جنرالات فضائيون!

ناجح العبيدي
2016 / 6 / 23

يُقال على سبيل المزاح إن أشهر ثلاثة جنرالات في أمريكا هم "جنرال موتورز" و"جنرال ألكتريك" و"جنرال فود". أما العراق، بلاد الرافدين، فليس من المبالغة القول بإنه بلد الجنرالات بامتياز، والمقصود هنا ليس شركات عملاقة كما هو الحال في أمريكا، وإنما جنرالات "حقيقيون" تزدحم أكتفاهم بالتيجان والنجوم بحيث يمكن القول مجازا: "من كثرة الجنرالات يكاد المرء لا يرى الجيش". حتى فترة قصيرة كان المتحدث الرسمي لوزارة الدفاع العراقية على سبيل المثال فقط يحمل رتبة "فريق أول ركن" لا أقل ولا أكثر. وهي رتبة لا يحلم بها حتى رئيس الاركان في بلدان معروفة بتقاليدها العسكرية العريقة. وبعد "المعارك الشرسة" التي خاضها المتحدث العراقي في الاعلان عن انتصارات وهمية تولى منصب المستشار الاعلامي لوزارة الدفاع محتفظا برتبته. ولم يبقَ سوى أن يحصل على رتبة "مهيب" أو "مشير" (وهي تعادل المارشال) وهي أعلى رتبة في الجيش العراقي سابقا والتي لم يحصل عليها سوى عبد السلام عارف وأحمد حسن البكر وصدام حسين. وثلاثتهم مشهود لهم "بمساهماتهم الفذة" في تاريخ الحروب والتي تدرس في الكليات العسكرية حول العالم. وعلى خطاهم سار الالاف من العسكريين العراقيين. والكثير منهم فضائيون بالمعنى العراقي، أي مجرد أسماء مسجلة في قوائم الرواتب.
في كتابه "عام قضيته في العراق"(ص 76) يذكر الحاكم المدني الأمريكي "بول بريمر" أنه جاء إلى العراق في منتصف عام 2003 ليجد جيشا منهزما يضم ما لا يقل عن 11 ألف جنرال (من رتبة عميد فما فوق) !!، ومن بينهم الفريق أول ركن على الكيمياوي والفريق أول ركن عزة ابراهيم، وقبلهما الفريق أول ركن حسين كامل وغيرهم كثيرون من أقارب المهيب صدام حسين ومحل ثقته. في المقابل يؤكد بريمر أن الجيش الأمريكي كله لا يضم سوى 300 جنرال وهو عدد ثابت تقريبا، أي أن الترقية لهذه الرتبة تشترط عادة وجود شاغر نتيجة التقاعد أو الوفاة. ومع ذلك لا يزال الكثير من العراقيين يأخذون على بريمر قراره بحل الجيش "الجرار" ذي الـ 11 ألف جنرال!
وللمقارنة فإن الجيش الألماني وبما فيها القوات البحرية والجوية يضم حاليا قرابة 200 جنرال وبما فيهم ضباط ألمان في حلف الناتو. وأعلاهم رتبة هو ما يدعى بالمفتش العام للجيش (أي ما يعادل رئيس الأركان) الذي يحمل رتبة Generalmajor أي لواء . وللعلم فإن هذه الرتبه لم يحملها سوى 47 ضابطا فقط منذ اعادة تأسيس الجيش الألماني في عام 1955. وهم بالطبع لا يتجرأون حتى على الحلم برتبة "فريق أول ركن" التي يتقلدها المستشار الإعلامي لوزارة الدفاع العراقية. وأمثاله كثيرون.
فبعد رحيل بريمر عن العراق أصبح الجنرلات يتكاثرون بطريقة الانشطار ولا يستبعد أن عددهم زاد عما كان عليه في عهد صدام حسين. وبطبيعة الحال فإن تكاثر العمداء والفرقاء لا يؤثر على أداء الجيش في الحرب ضد الإرهاب فحسب، وإنما تترتب عليه أيضا تبعات مالية كبيرة تثقل كاهل خزينة الدولة الخاوية أصلا والتي تستمر إلى ما بعد التقاعد. وهو قبل كل شيء إساءة لكل من يحصل على هذه الرتبة عن جدارة.
ظاهرة التضخم في الرتب العسكرية ليست جديدة تماما في المنطقة العربية، وإنما بدأت مع ثورات "الاستقلال الوطني" والتي قادها كما هو معروف ضباط مثل البكباشي (مقدم) جمال عبد الناصر والزعيم عبد الكريم قاسم والعقيد معمر القذافي وغيرهم من "الضباط الأحرار" الذين تقلدوا أعلى الرتب دون أن ينتصروا في معركة واحدة. والدليل على ذلك الهزائم المتتالية التي منيت بها الجيوش العربية أمام إسرائيل التي تضم رئاسة الأركان فيها بحسب معلومات ويكيبيديا أقل من 20 جنرالا ويترأسها ضابط برتبة فريق، أي أقل رتبة من المستشار الإعلامي لوزارة الدفاع العراقية. ولا يستبعد أيضا أن السلطة الفلسطنينية تدفع حاليا رواتب لعدد من "العقداء" يفوق عدد "نظرائهم" في الجيش الاسرائيلي.
وفي حرب الأيام الستة عندما التقى "الجمعان"، كان الجيش الاسرائيلي بقيادة وزير الدفاع والجنرال الأعور خارج الخدمة ( موشي ديان) والجيوش العربية بقيادة "المشير" المصري عبد الحكيم عامر، يساعده في ذلك "الفريق أول" السوري حافظ الأسد. وبطبيعة الحال لم تنفع الرتب الأعلى للقادة العسكريين العرب في حسم المعركة. وبعد هزيمة حزيران دُفع المشير إلى الانتحار، بينما رُقي وزير الدفاع الأسد إلى سدة الرئاسة في سوريا "تقديرا" لدوره في ما عرف بالنكسة. وعندما توفي لم يورث الأب الأسد منصب الرئاسة فقط، وإنما أيضا رتبته العسكرية لنجله بشار الذي يحمل الآن رتبة فريق إلى جانب شهادة الدكتوراه.
طبعا هناك بعض الاستثناءات، ومنها عبد الكريم قاسم الذي رقي بعد ثورة 14 تموز إلى رتبة لواء بحسب سنوات الخدمة، ولكنه ظل متمسكا بلقب الزعيم (عميد حينها) لأن له وقعا ورنينا أفضل مقارنة بالعميد. وبعد ثورة تموز فُتح الباب على مصراعيه أمام الترقيات، وتوج ذلك في عهد صدام حسين عندما خضعت الترقيات أو تجريد الرتب لمزاج "المهيب" الذي لم يدرس في حياته في أي كلية عسكرية. وبعد الاطاحة بالطاغية كان الأمل كبيرا بإنشاء جيش محترف يتميز بقوة ضاربة لا يزيد تعدادها عن مائة ألف جندي. ولكن العقلية السائدة انتصرت مرة أخرى وعادت معها السياسة السخية في توزيع الرتب العالية بدون حساب والتي تحولت إلى ما يشبه الوباء. ويعود ذلك أولا إلى النظام المعتمد في الترقيات. فموجب قانون الخدمة والتقاعد العسكري يحتاج خريج الكلية العسكرية إلى أربعين عاما لكي يصل إلى أعلى رتبة حاليا وهي فريق أول. وهذا يسري أيضا على جهاز الشرطة!!. صحيح أن منتسبي القوات الأمنية يواجهون مخاطر كبيرة في ظل استمرار الحرب الشرسة ضد الإرهاب، إلا أن الفرصة في الحصول على أعلى الرتب تعتبر كبيرة نسبيا. ولهذا يجب أن يستفيد الجيش العراقي من تجربة جيوش متقدمة والتي تربط الترقي إلى رتبة جنرال بوجود وظيفة قيادية شاغرة في الجيش أو البحرية أو سلاح الجو. غير أن عامل سنوات الخدمة لا يمكن أن يفسر بشكل كامل ظاهرة كثرة الجنرلات الظاهرة للعيان في العراق. فالقانون يتضمن بطبيعة الحال بعض الاستثنائات والتي يبدو أنها تُطبق كثيرا في العراق. كما أُثيرت تهم كثيرة تتعلق ببيع الرتب العالية مقابل مبالغ مادية. ولهذا لا يُعتبر من باب المبالغة عندما يجري الحديث عن جنرالات فضائيين أسوة بالحديث عن وجود الالاف من الجنود الفضائيين. وهو ما أكده رئيس الورزاء حيدر العبادي، عندما قال بإن هناك جنودا وهميين يمكن أن يشكلوا فرقتين في الجيش.
غير أن وباء منح الألقاب الفخمة بحق وبدون حق يبقى في نهاية المطاف ظاهرة اجتماعية تستند على أرضية وعقلية معينة وممارسة متفشية في المجتمع والدولة. فبعد عام 2003 انتشر مثلا لقب "دولة" كبديل للقب "رفيق" في عهد حزب البعث. وبدأ العراقيون فجأة يسمعون أولا بدولة رئيس الورزاء نوري المالكي. ثم نال اللقب، كما يبدو، إعجاب رئيس الجمهورية ونوابه ورئيس مجلس النواب ونوابه ونواب رئيس الورزاء وغيرهم. وهكذا نشأت أيضا دولات "فضائية" كثيرة. ومع انهمار أموال النفط أصبحت الدولة العراقية وليس "دولة" رئيس الورزاء تعيل جيشا من المستشارين ووكلاء الوزراء والمدراء العامين دون أن يعرف أحد حقيقة وظائفهم. وينطبق عليهم في كثير من الأحيان وصف القرآن :"أسماء..ما أنزل الله بها من سلطان" .
ولم يتردد زعماء تيارات سياسية معينة في إطلاق لقب "القائد" على أنفسهم دون مراعاة لحساسية العراقيين تجاه هذا اللقب الذي ارتبط على مدى عقود طويلة "بالقائد الضرورة". ولم يتعظ هؤلاء من تجربة "قواد" آخرين وفي مقدمتهم الفوهرر الألماني (هتلر) والرهبر الايراني (الخميني) وما تسببوا به من كوارث بحق شعوبهم.
ومن الغريب جدا أن تمتد ظاهرة الألقاب الفخمة إلى الوسط الديني أيضا حيث استسهل بعض رجال الدين الأمر وأصبحوا فجأة "آيات الله العظمى". ولا يعد محمود الصرخي المثل الوحيد في هذا المجال.
إن فوضى إطلاق الألقاب الفخمة هي في نهاية المطاف تعبير عن فوضى القيم والمقاييس في المجتمع. ويبقى الأمل بأن ينجح العراق في حربه ضد الارهاب والتخلف ويتجاوز محنته لكي تستعيد هذه الألقاب سمعتها وتصبح بالفعل حافزا للإبداع ونكران الذات ولتقديم إنجازات استثنائية. وحتى ذلك الحين سنبقى نردد المثل الياباني "الجنرلات ينتصرون والجنود يموتون".