التفكير السياسي بوصفه -حَدَثاً-

سامي عبد العال
2016 / 6 / 23

قد يمتلك رجال السياسة أكثر النظريات حنكةً، لكن أثناء الممارسة يشاهدون الأحداث بلا أية نظرية ناجعة. في الواقع المعقد تهرب النظريات كما تهرب العصافير نتيجة انفجار مدوٍ. هذا مغزى إشارة ماركس: الفلاسفة السابقون حاولوا تفسير العالم بطرق مختلفة لكن الأهم تغييره. السياسة تخادع الأفكار، أية أفكار، بأفعال الدهاء العملي. فالإنسان حيوان سياسي متقلب كما تتقلب الرقطّاء في أكمتها. لأنَّ الحياة تتكثف بنسيج جنوني اسمه الحدث السياسي. هو خارج الأطر، فائق الوصف، يتلون بذاته ككيان شاذ متنفِسّاً نبضّ التاريخ والعالم في وقت واحد.
لأول وهلةٍ ضمن طوفان الربيع العربي كنا إزاء أحداث سياسية. وداخل المواقف الحية للحراك اليومي ظللنا نراقب ملء أعيننا. وهي عملية يعرفها الواقفُ داخل أتُونِّها الصاخب. فالمجتمعات العربية التقليدية لا تنكشف لنفسها بسهولةٍ. إنَّ أنظمتها السياسية حجاب سميك بعمق التسلط والقهر اللذين تعيشانه. والحدث الثوري revolutionary event لحظةٌ نادرة حين يتعرَّى المجتمع أمام ذاته. هي لقطات كانت سينمائية مشحونة بأفعال التاريخ. ارتباك الممثلين الاجتماعيين، وكواليس السلطة وحيرة المُشاهد ولغة الفوضى. كيف سيجري المونتاج السياسي، كيف سيصبح توزيع الأدوار، وبأي منطق ستأتي الرؤية الاخراجية... حقاً لم يلتفت أحد لكل هذا!!
هل حين قام الشباب العربي بنشاطهم الثوري كانوا يدركون معناه؟! هل يعرفون الثورة كتقنية سياسية تجاه أنظمة تقاوم انهياراً بكافة الطرق؟ إذا كانت السلطةُ قدرةً على السيطرة والتوجيه، فلم تذهب في دول الربيع العربي هباءً. كانت الثورة مطالبة- أو هكذا يفترض- بتتبع ماذا كانت(السلطة) قبل أنْ تصبح أثراً بعد عين. كان علينا استعادة طابعها المتجاوز في كل مرة تشعرنا بحدوثها.
التفكير السياسي كحدث مصطلح غريب على العقل العربي. لأنَّ السياسة عنده تقع في ظلام اللامفكر فيه. إذ تشكل كهفاً لمخاوف الرعيَّة من بطش الحكام ورجالاتهم. فكان منظرو السياسة تابعين للملوك والسلاطين. ثم إن اللغة الصورية والتجريدية يتدثرون بها لأنهم يتحدثون عن واقع غامض وأسطوري دائماً. بعض العناوين السياسية كفيلة بإثبات هذا المعنى. مثل "التبر المسبوك في نصيحة الملوك" للغزالي، "السياسة الشرعية في أحوال الراعي والرعية" لابن تيمية، التدبير في الإمامة لهشام بن الحكم، التاج في أخلاق الإمامة والسلطان وأخلاق أهله لأبي عمرو الجاحظ، الأحكام السلطانية ونصيحة الملوك للماوردي. كتب تتهيب الخوض في التكفير السياسي بما هو "إرادة حدوث" عام. بينما تأخذ جانب النصائح والقيم الأخلاقية وآداب الملوك. وهو تفريغ لقضايا الحرية والإرادة العامة والتحول المجتمعي.
من هنا كان الحدثُ في ذاكرتنا العربية فعلاً مُشيناً سياسياً. باعتباره ليس متوافر بالنسبة لغالبية الناس. هؤلاء كانوا مقيدين دون المشاركة في أي عمل جمعي. فيأتي "الحدث" دائماً قراراً سلطوياً. يمتلكه الحاكم بمفرده دون غيره. وذلك عندما كان يفتتح مشروعاً أو مؤسسة أو يحتفل بتدشين صرح أو تعمير مدن كان يقال ذلك "حدث". ثم تظل وسائل إعلام النظام تلوك الافتتاح التاريخي والأسطوري. لتتفله على مواطنيها راضين رغم أنوفهم بما يفعل بهم. وبذلك أُجهض المعنى الثوري للإرادة العامة. هذا المعنى غير القابل للترويض في كلمة الحدث.
الحدث حركة وتحول معاً. فهو لا يتم بميتافيزيقا لإرادة حاكمة. وليس منجذباً بغاية قصوى تسقط فوق رؤوس الناس من أعلى. لكنه عمل قيد الانكشاف ضارباً في أعماق النظام السياسي القائم. ولهذا يحتاج إبداعاً في التعامل مع المواقف والرؤى. والأهم أنه يختبر وجودنا بالحرية الطازجة. ليصهر الصدأ الذي يمنعنا من التفكير الحدثي في راهنيته المجنونة.
ثمة فرقٌ جوهر بين " الحدث" event و"الممارسة" practice و"الفعل"act. لنبدأ بالأخيرين وصولاً إلى الأول. الفعل أثر لعمل إنساني قادر على تغيير ما. ولهذا سيكون الفعل السياسي ترتيباً لأوضاع كان بالإمكان أن تنظم حياة الجماعة البشرية. وعليه يصبح تنفيذاً للاستغراق في حركة جزئية بالمقام الأول. أي: فعل له قدرة على ترك بصماته بدلالةٍ واقعية. فأن يفعل إنسان سياسياً معناه استثمار لمعطيات متاحة في الأنظمة السياسية.
أما الممارسة فهي الجانب الإجرائي من تلك الأنظمة. المرحلة العميقة من تفعيل المفاهيم والتصورات. والممارسة تأتي كأبنية تمنح وجودها تماسكاً في حركة الحياة العامة. فإذا كانت السياسة تنطوي على رؤى ومعايير فإن الممارسة تبرزها بمعانٍ عملية. والتجارب النوعية هي النتاج المهم لكل ممارسة.
بينما يجمع الحدث بين الأثر والتجريب المتواصلين لطاقات التغيير. إنَّه الفضاء الأقصى للتمرد الجذري. حيث امتلاء الرغبة بفاعلية قوى التحقق العارم. وهو بهذا لا يعترف بالفكر السياسي الصوري. لكونه الدينامية التي لا تتعين بأية حالة سابقة فقط. وهذا ما يجعل الحدث مرهوناً بـ" الحدوث" happening المستمر. والحدث يماثل سر الحياة بامتلاء إمكانياتها حينما تعصف بمن يترقبها. حدوث الحدث لا يتكرر. لأنه مفاجئ، عاصف، متشظٍ، متفتت، متناقض، بالغ الديمومة، ثري التكوين.
من هنا كما يوضح جان فرانسو ليوتار يعد الحدوث فضاء مفتوحاً لآثار الرغبات والأحاسيس. إنه أشبه بالجسد لكنه بلا أجزاء عضوية. حيث لن نستطيع التحديد المادي. ولا القطع بأي شيء فكل المظاهر غير قابلة للتنبؤ ومثيرة للاضطراب. فقط علينا أن نشعر بالمخاوف والتحولات كما لو كنا في فوهة مهتزة بالنيران.
وهكذا على مداه الأوسع يعد الحدث الثوري عملية مخاض متواصل. يقوض الأسس والقواعد والآليات في فضاءات الثقافة وحقولها. وذلك حين يتغلغل عبر السياسة والاقتصاد والتاريخ والفن والحقائق. بذات القدر يخلخل المبادئ العامة والقيم السائدة اجتماعياً.
هل تنتهي ثورة دونما تأثير على طرائق التفكير؟! ليس أقل من أن تُعطي الكيانات السياسية والاجتماعية منظوراً حيوياً لمعالجة القضايا على نحو جذري. وبذلك هي نقطة ترتبط بنسيج المجتمع في تحولاته العاصفة. فعادة ما تُرجعنا -إذا انحرفناً -إلى بدايات حدية مؤثرة زمنياً. لنغدو من فورناً كأننا امتلكنا تاريخاً جديداً(تاريخاً قيد التغيير)؛ أي تاريخاً مفتوحاً على إمكانيات ثرية.
ولا تعين الثورة بهذا الوضع موقعا تقليدياً إلاَّ بقدر ما تدفعنا(بحكم المرحلة المختلفة) تجاه نقد الماضي( تراثاً ومؤسسات) نقداً ثورياً على ذات الصعيد. وبما أنَّها منطوية على توجه فكري واعد، مستقبلي فإنها تتجسد في عمل جمعي مادي. عمل له حوافز جديدة ومختلفة عبر مؤسسات وقوانين وحياة تواكبه.
وهنا أضعُ مصطلح (الثورات العربية) تحت الاستفهام المجهري. معنى ذلك يجب وضعه تحت الفحص النقدي لمضامينه وأطره وتداعياته. وسأبدي ملاحظات عامة على بعض الربيع العربي.
- كانت بدايات الربيع العربي مبشرةً في رمزيتها. لكننا رأينا انقضاضاً عليها من اللصوص المحليين والدوليين ومن الوكلاء سواء للغرب أو لقوى داخلية تزعم أنها ليبرالية لكنها متخلفة ورجعية. كما جاء ذلك مع الأحزاب القديمة والقوى الدينية. بينما نُحي الشباب تماماً من المشهد.
- ظلت الثورات تدور في مكانها ولم تبرحه. فكلما كانت تخطو خطوةً سرعان ما تستدير إلى الوراء. وتأخذ منحناها واسعاً بعمق التاريخ وإلحاح المستقبل. لأن الصندوق السياسي الأسود للمجتمع العربي لم يمس. ظل غارقاً في التخلف. وبقي محاطاً بتقاليد اجتماعية وثقافية كفلت له ترميم نفسه مع المراحل الجديدة.
- تحول الربيع إلى خريف دموي في ليبيا واليمن وسوريا. وبدرجات متفاوتة بتونس ومصر. ولهذا استعاد سريعاً التاريخ الصراعي لهذه المجتمعات. حيث جُرَّت الطوائف والقبائل والأقليات والمذاهب إلى حرب ضروس مازالت مشتعلة.
- لم تتجسد الثورات في حقائق سياسية واجتماعية متوائمة مع الآمال المتوقعة. ولم تفعل ذلك حتى مع الحراك السياسي. وهذا موضوع خلاف متشابك مع آليات الغباء السياسي الذي طغى لدى التيارات السياسية.
- لم تُشكل الأعمال الثورية نسقاً للقيم ولا إطاراً نقدياً جديراً بالرصد إلاَّ من مناقشات صارخة أغلبها كيدية من أطراف في مواجهة أطراف أخرى. وكانت الخطابات عنيفة وتعول على كسب ميدان التناطح الافتراضي على الشاشات وعبر المواقع الإلكترونية.
- كثيراً ما جُرَّت القوى الثورية إلى دائرة الإنهاك الأيديولوجي كما جرى بمصر. نظراً إلى استدعاء معارك دينية وصدامات فكرية منذ أزمنة سحيقة. وكأنَّ التيارات السياسية ذات العمق الأيديولوجي تحاول حسم المعركة التي لم تحدث دمويةً بين أدوات النظام والجماهير في مسارات جانبية. ونتيجة إشعالها من قبل الإسلاميين وجهاً لوجه شمل قطاعات اجتماعية واسعة.
وبهذا الوضع يعتبر التناسخُ الفكري آلية مهم. لأنه يعبر عن عملية حلول الحمق (وتناسله) من عقلية إلى أخرى. ومن مرحلة سياسية إلى أخرى، ومن نظام إلى آخر تماماً مثل دلالة هذا المصطلح(التناسخ) فلسفياً. عندما كان يُطلق على حلول روح الشخص الميت في جسدِ آخر، أو حلول روح كائن بشري في حيوان أو العكس.
الأمر بالنسبة للحمق السياسي مختلف نسبياً. لأن العملية ستُظهر أثر الثقافة التي تحقق هذا الحلول من زاوية الفكر والممارسة والعادات. فالعقليات تسكن ثقافة واحدة. وقد لا يذوبُ فيها الحمق إلا تمهيداً لبعثه تالياً إذا توفرت الظروف السياسية والاجتماعية. ويظهر كذلك أن التفكير التقليدي وأنماطه وسلوكياته من المفاهيم التي تكرس للغباء. وتسهل ولادته بشكل مستمر. وهو مفهوم متجذر في تربة الثقافة العربية.