عواقب خروج بريطانيا من الإتحاد الأوربي

عبدالخالق حسين
2016 / 6 / 25

في يوم الخميس المصادف 23 حزيران 2016، صوتت غالبية الشعب البريطاني (52%) للخروج من الإتحاد الأوربي، مقابل 48% للبقاء. ومهما كان الفارق بسيطاً (4%) فقط، إلا إن هذه الأغلبية تُحترم في الأنظمة الديمقراطية الناضجة.

نبذة تاريخية
كانت الوحدة الأوربية فكرة تراود مخيلة الحكام والفلاسفة الأوربيين منذ مئات السنين، وذلك لوضع حد للحروب الطاحنة التي كانت تدور رحاها بين هذه الدول باستمرار. ومن الوسائل المتبعة آنذاك للحد من تلك الحروب هو المصاهرة بين أسر الملوك الحاكمة. فتجد ملوك عدة دول من أسرة واحدة مثل آل هابسبرك وآل بوربون وغيرهما. وقد حاول نابليون بونابرت تحقيق هذه الوحدة عن طريق الحروب التي سميت بالحروب النابليونية، لتصدير مبادئ الثورة الفرنسية، وتوحيد أوربا تحت سيطرة فرنسا، ففشل وانتهى أسيراً في جزيرة سانت هلينا. ثم حاول هتلر بتوحيد أوربا بالقوة فشن الحرب العالمية الثانية لإخضاعها تحت حكم ألمانيا وفشل كذلك، وانتهى بكارثة على العالم وعلى أوربا وعلى بلاده.

لذلك وبعد تلك الحرب المدمرة، تم توقيع اتفاقية في روما من قبل ست دول أوربية عام 1957، وهي إيطاليا وفرنسا وألمانيا الغربية، وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ، لإيجاد نوع من الوحدة ديمقراطياً بين هذه الدول، مبنية على المصالح الاقتصادية، فانبثقت (السوق الأوربية المشتركة) للوجود عام 1967 من الأعضاء المؤسسين الست. و في عام 1973 انضمت بريطانيا إلى عضوية هذه المنظمة عندما كان إدوارد هيث، زعيم حزب المحافظين، رئيساً للوزراء وبدون استفتاء شعبي. وكان بالطبع هناك معارضون من الشعب البريطاني لهذه العضوية، لذلك تم إجراء أول استفتاء شعبي عام 1975، في عهد رئاسة هارولد ويلسون، زعيم حزب العمال، وصوت 66% لصالح البقاء في تلك السوق.
ولكن رغم ذلك، استمر المعارضون من جميع الانتماءات الحزبية. ومع الزمن ازدادت عضوية هذه المنظمة وصلاحياتها ونفوذها إلى أن بلغ عدد أعضائها اليوم 28 دولة، وهي في ازدياد، ومع نموها كثرت مشاكلها وتدخلاتها في الشؤون السيادية للدول الأعضاء، وصار اسمها (الوحدة الأوربية)، ولها عملتها الموحدة (اليورو)، ووضع لها دستور يمهد للمزيد من الاندماج، وصولاً إلى دولة اتحادية عظمى على غرار الولايات المتحدة الأمريكية، مما أثار مخاوف وغضب شريحة واسعة من شعوب دول الأعضاء وفي مقدمتها الشعب البريطاني بدافع المشاعر القومية، التي اعتبرت تنامي صلاحيات الاتحاد تهديداً لسيادتها، وإلغاءً لدور برلماناتها الوطنية في حكم شعوبها.

أسباب المعارضة للوحدة الأوربية
هناك أسباب كثيرة دعت المواطنين البريطانيين للتصويت للخروج من الاتحاد، حسب ما أعلنه دعاة الخروج، منها ما يلي:
1- اتساع صلاحيات الاتحاد، على حساب صلاحيات السلطات الوطنية لدول الأعضاء.
2- التكاليف الاقتصادية الباهظة التي تدفعها بريطانيا والبالغة نحو 350 مليون جنيه استرليني أسبوعياً، أي أكثر من 18 مليار جنيه سنوياً.
3- تنامي الهجرة بمئات الألوف من دول الأعضاء، أكثر من ربع مليون مهاجر سنوياً، يقدمون عمالة رخيصة ينافسون بها المواطنين، يشكلون عبئاً ثقيلاً على الخدمات الصحية والمدارس، والضمان الاجتماعي..الخ، دون أن تستطيع الحكومة البريطانية الحد من عدد المهاجرين من دول الأعضاء.
4- إزالة الحدود الدولية بين دول الأعضاء سهَلت انتقال المهاجرين من دول غير الأعضاء وخاصة من الدول الإسلامية، ومخاطر الإرهاب الإسلامي.
5- معاناة السكان الأصليين من محاولات الجاليات الإسلامية في فرض ثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم عليهم وفي بعض المناطق حكم الشريعة بالقوة، وما حصل من أعمال إرهابية القوا اللوم فيها على الوحدة الأوربية.
6- مطالبة تركيا بدخول عضوية الإتحاد أثار ذعر الشعب البريطاني، الأمر الذي جعلها دعاة الخروج ضمن دعايتهم، مدعين أن قبول تركيا سيسمح لدخول 90 مليون مسلم إلى الدول الأوربية بدون فيزا، وهذا يعني أسلمة أوربا ودخول الإرهابيين.
7- ولهذه الأسباب مجتمعة، تم في بريطانيا تشكيل حزب يميني خاص، باسم حزب استقلال المملكة المتحدة، اختصاراً (UKIP)، بزعامة نايجل فاراج، هدفه الرئيسي إخراج بريطانيا من الاتحاد. وكذلك أدى إلى نمو الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوربا.

وأمام اتساع المعارضة لعضوية بريطانيا في الاتحاد الأوربي وحتى من داخل حزب المحافظين الحاكم، وللتخفيف من غلوها، قام السيد ديفيد كامرون، رئيس الحكومة، بإجراء مفاوضات مع الوحدة الأوربية لإعفاء بريطانيا من بعض الالتزامات منها عدم شمول المهاجرين بالمنافع المالية إلا بعد مرور أربع سنوات من دخولهم بريطانيا.. الخ، والسيطرة على الحدود... الخ، وحصل على ما أراد، ولكن هذه المكاسب لم تسكت المعارضين، لذلك اتخذ كامرون قراراً شجاعاً في العام الماضي بإجراء استفتاء شعبي لفسح المجال أمام الشعب البريطاني ليقرر بنفسه. وهذا ما كان.

ورغم أن معظم قيادات الأحزاب السياسية وخبراء الاقتصاد، والصناعيين، والمصرفيين، والعلماء والأكادميين وأغلب الإعلاميين، ورؤساء الحكومات الصديقة بمن فيهم الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي قام بزيارة رسمية خاصة إلى لندن لهذا الغرض، كلهم كانوا يحثون الشعب البريطاني على البقاء، مؤكدين أن الفوائد الاقتصادية والأمنية والعسكرية أكثر في حالة بقاء بريطانيا مع الوحدة الأوربية، إلا إن الغالبية لم تتأثر بآراء أصحاب الخبرة والأصدقاء، واعتبروا مخاطر الخروج الاقتصادية التي حذر منها دعاة البقاء مجرد للتخويف (scaremongering)، ونجحوا في اقناع العاطلين عن العمل أن الهجرة من دول الوحدة الأوربية هي السبب الرئيسي للبطالة، لذلك فالحل الوحيد لجميع هذه المشاكل في رأيهم هو الخروج من هذا الوحدة.. ومن ثم التفاوض للدخول فيها ثانية وبشروط أفضل دون المساس بمصالحنا وسيادتنا الوطنية!! وقد رد عليهم كامرون متهكماً بأن هؤلاء أشبه بمن يطلق زوجته على أمل أن يعيدها فيما بعد بعقد أفضل !!

عواقب ودلالات نتائج الاستفتاء
جاءت نتائج الاستفتاء مفاجأة للجميع، وزلزالاً ليس على دول الوحدة الأوربية فحسب، بل وفي العالم كله، وذلك لما لبريطانيا، كدولة كبرى، من ثقل اقتصادي وسياسي وعسكري. فما أن تم الاعلان عن النتائج حتى وخسرالجنيه الاسترليني نحو 10% من قيمته بالنسبة للدولار، إضافة إلى الفوضى التي اجتاحت أسواق البورصة في جميع أنحاء العالم، حيث سجلت المؤشرات هبوطاً بلغ 7% أي ما يعادل خسارة في أسعار الأسهم بما يقدر بـ 2 ترليون دولار. وهذه إحدى تداعيات الخروج الاقتصادية التي حذر منها دعاة البقاء.
كذلك حفزت هذه النتائج الأحزاب اليمينية في دول الاتحاد الأخرى للمطالبة باستفتاءات مشابهة.

كما كشفت هذه النتائج عن مدى انشقاق الشعب البريطاني على نفسه، وهشاشة وحدة المملكة، فغالبية الشعب في إنكلترا و ويلز صوتت للخروج، بينما غالبية الشعب الاسكتلندي وفي ايرلندا الشمالية صوتت للبقاء.
وهذا الاختلاف أثار مشكلة خطيرة أمام بقاء بريطانيا كمملكة متحدة. إذ قالت السيدة نيكولا ستارجين، رئيسة حكومة اسكتلاندا أن الشعب السكوتلاندي صوت للبقاء في الوحدة الأوربية، بينما فرض عليه الشعب الإنكليزي الخروج منها ضد إرادته. لذلك فمن حقنا أن نطالب باستفتاء ثان للشعب السكتلاندي للاستقلال والبقاء في الإتحاد الأوربي. ونفس هذا المطلب طرحه السيد مارتن ماغنس، قيادي في حكومة إريلاندا الشمالية مطالباً بإجراء استفتاء للشعب الإيرلندي الشمالي للانفصال من المملكة المتحدة، والاتحاد مع جمهورية إيرلاندا التي هي عضو في الوحدة الأوربية. وهذا يجعل نهاية للمملكة المتحدة التي لم تعد متحدة أصلاً.

كذلك لاحظ الباحث، مارك إيستون في البي بي سي، أن مكان إقامة المصوتين لعب دوراً في طريقة التصويت، فالغالبية العظمى من سكان المدن الإنكليزية الكوسموبوليتانية الكبرى مثل لندن، ومانتشستر وليفربول وغيرها، صوتوا للبقاء، بينما الغالبية العظمى من سكان الأرياف والمدن الصغيرة والحواضر صوتوا للخروج. ويفسر الباحث هذه الظاهرة إلى أن سكان المدن الكبيرة متكيفين مع العولمة، وأكثر انفتاحاً على الشعوب الأخرى، وليست لديهم مشاكل مع تعدد الثقافات،...الخ، بينما سكان الأرياف والمدن الصغيرة لديهم مثل هذه المخاوف من المهاجرين وعضوية بلادهم في الوحدة الأوربية.

ومن تداعيات هذه النتائج إعلان السيد كامرون عن عزمه في الاستقالة من الحكومة ولكنه يواصل إدارتها إلى شهر أكتوبر القادم حيث سيعقد الحزب مؤتمره القادم، ليختار رئيساً جديداً، ليقوم بمفاوضات الخروج مع الوحدة الأوربية.

ردود أفعال رؤساء حكومات الوحدة الأوربية
لقد فوجئ جميع رؤساء دول الوحدة الأوربية بالنتائج، فعبَّروا عن أسفهم لخروج دولة كبرى مثل بريطانيا من هذه المنظمة، ولكنهم في نفس الوقت، وخلافاً لما كان يتأمله السيد كامرون، أن مفاوضات الخروج ستستغرق عامين على أقل تقدير، أما دعاة الخروج فكانوا يأملون البقاء في الوحدة إلى عام 2020 حيث الانتخابات البرلمانية البريطانية القادمة، ولكن رؤساء دول الوحدة الأوربية خيبوا أملهم، إذ أعربوا عن رغبتهم الشديدة في إجراء مفاوضات الخروج بسرعة وخلال اسبوع.

أن دعاة الخروج كانوا على خطأ كبير، وربما سيندمون في المستقبل القريب. فبحسابات الخبراء الاقتصاديين والصناعيين أن منافع بريطانيا اقتصادياً تقدر بأضعاف ما تدفعه كبدل اشتراك لعضويتها. فهناك نحو مليونين من البريطانيين يعيشون ويعملون في دول الإتحاد، و 3 ملاين عامل بريطاني داخل بريطانيا ترتبط مؤسساتهم مباشرة بالوحدة الأوربية. كذلك يقوم الاتحاد سنوياً بمشاريع عمرانية ويقدم مساعدات للجامعات والمؤسسات العلمية في بريطانيا تقدر بمليارات الجنيهات. ولا أمل لعودة من يخرج منها في المستقبل المنظور.
لقد ركز دعاة الخروج على هجرة العمالة، وعلقوا عليها كل مشاكلهم لتضليل الناخبين. في الحقيقة إن هذه الهجرة ليست سبب البطالة، فهؤلاء المهاجرون أغلبهم فقراء يقومون بأعمال لا يرغب بها البريطانيون، مثل العمل في المزارع، أو رعاية المسنين في دور العجزة، أو أعمال التنظيف وغيرها من الأعمال اليدوية الرخيصة التي يأنف منها غالبية العاطلين الإنكليز. ولم يشكلوا عبئاً على المدارس والمؤسسات الصحية، ولكن استغل اليمين المتطرف هذه المشاكل بدوافع قومية وشوفينية لتحقيق مآربهم، وسيدفعون الثمن.
أعتقد إن تصويت الأغلبية للخروج من الاتحاد هو أحد أخطاء الديمقراطية في التاريخ مثل فوز حزب النازي الهتلري في ألمانيا، وحزب الأخوان المسلمين في مصر، والتيار الصدري في العراق....الخ. ولكن مع ذلك يجب احترام رأي الأغلبية، وهم سيدفعون ثمن قرارهم، ويتعلمون من أخطائهم ولو بعد فوات الأوان.
وأخيراً، كما قال الرئيس التشيكي: إن خروج بريطانيا ليس نهاية العالم، ولا نهاية الوحدة الأوربية !!