تاريخ العراق وبابل أعظم من أن يزال

جعفر المظفر
2016 / 6 / 21

تاريخ العراق وبابل أعظم من أن يزال
جعفر المظفر
دعوني أعيد عليكم قصة رسول سعد إبن أبي وقاص مع كسرى فارس دون أن يدخل في ظنكم إني أرويها بلغة قومية هدفها التعالي والتنابز, وهو أمر سيتم حينما تستدعى قصص تفوح منها رائحة الإستهانة بالآخر.
وربما أن القصة ذاتها لم تحدث حرفيا, لكن المعنى الكبير يتجاوز حدود الحبكة والبناء الفني للرواية إلى بنائها الإيحائي وهدفها الرمزي.
تفيد الرواية أن رسول سعد نقل إلى هرمز أو إلى كسرى نفسه إنذار سعد بالخروج من العراق فما كان من كسرى أو قائده العسكري سوى أن يأمر أتباعه بملء كيس من تراب فارس وتحميله على كتف الرسول ثم إرساله إلى سعد ظنا أن في ذلك إهانة لسعد وتحقيرا لمطلبه. بقية القصة معروفة. وزير كسرى لفت إنتباه قائده أنه أهدى سعد أثمن ما تملكه فارس وهو ترابها.
بالتأكيد أنا لا يهمني من القصة هنا سوى جانبين : ما نتعلمه من القصة وما تذكرنا به. ما نتعلمه منها أن هناك أشياء ثمينة قد ترتقي إلى الرمزية ولا يمكن التفريط بها وأولها تراب الأرض, والوزير الفارسي الحكيم لم يكن أخطأ حينما إعتبر أن أثمن ما تملكه فارس هو ترابها الذي كان من الواجب ان يحمل ملكها حفنة منه ليقبله لا كيسا ليهديه.
أما الذي تذكرنا به القصة فهو أن فارس الإمبراطورية كانت إحتلت العراق حينها, وبين ثنايا ذاك الإحتلال كانت هناك الهيمنة على بابل, وقصة السبي اليهودي قبلها على يد العراقي نبوخذنصر تخبرنا أيضا أن رمزية بابل نفسها لا تكمن في بوابتها أو أسدها أو في جنائنها المعلقة وإنما في كونها إسما لتاريخ يخبرنا أن بإمكان العراق ان يكون بلدا عظيما وأن يخرج من أزماته الحالية واللاحقة إذا ما تذكرنا انه كان أحد أعمدة التاريخ الأساسية.
إن تجار الدين والكثير من عمائمه لم يكفهم أنهم وسياسييهم قد حولوا أرض العراق إلى خرابة, ومجتمعه إلى مجموعة مشردين وجوعى.. لم يكفهم أنهم فرشوا العراق أمام بساطيل الجند الذين ضربوا بها قبر نبوخنصر صائحين, ها نحن عدنا مرة أخرى, مذكرين إياه بثارات السبي اليهودي, بل أراهم حملوا إسم بابل على نعش ليقدموه هدية لسليماني حتى يعود وعلى أكتافه تراب الأرض التي كانت منذ الأزل شوكة في عيون كل من يفكر بغزو العراق وإحتلاله.
إن الإمام الحسن هو إبن علي بن أبي طالب, عظيم من ظهر عظيم, وأباه هو من كان إتخذ الكوفة عاصمة للدولة الإسلامية حيث كان أحد أسمائها (كوفان) وكان مؤسسها سعد إبن أبي وقاص التي إختارها في البداية كمعسكر لجنده, فلا إبن أبي طالب ولا أي واحد من صحابته كان قد إقترح تغيير إسم الكوفة, وظل إسمها مع مدينة البصرة التي أسسها عمر بن الخطاب على حالها أيضا رغم أنها شهدت واحدة من أكبر معارك الإمام وهي معركة الجمل, فهل سيتغير إسم البصرة التي تحولت إلى رمز لقيم النخوة والكرم والثقافة لكي يرضي هذا النظام المتفرسن وكل رجالاته المعممين وغير المعممين, وإذا ما كان علي وأبناؤه البررة العظام قد إستشهدوا على أرض العراق فذلك يجب أن يضيف إلى مكارم هذه الأرض لا أن يأكل منها شيئا وخاصة إذا كان هذا الشيء برمزية بابل نفسها.
إن إبدال إسم بابل بإسم الإمام الحسن سوف لن يضيف لعظمة الرجل أو يكرمه وإنما هو سيأكل منه لأنه يستعمل أسماء الإئمة العظام لمسح تاريخ وإسم بلد كان من عظيم مكارمه أنه إستضاف مراقدهم على أرضه وشرفوه يوم صارت هذه المراقد فيه, فالأشياء العظيمة لا تمسح بعضها وإنما يضيف الواحد منها إلى الآخر ما يحمله من طيبات..
ايها السادة .. لقد سرقتم حاضر هذا البلد وضيعتم مستقبله فإبقوا له تاريخه, أم أن واجبكم صار تفليشه حاضرا ومستقبلا وتاريخ.
وإعلموا أن بابل أثقل من أن يحملها سليماني على كتفه ليدخل بها مزهوا على خامنئي وهو يقول: ها قد جئت لك مولاي نائب الإمام بتاريخ العراق وسآتي لك غدا بكل ما فيه, فتعاد علينا هذه المرة قصة الكيس الذي لا يحتوي على تراب بابل وحده وإنما على رأس أسدها أيضا.