطع الاتصال بين مغذياته السياسة والرمزية كان الغباءُ السياسي فاعلاً ورجعياً بأعمق مدى. لدرجة أنَّ متابعاً للأحداث لا يصدق كون القوى(الثورية) تنتمي إلى المجتمع المصري. ذلك على إعتبار صورة المجتمع شيئاً مختلفاً. وربما يشكك ابتداءً في أنها قوى بالمعنى السياسي. هل من أشعل (الثورة !!) تلك القوى السياسية كما تدّعِي؟ لقد تذكرتْ كلَّ شيء من فوارق بينها وبين غيرها، ومن تناقض المرجعيات وتناست شيئاً واحداً: منطق الفعل الثوري!!
ظهر هذا جلياً لدي أصحاب التوظيف السياسي للدين، ورشَحَ النسيانُ في حاشية التنظيمات الليبرالية والعلمانية واليسارية. فأخذت هي الأخرى مقاربة الواقع بمنطق "الغلبة والغنيمة". وجميعهم (موظفو الدين وموظفو الليبرالية والعلمانية والمدنية) قالوا: جُحا أولّى بلحم ثوره!! في إشارة: أنَّ أصحاب الاتجاهات قاطبة اعتبروا أنفسهم الورثةَ الشرعيين لسلطة مبارك. ولم يقتربوا من تغيير جوهر النظام. ولم ينصتوا إلى صوت الناس. لأنهم ابتداءً لا يمتلكون رؤية ولا نظاماً بديلاً. فهم إفراز تاريخي لفوضى الممارسة السياسية المتراكمة في التاريخ المصري والعربي.
• لم تحدث مناقشات جادةٌ -باستثناء حوارات تلفزيونية- لمشكلات سلطة مبارك الغابرة. ولم يُعرَّ الفساد السياسي والتخلف الإداري والاقتصادي أولوية. لم يُعرَّ في ضوء الوثائق والوقائع الاجتماعية والثقافية. فمبارك أفسد أجيالاً، وطبع السلوك المصري برتم الدونية والقهر.
• تعاملت القوى(أحزاباً- جماعات- حركات– مستقلين) مع نظام مبارك بطريقة اللامساس. بمعنى مواصلتهم لرجمه بالعبارات الجاهزة القابلة الانفجار في الهواء دون خسائر. لكن لم تتصور إحداها(لوهلةٍ واحدة) تغييره من جذوره وتعريضه للنقد الثوري. السبب وراء ذلك أن القوى السابقة تكوين مشوّه لنمط العلاقات السائد في النظام السابق. ومن ثم إذا كان نظام مبارك فاسداً فإنَّ القوى، جميع القوى الناشئة عبر هوامشه، كانت كومبارساً في دراميته، في حلقاته المسلسلة. حملت نفس الأمراض التي ظل يعاني منها والتي أودّت بحياته. لقد انتهى حكم مبارك كنظام جسدياً، ولم ينته روحياً ولا أطيافاً ولا نماذج فارغة وقابلة للامتلاء. لقد حلَّ روحاً وغباءً داخل حاضنة الثقافة في كيانات سياسية أخرى.
• أدركت تلك القوى بشكل لا واعي أنَّ إسقاط مبارك هو إسقاط لها وفض لإمكانيتها من حيث المبدأ. لأنَّها بمثابة النقيض المقبول له. هكذا تصبح المعادلة الرياضية: احتمال سقوط النقيض الأول معناه سقوط النقيض الثاني. لذلك ما إنْ تولى مرسي الرئاسة حاكماً منتخباً حتى استولت جماعته على الدولة بمفهوم الاستحواذ والقهر. فجماعة الإخوان المسلمين وكذا الأحزاب السياسية كانت جماعة وأحزاب نظام مبارك ليس إلاَّ... أم كانت في دولة أخرى؟!.
تماماً مثلما يقف أحدُنا أمام المرآة ويشكل صورته بخياله وهواجسه ثم يزعم أنها صورته موضوعياً. على أنَّ السياسةَ في التاريخ المصري مرآةٌ لتكوين القوة المضادة بالوهم الجمعي. فالإخوان نتيجة خوف مبارك من حركتهم في الشارع بث وهماً استراتيجياً هو له بأنهم أقوياء بينما هم لا يختلفون عن نظامه في قليل أو كثيرٍ. وهذا ما أثبتته أربعة أيامُ فقط من ثلاثين يونيه حتى الثالث من يوليه ألفين وثلاثة عشر.
• تضخمت صور تلك القوى بلا مبرر. وكأنَّها لم تكن بالأمس القريب مجرد "سلة مهملات" للنظام السياسي. فنجد حزباً مثل "الوفد" يعتبره ممثلوه حارساً للوطنية المصرية. بالرغم من أنّه-في مجريات الأحداث- لم يقدم شيئاً جديداً. ومازال الحزبُ يعيش على ذكريات رمزية متعلقة بسعد زغلول ومقولاته. كذلك حال الحزب الناصري الذي يعيد إنتاج رمزية عبد الناصر. إذ لا نكاد نسمعه إلاَّ حين تُرفع صور عبد الناصر أثناء كوارث وصراعات العالم العربي. وبسبب هذا التعلق ذهاباً وإياباً ساند الحزب الناصري بعض الأنظمة الديكتاتورية. بل استغله نظام الأسد القمعي في إيجاد أرضيه له في الداخل المصري. واستخدم مؤيديه في معركته ضد الجماعات التكفيرية بسوريا.
• تجاهلت القوى الطرف الثالث "الشعب المصري" بنفس طريقة الرئيس السابق ونظامه. على الأقل اعتبرته مطيةً للقفز على السلطة. وليس الكلام المراوغ عن الديمقراطية وحقوق الإنسان من قبل الأحزاب المسماة بالليبرالية بأقل خداعاً من كلام الجنة والنار والزيت والسكر بالنسبة للتيارات الدينية.
حقاً المفارقات تتطلب أسئلة حرجة critical questions لمعرفة المسرح السياسي. حرجة لأنّها تعالج موضوعاً متداعياً: لمِ مارِست القوى(الأحزاب والجماعات) السياسة كقوى عمياء لا كوابح لها؟ كوابح من فهم أو نظرة مغايرة أو قدرة على حل المشكلات أو تقديم برامج مختلفة؟ لماذا تحول الفضاءُ السياسي إلى آلية لتصنيع أفكار مشوهة؟ لماذا كان التعثر السياسي - عقب الثورة- على كل الجبهات بدرجات متفاوتة؟ هل ما حدث في الخامس والعشرين من يناير والثلاثين من يونيه كان عرضاً، أم روحاً أصيلة لشعبٍ مخلوقٍ كما يقال من طين الحضارة والتاريخ؟
أكيد الأمر أكبر مما لو فهمناه فردياً، فالتخبط السياسي آنذاك ليس على نحو فردي. فهو حالة جمعية تحتم الأخذ بمحددات تاريخية وحياتية ودينية لا يفلت منها كيان سياسي بعينه. وتضع أطرها غارقةً في ممارسات وأصول اجتماعية، حالة تتعلق بأنماط من علاقات الإنسان بمحيطه. حالة تعيد فرز دلالتها في التشكيل الواعي وغير الواعي للأنظمة والمؤسسات ونسق الفهم والتعبير. أي تكمن معالمُها وتتجمع في الخطابات السياسية(علامةً ولغةً). فإساءة التقدير فردياً قد يعني قلة الفهم، أو تجاهل المتغيرات إلا أنَّها سياسياً تتوج نفسها في دائرةٍ أوسع وأعلى، دائرة الإرادة العامة كموضوع للهيمنة والتسلط. إنها تفعل ذلك وقد ضمنت تكرار الأزمات والأفكار والعلاقات منذ مئات السنيين بحسب حركة المجتمع.
ليس مصادفةً أن يلخص تيار سياسي معين، كالتيار الديني المسيّس، كل أزمات ومفاهيم نمت في بيئتها الثقافية الأولية في مفتتح العصور العربية والإسلامية. ففكرة الخلافة التي طرحها أنصار مرسي كانت فكرةً طوباوية إلى حد الجنون وأثقلت الواقع غموضاً. وهو ما حدث- بعد ذلك- في مواد الدستور بعباراته الغامضة. أظن أنه كان غموضاً مقصوداً لسهوله تسلل تأويلها الديني. كي تتفق مع مرجعية الجماعات المساندة للرئاسة. ومن جهة موازية ليس اعتباطاً أنْ تتقولّب الممارسة الليبرالية والمدنية-مثلما طرحتها لأحزاب السياسية- في قوالب مهترئةٍ منقولة بغباء عن الثقافة الغربية أو قوالب محلية الصنع ومفرَّغة من مضمونها. قوالب صماء شوهت الأفعال الثورية والرؤى الطازجة لجماهير المجتمع المصري. فتحولت المفاهيم والسلوكيات على الجبهتين إلى شعارات غوغاء لا تقوى على الأزمات.