أوروبا: سفينة فخمة توشك على الغرق!

ناجح العبيدي
2016 / 6 / 24

ما حصل يوم الاستفتاء في بريطانيا ليس مجرد صدمة، بل زلزال حقيقي هز القارة الأوروبية من أساسها وقلب "عروشا" وأدى وسيؤدي إلى انهيارات على المستوى السسياسي والاقتصادي، وقد يغير أيضا في ميزان القوى العالمي. لم تفد كل التحذيرات في ثني البريطانيين عن التوصيت لصالح خروج بلادهم من الاتحاد الأوربي. وكان أقواها من رئيس المجلس الأوروبي "دونالد توسك" الذي قال حرفيا بإن "خروج بريطانيا قد يكون بداية لتدمير لا الاتحاد الأوروبي وحده بل الحضارة السياسية الغربية بأسرها". أن تدير ثالث أكبر دولة أوروبية ظهرها للتكتل القاري هو تطور نوعي ستكون له تداعيات على المدى الطويل وسيكلف خسائر كبيرة.
أول "ضحية" لهذا الزلزال هو من تسبب فيه، ألا وهو رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون الذي قامر ليس بمستقبله السياسي فحسب، وإنما أيضا بمستقبل المشروع الأوروبي عندما بادر إلى هذه الاستفتاء لدوافع سياسية ضيقة بأمل التغلب على خصومه داخل حزب المحافظين وخارجه، وفي مقدمتهم "بوريس جونسون" عمدة لندن السابق و"نايغل فرج" زعيم حزب الاستقلال اليميني.
ولا يستبعد أن ينطبق على استقالة كاميرون المثل المعروف"الجرذان أول من يغادر السفينة الغارقة". غير الأمر لن يتوقف عند كاميرون وسيواجه قادة أوروبيون آخرون، وفي مقدمتهم المستشارة الألمانية ميركل والرئيس الفرنسي هولاند ضغوطا متزايدة للتخلي عن دفة القايدة بعدما أخفقوا تماما في قيادة السفينة الأوروبية وسط الأمواج المتلاطمة.
وفور الإعلان عن نتيجة الاستفتاء سجلت أسواق الأسهم والسندات وعملتا الجنيه الاسترليني واليورو خسائر فادحة قدرها بعض الخبراء بخمسة تريليونات يورو، أي ما يعادل ضعفي الناتج المحلي الإجمالي لبريطانيا.
ولكن الأخطر من ذلك هو أن هذا الزلزال كشف عن عمق الأزمة البنيوية التي تنخر في جسد الاتحاد الأوروبي والقارة الاوروبية. صحيح أن ألمانيا وفرنسا ستحاولان التخفيف من تداعيات الاستفتاء البريطاني والإمساك بزمام المبادرة من جديد، ولكن من الواضح أن المشروع الأوروبي انتكس عقودا إلى الوراء الأمر الذي ينذر بعودة الاتحاد الأوروبي إلى مجرد تكتل اقتصادي دون سياسات خارجية وأمنية مشتركة ودون قيم مشتركة. وهذا لن يساعد في تجاوز الأزمة الهيكلية للقارة العجوز. فأوروبا الثرية والقوية اقتصاديا، والتي ستبقى هكذا على المدى المتوسط، تعاني أيضا من مواطن ضعف ظهرت ابتداءا من عام 2015 والتي يمكن أن تصبح قاتلة. ولعل أبرز معالم هذا الانحدار البطيء والأكيد هو تفكك اتحادها وزيادة حدة الخلافات التي تعصف بها وكذلك تفاقم أعراض الشيخوخة في مجتمعاتها في ظل الرفاهية التي تنعم بها، أو باختصار كما يقول بن خلدون "إذا حصل الترف والدعة أقبلت الدولة على الهرم".
والسؤال الهام الآن: كيف يمكن لأوروبا، وفيها دول رخوة عديدة (مثلا أستونيا التي لا تملك سوى 3 دبابات قديمة من العهد السوفيتي)أن ترد على التحديات غير المسبوقة المتمثلة في الإرهاب وموجة الهجرة والنزوح والمنافسة الشرسة من تكتلات أقوى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية والصين؟
فبعد الاستفتاء البريطاني لن يكون الاتحاد الأوروبي على مدى السنوات القادمة الإطار القادر على مواجهة هذه التحديات لأنه سيكون منشغلا بخلافاته وبالتصدي لمحاولات فك الارتباط من قبل أعضاء آخرين.
أحد الخيارات هو إعادة الناتو إلى سابق "مجده" ، كما كان أبان الحرب البادرة. ولكن ذلك سيعني أيضا الاعتماد بشكل أكبر على الولايات المتحدة وعلى حلفاء غير موثوقين مثل تركيا. وهذا ينطوي على خطر الدخول في تبعية غير متكافئة.
غير أن ما تبقى من الاتحاد الأوروبي قد يجد في تقوقع بريطانيا في جزرها فرصة لمراجعة العلاقة المتوترة مع روسيا. وفي هذا السياق جاءت قبل أيام قليلة تصريحات لوزير الخارجية الألماني "شتايتماير" انتقد فيها ميل بعض الأطراف لإذكاء التوتر مع موسكو. ولكن هنا أيضا يجب السؤال عن الثمن التي يجب على أوروبا دفعه مقابل التطبيع مع موسكو؟
وفي كل الأحوال فإن أوروبا مقبلة على وضع جيوسياسي جديد الأمر الذي يعني بأنها بحاجة ماسة لربابنة جدد قادرين على التحكم بدفة القيادة في الظروف العاصفة الجديدة وعدم ترك المجال لليمين المتطرف والمغامر والذي يجد في نتيجة الاستفتاء البريطاني الفرصة السانحة للترويج لمشروعه.
د. ناجح العبيدي