عندما تصبح الشعارات الدينية رصاصاً لغوياً!!

سامي عبد العال
2016 / 6 / 21

في تاريخ الاسلام السياسي لم تنقطِّع الشعارات الدينية حرباً أو سلماً. فالشعار "إمكانية وجود متعالٍ" ability of transcendental being يعوض عجزاً حاصلاً في هذا التاريخ. لكن العجز عن ماذا؟ للمتسائل أنْ يضع كلَّ ما يحض الحياة على الاستمرار. الإجابة نصف إبانة مقتضبةٍ. حيث كان الواقع بالنسبة لحال المسلمين كسْراً مضاعفاً. هو غائب أصلاً وغير متاح من خلال رؤية واضحة المعالم. لأنَّهم يرونَّه بواسطة مذاهب وحواشي وآراء وفتاوى لا كما هو. وهذا أخطر وجود يطلعنا على: ماذا يحدث الآن أو بعد الآن؟! فلا يوجد لدينا ما يسمى بالزمن. الآن الزمني مُصادَّر لحساب قوى تراثية غابرةٍ، أو مؤجّل تحت وطأة العجز المزري عن الفعل.
والواقع بهذا ليس واقعاً إنما صورة تبتلعها مقولة أو عبارة مأثورة. بالتالي تُختَّزل الاشياءُ إلى درجة التلاشي، إلى درج الخفة. وقد يظن الإنسانُ مطاردتها(الأشياء) بجملةٍ مرئية تصوغ أيديولوجيا المقدس. لأنَّ الشعار أحد ألوان التعبير الحاصل بحكم "صك اعتقادي" لا راد له. هو علامة تعجب تصطدم بمتلقيها فتفقده التوازن. لا بسبب مضمونها فحسب ولكن لكونها تقول أيضاً: لا ترُد، لا تتَّمرد، لا ترفُض. فعبارته تقصد ايقافك، وتقييد حركة عقلك. إنَّها كذلك ولن تكون غير ما تسير بشكلٍّ دجمائي dogmatically.
من جانبٍ آخر فإنَّ الأزمات الحضارية تحيط المسلمين من كلِّ جانب. تحيق برقابهم كقيد لا يجدون منه بُداً ولا مهرباً. حتى باتت الأفكار مادة يوميةً تنقلب بعنف شعاراتي إلى حلول وهميةٍ للمشكلات. في الاقتصاد والسياسة والتعليم والثقافة والاخلاق. وحدها الشعارات استطاعت امتصاص طاقة الفكر العربي الاسلامي على خوض غمار الممارسة. ولدى ما نسميهم مفكري العرب تلبس القضايا بعض أوهامها. مثل: التراث- الحداثة، الاصلاح – النهضة، المدنية- الديمقراطية، التجديد- التحديث. كلماتٌ هي أغلفة ورقية لا تلوي على شيء عميق معرفياً. في ثنائيات متضادة وعنيفة.
على ذلك كانت المشروعات الفكرية لدى العرب المعاصرين شعارات لا غير. وهي فقاعات لغوية محلقة فوق سُحب الخيال. لأنَّ بنية الفكر لدينا ليست تاريخية كما قلنا. ولم تخُض تجربة فاعلةً في الواقع المعيش. فجاءت هياكل مفرغة. وهي أشبه بانتفاخات نتيجة عسر هضم بطول الصراع على الحقيقة والسلطة. لهذا كانت الحوارات بين المفكرين خنادق لاهوتية تستعيد التمزق تحت ضغط النعرات الجهوية والأيديولوجية.
بالضبط كما دار بين حسن حنفي وعابد الجابري في كتابهما حوار المشرق والمغرب. إنه ليس أبعد من "شعارين وهميين" يتناطحان خلال عصر يعصف بمنطق اللغة المغلَّظة. فلا توجد تحليلات منهجية بل مسلمات تستبطن الآراء. وتتأرجح بنبرتين: دفاعية وهجومية. وخير وسيلة للدفاع الهجوم داخل حلبة الديوك. كأنَّ ثمة اتهامات مذهبية للشرق العربي من الغرب العربي، ثم لهذا الغرب من ذاك الشرق... هكذا دواليك.
إن ذلك أسس لـ"عقل شعاراتي" لم يقارب الأحداث بلا خطابة زاعقة. إنه عقل ملتف حول نفسه فقط. وهو مثل سنوات التيه التي مر بها بنو اسرائيل لا يجدون مخرجاً. ولذلك سيحُول تدريجياً دون التفكير العقلاني. حتى وإنْ كان صاحبه يرفع لافتات عقلانية نقدية. وربما كان الموروث اللغوي المتعلق بإلقاء الأشعار في أسواق عامة كسوق عكاظ مُساهماً في جعل الشعارات مادةً في ذاتها. رغم كونِّها مقولات شديدة العمومية. فضلاً عن أنَّها مهملة السياق والمعنى.
كان ذلك تحدياً لم يعيه التيار الاسلامي حينما أخذ السلطة بعد الربيع العربي. لماذا كانت شعاراتهم سلاحاً لإرهاب الخصوم؟ لم تكن دولتهم المنتظرة مجرد "شعار وختم وسيوف". إنها معلقة كأيقونات في رقبة متبني هذه الأيديولوجيا. تماماً مثل القط الذي يحمل جرساً صارخاً في رقبته. وكلما مرَّ بطريق كان صوته المرتفع وسيلةَ التنبيه الأولى لوجوده. والتيار الاسلامي فعل ذلك دون تقديم شيء له رصيد حقيقي.
فكرة الحدث داخل الذهنية الاسلامية كان حدثاً قائماً على اللغة. أنه يشترط ميلاداً خاصاً داخل الكلام قبل أنْ يمس الحقيقة. والقول بكون القرآن كلاماً معجزاً انقلب لدى المسلمين إلى اعتباره كتاباً سحرياً لمعالجة الأمراض الفكرية والجسمية والنفسية. من ثم قرَّ لدي الأفراد أنَّ العيش في النص أولى من الواقع. ومتى نُطق به كان كفيلاً بتحقيق ما يريدون. ولهذا كانت الشفاهية هي الأثر الأقوى للحقائق.
هكذا اللغة عبارة عن أقوال عائمة ليست الواقع فيها إلاَّ مضموناً وهميَّاً. فقد يكفي امتلاك الشعارات والعيش في كنفها لإدراك ماهية الأحداث. وليس ذلك حكراً على تيار ديني بعينه قدر ما يخترق كافة الاتجاهات التي تتحدث بنفس المنطق اللاهوتي. فالدولة الاسلامية شعار، تطبيق الشريعة شعار، السلطة شعارات في شعارات. وبالتالي أضحى السؤال ملِّحاً: أليس الدين السياسي كلُّه شعاراً لا أكثر؟
دون مبالغة فإن مراحل الإسلام السياسي ارتبطت بالشعارات من مرحلة إلى أخرى. والآن سنقف على أهم معالمها.
 النهاية العنيفة: الشعار الديني كلام منتهٍ لا تكملة له. إنَّه حد باتر كقطيعة الموت. ربما لو تأملناه لوجدنا حكماً معيارياً بلا جدال. فـ" شعار الاسلام هو الحل"... ليس عبارة بسيطة لكنها خطاب قاطع الدلالة. وهو دفع المتلقي وجهاً نحو حائط سد. وإذا استدار لن يجد غير ملاحقته بنقيض الاسلام فوراً. أي سيتم الحكم عليه بالكفر البواح. والنهاية صدمة لا تساويها إلاَّ حادثة مفاجئة ومفرطة الإدهاش.
إذن هناك... أولاً: حكم واجب النفاذ. بحيث إذا فوجئ المتلقي بالشعار لن يجد مناصاً منه وإلاَّ لقطعه حكمٌ بالخروج عن الإسلام. ثانياً: هناك مقياس ضمني لا تشذ عنه الجماعة أيا كان اختلافها. ثالثاً: الشعار مبرر لعمل أي شيء مهما يكن. لأنّه يجمع (في جوف واحد) بداية الإيمان أو الكفر ثم النهاية الدرامية. رابعاً: كونه يحل كافة المشكلات دُنيا وأُخرى. وهو بذلك يعانق استحالة اللغة في إطلاقها. خامساً: يجعل اللغة آلية تغطية، حجب. فالعبارةُ القصيرة تشجب أية سلبيات دونها. كما أنها تحمل واقعها النموذجي حتى وإن كان كله سلباً للحقائق. سادساً: الشعار طيات من العنف الرمزي. لأنه قذيفة تخترق خصوصية المكان والزمان. ويكرس لدى المؤدلجين التوجس تحفزاً للفتك بغيرهم.
 التعويض الميتافيزيقي: كل شعار يضمر تعويضاً لفقدان ما. إنَّه اقتصاد ادخاري لفجوة قائمة وملحة بين اللغة والمقدس. ثمة استحالة الوصول إلى المقدس بحكم انحجابه الأبدي. وثمة استحالة القداسة لإنسان أو لكلماته. وبالتالي سيحل الشعار المعضلة المتوقعة. إنه يستحضر المقدس بضربة تعويضية توازي نأيَّه وغموضه. ولذلك ينبني كل شعار على هذا الفقدان الميتافيزيقي.
عبارة "الحاكمية لله" تعويض لواقع مفقود. ناهيك عن كونها ضرباً في مجهول الواقع. وذلك دونما ترجمة حقيقية للمعنى ولا للنتائج المترتبة عليها. كما أنها عبارة توازي الصمت المطبق. فوم تقل شيئاً من أساسه. مثلها مثل الايمان بوجود الإله. فليس الأخير مجالاً لوجود خارجي وموضوعي. لكنه نقل حالة خاصة إلى مرتبة عامة دون تغيير في جوهر المشكلة. إذن كيف لهكذا شعار أن يحمل خلافة إسلامية؟!
 العلامة المرئية: يؤكد الشعار الديني ثباتا بصرياً لمضمونه. وبذلك فهو نسيج مرئي من اللغة المنطوقة دائماً. هذا التعبير الطافح بمركزيته التي تنطلق في فراع متسع. كم رأينا أثناء الأحداث الربيعية تحول الشعارات إلى أيقونات جرافيك graphic icons. ذلك لكون المقدس مخاتلة بصرية تعلق بذاكرة لا تمحى بسهولة. لقد حرصت جماعات التظاهر الديني على اعلان الشعار كصورة عالقة بهذا الظهور. ففي أي تحرك نجد كتابات على الجدران، وعلى الأسوار، ولافتات محمولة وسواها مرقومة على قماش انسيابي. لم تكد تختفي حتى تبدو موجودة هنا أو هناك.
الإخوان تحديداً يرفعون شعارهم كعلامة محفورة. ليس فقط في التاريخ الراهن لجماعة تجيِّش أنصارها لإسلام زاحف، بل خلال عصور سحيقة. يحمل الشعار سيفين بينمها مصحف ورقي بالأعلى ثم كلمة" وأعدوا" بالأسفل. وهي مأخوذة من نص القرآن" وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم". كل ذلك الترميز على خلفية خضراء. والشعار وسط دائري كأنَّه عملة نقدية قابلة للتداول اللانهائي.
فالسيفان تعبير عن القوة الآتية من العهد الأول للإسلام. ولا يخفي معناهما الناقل لمعارك مبكرة بين المؤمنين والكفار. وأنَّ الزمن لا يهيل تراباً عليها بل ستكون قابلة للتجدُّد. وأن الصراع والتحارب مازالا ناشبين إلى اللحظة. والسيفان يحيطان المصحف بزخم الترهيب والعنف. يقولان لا يوجد مصحف بدون سيف. لكن اقترانهما يلغي تلقائياً بشكل غير مقصود وجود إيمان حر. والإخوان بعملية الاحتشاد يؤكدون الزحف القائم على إعداد طويل. سرعان ما ظهرت عواقبه أثناء توليهم السلطة بمصر. فنظرتهم المحدودة لم تكن لتخبرهم بأن الشعار إرهاب مباشر. وأنَّه دعوة مجانية للنفور من الجماعة وماذا تريد على وجه الحقيقة. وحتى بعد دخولها اللعبة السياسية لم يختف الشعار.
 اخفاء الحقائق: شعار داعش أبرز الشعارات التي تخفي أكثر مما تظهر. هذه الراية السوداء التي تحمل توقيعاً هو الشهادة الأولى للإسلام. وكذلك تأتي أحياناً عبارة: خلافة على منهاج النبوة!! ربما يقول قائل بالعكس إنّه شعار يظهر: ماذا كان مفهوم الجهاد طوال الصراع بين المسلمين وغيرهم. لكن المقصود أنه يعلن الشهادة داعياً إلى نقطة التقاء صراعي مع غيرهم. وهو تبرير لكل عمليات دموية بنفس الطريقة. ذلك دونما اعتبار لأي شيء آخر من حقوق أو قوانين أو قيم.
ولهذا كان الشعار الداعشي تبريرياً. بمعنى أنَّ الداعشي يقتل ليقول باسم هذا الجهاد أُبيح لنا سفك الدماء. وبه نستأصل الحضارة لكون الشهادة تحضنا على هدم ما يخالفها وإن كان تطوراً. فهي النقطة البدئية للإيمان. وكذلك النقطة البكر لمظاهر الحياة. وهذا خلط بين الإيمان والواقع والزمن. بالتالي يحض الشعار على الحياة الرعوية البدائية بخلاف العمران والتمدن. إذ يأتي الشعار نمطاً من العيش في كنف حياة ماضوية. حياة خارج الحياة بالمرة.
 الشحن الجمعي: مثّل الشعار مهمازاً لتحرك الجموع لدى الإسلاميين. في أوقات الحشد كانوا يحتاجون إلى أداة استنفار عنيف. دوماً ليس الشعار لديهم فردياً. على هذا المستوى يغدو ملتبساً بالإيقاع المادي. فلعلنا راقبنا الترديد المتواصل: "إسلامية...إسلامية.. لا شرقية ولا غربية، لا ليبرالية ولا علمانية". ما الذي سيضيفه هذا الترديد؟
المسألة ليست إضافة طالما أنه يخلق حالة إدماج شعوري غالب. وبالتالي العبارات الدينية وظيفية، شفرات الحشود للتكتل الجسدي. وعلى مداه الأبعد يلقي بوجودهم إلى الأمام. أي يلغي إمكانية التعقل الفردي لحساب أمر حركي. وإنْ جاء انخراطاً في اعتداءٍ عام. لقد بدا واضحاً أنَّ الأفراد بالترديد السابق يرتكبون ما يفعله الأخرون دونما تفكيرٍ. فالعبارات أثناء الاشتباك والاعتصام كانت طلقات نارية تنتهك أية حدود.