الدولة المصرية ومواطنيها المسيحيين

رفعت عوض الله
2016 / 6 / 21

الدولة المصرية ومواطنيها المسيحيين
منذ أن غزا العرب المسلمون مصر في القرن السابع الميلادي وتحويلهم مصر من ولاية رومانية إلي ولاية إسلامية تتبع عاصمة الخلافة في المدينة ثم دمشق ثم بغداد ثم الأستانة عاصمة دولة الخلافة العثمانية
اقول منذ دخول عمرو بن العاص بجيشه الصغير مصر وتمكنه من البلاد وطرد الرومان عمل الحكام الجدد بدأب وتخطيط طويل النفس علي التضييق علي المصريين المسيحيين الذين شكلوا غالبية سكان مصر آنذاك من خلال فرض الجزية وتحصيلها يطرق مهينة ،وحرمانهم من حمل السلاح الذي كان مقصورا علي اهل الشرف والكرامة، فهم أي ابناء مصر الاصليين كانوا بنظر العرب أقل شرفا ومكانة لذا لم يثسمح لهم بان يكونوا جنودا
فُرضت قيود ثقيلة علي المصريين في الركوب ولبس الزي العام وبناء الكنائس ونرميمها ، فضلا عن تهميشهم وحرمانهم من تبوأ الوظائف العامة
تعرضوا لتحريض أئمة المساجد الذين دفعوا العامة لنهب وسلب بيوتهم وكنائسهم بين الحين والاخر
نظرت لهم في العموم الرعية المسلمة نظرة أستعلاء وتحقير واتهام بالشرك
نعم لم يكن التعامل مع الرعية المسيحية من المصريين يسير علي منوال واحد فشهدت بعض الفترات تخفيفا من اضطهادهم وقدرا من الاحترام بل استوزرهم وعهد إليهم يمناصب كبري بعض الحكام والخلفاء ،ولكن في المجمل السمة الغالبة التعنت والمغالاة في الشدة معهم وتركهم من قبل السلطة حين يهيج عليهم العامة والغوغاء
انعكس كل هذا في تحول تدريجي للعدد الاكبر من المسيحية للإسلام بدافع غريزة الحياة وتجنب الاذي، وهكذا صار غالبية المصريين مسلمين
في بداية القرن التاسع عشر أستطاع المصريون لاول مرة تنصيب محمدعلي واليا علي مصر رغم انف الدولة العثمانية
كان هذا الرجل كبير العقل والطموح وذا خيال واسع فعمد إلي تأسيس الدولة المصرية الحديثة فاحدث نهضة تعليمية وصناعية وزراعية مع تأسيس جيش حديث قوي وانفتاح علي الحضارة الغربية ، وعدم التفرقة بين المصريين سواء اكانوا مسلمين ام مسيحيين ام يهودا !
رغم كل الجهود الكبيرة التي شهدها عصر محمد علي وحفيده الخديوي إسماعيل ، إلا ان البداية الحقيقية للدولة المصرية الحديثة بدات مع ثورة المصريين المجيدة في سنة 1919 بيد ان هذه البداية لم يكن لها ان تقوم لولا محمد علي وإسماعيل
رفع المصريون جميعا شعار مبدا المواطنة " الدين لله والوطن للجميع " في تلك الثورة العظمي ، وبذا خرجت مصر من عباءة الدولة الدينية التي تميز وتحابي رعاياها الذين يدينون بدين الدولة الرسمي علي حساب رعاياها الذين يتبعون اديانا أخري ،ودخلت في إطار دولة المواطنين التي تساوي بين الجميع بغض النظر عن الدين
وهذا يعني من زاوية اخري علمانية الدولة فالوطن للناس وشؤونهم وقضاياهم السياسية والأقتصادية والاجتماعية والفكرية اما الدين فهو شان بين الإنسان وربه " الفصل بين المطلق والنسبي "
ترتب علي الثورة إعلان قيام المملكة المصرية المستقلة وتأليف دستور 1923 المستمد من دساتير الامم المتقدمة والقائم علي مفهوم المواطنة وحقوق الإنسان والفصل بين السلطات
شهدت مصر فترة قصيرة شبه ليبرالية ما بين 1919و1952 شاعت فيها قيم الحداثة والمواطنة مما دفع بالمصريين المسيحيين للمشاركة علي نطاق واسع في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ،فكانت فترة ذهبية لهم قياسا علي ما حدث بعد يوليو 1952
نظم بعض من ضباط الجيش المصري الصغار تنظيما سريا تحت اسم " الضباط الأحرار" احتجاجا منهم علي وجود الانجليز بمصر وفساد الملك وتهافت وصراع الاحزاب السياسية علي الفوز بالحكم وممالأة القصر والانجليز
لاحظ ان تنظيم الضباط هذا لم يكن به ضابط واحد مسيحي ،ولاحظ أيضا ان عددا كبيرا من اعضائه كان علي صلة بجماعة الاخوان ومصر الفتاة والأحزاب الشيوعية ،وهذا يعني تشربهم للأفكار الشمولية ومعاداة الحداثة والديمقراطية، والشك في وطنية وإخلاص المصريين المسيحيين !
نجح اولئك الضباط في إزاحة الملك وإعلان قيام الجمهورية فحلوا الاحزاب و صادروا الثروات الشخصية وامموا المصانع والشركات واستبعدوا المصريين المسيحيين من المشاركة في الحياة العامة ،ومهدوا لحكم الفرد المستبد، ونكلوا بكل معارض تنكيلا قاسيا ،ووصفوا العهد الملكي بالعهد البائد
في عهد عبد الناصر عاش المصريون المسيحيون التهميش والأستبعاد من مناحي الحياة العامة ولكنهم لم يُضطهدوا ولم تتعرض عقيدتهم للنقد والتجريح ولم يشهد العامة محاولات تعبئة وتحريض ضدهم فعاشوا في سلام رغم وجود الشك من قبل السلطة في وطنيتهم وولاءهم !
بعد كارثة هزيمة 1967 وإنكسار مشروع عبد الناصر القومي المعادي للغرب حدث توجه ديني لا شعوري للعزاء والخلاص من مرارة الهزيمة القاسية استغلها دعاة الإسلام السياسي للترويج لضرورة عودة الدين للمجال العام فاذا فشل المشروع القومي والاشتراكي فلأننا بعدنا عن الإسلام
رحل عبد الناصر في 1970 وحل محله السادات الذي اراد تأسيس طريق خاص به " لاحظ ان المسار رهن بتوجه الحاكم الفرد ومزاجه وقناعاته الشخصية " فانقلب علي نهج سلفه ،ففتح السجون والمعتقلات فخرجت رموز الاصولية الإسلامية والإسلام السياسي وانفتح امامهم المجال العام في المدرسة والجامعة والنقابات المهنية والتلفزيون والشارع والمسجد وشيئا فشيئا تأسلم المجال العام ومرافق الحياة المصرية ،وجاء قول السادات : " أنا رئيس مسلم لدولة مسلمة "معبرا عن المناخ العام في مصر
في ظل أسلمة الحياة في مصر وتنامي الهوس الديني ظهر التعريض والتحقير للعقيدة المسيحية ، وظهر الاستعلاء والتعدي علي ممتلكات وكنائس المصريين المسيحيين وتنامي الامر واصبح ظاهرة لافتة للانظار بدءا من كنيسة الخانكة في 1972 ومرورا باحداث الزاوية الماساوية
لاحظ ان الدولة المسؤولة عن إقرار القانون وحماية حياة وممتلكات المواطنين تكاد تكون لم تفعل شيئا لردع المعتدين مما شجعهم علي أرتكاب المزيد والمزيد من الجرائم بحق المصريين المسحيين !!
قُثل السادات بيد من اخرجهم من السجن وتواطأ معهم، وجاء مبارك في سنة 1981 فقرر في نفسه الا يلقي مصير سلفه فعقد إتفاقا غير مكتوب مع الأخوان وكافة اطياف الإسلام السياسي ينص علي ترك الشارع والمجال العام لهم مقابل ان يتركوه يحكم . وكان معني هذا أن ازداد تاسلم الحياة المصرية، وان ازداد الضغط علي المصريين المسيحيين
وان ازدادت الحرائق بحق المسحيين وارواحهم وممتلكاتهم وكنائسهم ،وكالعادة لم تلقي الدولة وأجهزتها الامنية بالا وتركت الجناة يرتكبون جرائمهم دون عقاب ،فالضميرالجمعي لعامة المصريين ومعهم المسؤولين بالدولة تنظر للمصريين المسيحيين نظرة دونية فدولتنا ومجتمعنا خليط بين الديني والمدني !!
ظل الامر هو هو بعد هبة المصريين الكبري في 25 يناير 2011 وعزل مبارك وإدارة المجلس العسكري للبلاد ، ومن دواعي السخرية ان المجلس العسكري عهد للشيخ السلفي محمد حسان وصفوت حجازي بمعالجة اثار حرق كنيسة قرية صول بأطفيح فهل كان المجلس العسكري ناسيا ان المدعو حسان والمدعو صفوت يحرضان في المسجد وفي التلفزيون عامة المسلمين علي المصريين المسيحيين وينددان بالعقيدة المسيحية ؟!
وفي اعقاب فض أعتصام مسجد رابعة نكل الاخوان والسلفيون بالمسيحيين خصوصا في مدن وقري المنيا حتي ان عدد الكنائس المحروقة والمدمرة بلغ 70 كنيسة فضلا عن قتل ونهب وحرق طال المسيحيين وبيوتهم !
أستبشر المصريون المسيحيون خيرا برحيل مرسي وانتخاب الرجل الوطني عبد الفتاح السيسي الذي زارالكاتدرائية في ليلة عيد الميلاد لاول مرة في التاريخ منذ مجئ عمرو بن العاص في سنة 641م
ومع عظيم تقديري لشخص الرئيس وعظيم تقديري لزيارته وتهنئة المسيحيين وعظيم تقديري لعدم تعصبه وتنويهه بما تحمله المواطنون المصريون المسيحيون
إلا انه ليس هكذا نحمي المواطنين المصريين المسيحيين من أذي وأضطهاد وتحقير عامة المسلمين خصوصا في الصعيد رغم توجه السيسي فما زال الاستبداد والتنكيل وحرق الكنائس وإهانة الناس مستمرا بنفس الوتيرة ولعل جريمة تعرية سيدة المنيا من ملابسها وحرق 7 بيوت ونهبها وترويع الناس بقرية الكرم بالمنيا وتقاعس اجهزة الشرطة والمحافظ وقوله ان الامر بسيط في رأي ذلك المحافظ الغير جدير بمنصبه يعكس مدي إستهانة المسؤولين وأستخفافهم بما يحدث للمصريين المسيحيين
وهذا ما يدفع العامة إلي ارتكاب المزيد والمزيد من الجرائم بحق مواطنين نظريا هم مساوون لهم!!
منذ الحملة الفرنسية في نهاية القرن 18 ومجئ محمد علي في بداية القرن 19 ومصر تحاول الخلاص من براثن الدولة الدينية وتأسيس دولة حديثة علي دعائم المواطنة والمساواة وحقوق الإنسان والديمقراطية والعلمانية ، إلا ان تلك الجهود الدؤوبة تحطمت علي صخرة الدولة الشمولية ودولة الحاكم الفرد التي أسستها حركة يوليو 1952 والتي صبغت الحكم بميول وإرادة ومزاج الحاكم بدءا من عبد الناصر الذي كان له توجه خاص ثم السادات الذي كان له توجه مضاد ثم مبارك المحافظ علي ارث السادات والذي كان همه وشغله الشاغل هو البقاء في الحكم وليذهب المصريون إلي الجحيم!
لكي نتخلص من براثن الدولة الدينية ونصير دولة حديثة فعلا وليس مجرد قول وإدعاء كاذب مزيف علينا بالعلمانية وتجذير مفهوم المواطنة وحقوق الإنسان وإعلاء قيم الديمقراطية الحقيقية
عار يجللنا جميعا بالخزي ان يقوم بعض المهووسين المحكومين بالأستعلاء الأجوف واحتقار المغاير لهم دينيا يتجريد تلك السيدة المسنة من ملابسها تحت سمع وبصر اجهزة الدولة الامنية والتنفيذية
والذي يملأ نفوسنا مرارة هو استهانة المسؤولين الذين يمثلون الدولة بما حدث !
كم هو طويل ووعر طريق الدولة المصرية الحديثة !! ولكن لا مناص من السير فيه رغم صعوبته
رفعت عوضالله
كاتب وباحث
refaat.awadalla@live.com