الحملة الداعشية الأميركية الجديدة على سوريا

بدر الدين شنن
2016 / 6 / 20

في الوقت الذي ’جمدت فيه مفاوضات الحل السياسي عمداً ، بالطلبات الأميركية والسورية المعارضة الموالية المتشددة ، " وداعش " وشركاؤه في الإرهاب ، يتلقون الضربات الموجعة من الجيش السوري الوطني ، وبدء التردد في الخيارات الأميركية الأطلسية ، في التعاطي مع الحرب السورية ، بين الحفاظ على مشروع الإرهاب في إسقاط النظام السوري ، والتغيير والهيمنة على الإقليم ، وبين الحفاظ على الأطر العامة للنظام بمشاركة نسبية من المعارضة في الحكم ، وتحجيم الجماعات المسلحة ، وترحيل الأجنبي منها ، بحل سياسي قابل للإلغاء والتعديل لاحقاً ، تقدم خمسون موظفاً كبيراً في الخارجية الأميركية ، بمذكرة إلى الرئاسة الأميركية ، يطالبون فيها بتدمير الدولة السورية ، ومؤسساتها ، وخاصة الجيش السوري الوطني ، الأكثر خبرة وتصدياً " لداعش " ولشركائه في الإرهاب في سوريا .

من هم هؤلاء الذين وقعوا المذكرة .. من يقف خلفهم .. وإلامَ يرمون ؟ ..

من المؤكد أن ا، الموقعين على المذكرة ، الداعين لمزيد من الحرب والعدوان بأسلوب داعشي همجي ، ليسوا موظفين صغاراً ، أو عاديين ، يشغلون وظائف عادية في الوزارة ، وإلاّ لما جرى كل هذا الاهتمام السياسي والإعلامي الأميركي والدولي بهم وبمذكرتهم ، وإنما هم دون أدنى ريب ، يشغلون مستويات وظيفية مؤثرة في السياسة الخارجية الأميركية .
ما يدل على ذلك ، هو التأييد السعودي الفوري للمذكرة ، تعبيراً عن مطابقة مضمونها ، وما ترمي إليه ، مع سياسة المملكة السعودية المدمرة في سوريا .. وغير سوريا .. ووراء المملكة ما وراءها من تحالفات مع " لوبيات " سياسية واقتصادية وعنصرية وشخصيات أميركية نافذة ، ومن علاقات عربية رجعية ودولية استعمارية عريقة ، بما فيها إسرائيل .
الأمر اللافت أن المذكرة عمل غير معتاد في النظام الوظيفي الرسمي ، وأنها صدرت عن موظفي جهاز وزارة " جون كيري " بالذات ، الذي هدد سوريا وروسيا قائلاً " إن صبر أميركا في معالجة الوضع بحلب يكاد ينفذ "

ما مفاده ، أن هناك مركزاً هاماً ، من مراكز صنع القرار الأميركي ، قد نقل رأيه إلى العلن خارقاً الانضباط ، في وزارة أميركية سيادية هامة ، وتحرك مطالباً بإعادة النظر في الموقف الأميركي من الأزمة السورية ، بالتشدد والتوسع في الحرب السورية ، ومن إجراءات متغيرات الشرق الأوسط ، إعادة ترمي الحلول السياسية جانباً ، وتعود بأميركا ، بمشاركة قوى الإرهاب في سوريا والمنطقة نهائياً ، إلى الحلول الهجومية العسكرية والحرب . ولوضع سياسة خارجية هجومية ملزمة أمام المرشحين لانتخابات الرئاسة الأميركية المقبلة .
وما أعطى المذكرة هذا الوزن الهام ، إنها تقاطعت مع التصعيد العسكري الأميركي والأطلسي ، في الحرب على سوريا ، وإرسال آلاف الجنود الأطلسيين إلى الداخل السوري للمشاركة بالحرب السورية ، وتسليح الجماعات الإرهابية الموالية " المعتدلة " ، والحشود البحرية والجوية الأميركية والأطلسية والرجعية العربية ، استعداداً لاحتمالات صدامات دولية ، لحسم السيطرة على الجغرافيا السياسية شرقي المتوسط ، وجاءت كعامل مشجع على مواصلة تجميد مؤتمر " جنيف " ووقف المفاوضات السورية ـ السورية ، وتلاقت مع الخطة " ب " الأميركية الحربية ، التي هدد بها " جون كيري " الطرف السوري وحلفاؤه ، إذا فشلت المفاوضات ، " التي ’أفشلت مسبقاً " .

ولذا كانت ردود الفعل على المذكرة ، وخاصة من روسيا عنيفة جداً .. تتناسب ومستوى المسؤولية الوطنية الروسية وطموحاتها الدولية . إذ أن أي عملية عسكرية أميركية ضد الدولة السورية ، والجيش السوري الوطني ، تستهدف حكماً القوات الروسية في سوريا ، التي تشارك الجيش السوري بطلب من الحكومة السورية ، في التصدي للإرهاب ، وتستهدف الدولة الروسية ، ومكانتها الدولية المتنامية في الصميم . وقد تمثل ذلك بتصريح الروسي " بوتين " الجاد والواضح أمام مؤتمر دولي في سان بطرس بيرغ " إننا نعمل على منع انهيار الدولة السورية .. لأن انهيار الدولة السورية سيؤدي إلى انهيار العالم " . وهو بهذا التصريح لم يدافع عن سوريا وحسب ، وإنما دافع عن مصائر شعوب ودول إقليمية .. وغيرها خارج الإقليم ، وعن مصير دولة روسيا القطبي الدولي الصاعد ، والحيلولة دون هيمنة قوى دولية كبرى على العالم .
في هذه الأجواء جاء وزير الدفاع الروسي " شويغر " إلى دمشق ، والتقى الرئيس السوري، لمناقشة قضايا عسكرية مشتركة متعلقة بالتعاون ضد الإرهاب . ولها دون شك علاقة بما نشر عن تهديدات أميركية عدوانية ضد سوريا بأشكال مختلفة . إزاء ذلك سارعت وزارة الخارجية الأميركية تحديداً ، للإعراب عن إيمانها بالحل السياسي في سوريا .

بيد أن هناك أمراً كبير الأهمية قد دلت عليه المذكرة ، وعلى اهتمامها به ، دون أن تذكره بالاسم ، ألا وهو أن المذكرة ، رغم كل هذا الضجيج السياسي والإعلامي ، حول مطالبتها بقرع طبول الحرب الأميركية الكبيرة ، ورغم كل التعليقات الصاعدة والهابطة حولها إجمالاً ، إن ما أرادت أن تحققه فعلاً ، بشكل غير مباشر ، هو تنفيذ مخططات قوى إمبريالية فاشية صهيونية ، لها مصلحة عسكرية وسياسية واقتصادية ، في إسقاط الجهود السياسية بحثاً عن حل سياسي للأزمة السورية ، واستمرار وتصعيد الحرب على سوريا

إن تدمير الدولة السورية .. ومؤسساتها .. وخاصة الجيش السوري الوطني ، هو الهدف رقم واحد " لداعش " و " وجبهة النصرة ". والقوى الإرهابية الأخرى المتطرفة والمتصهينة ، وإسرائيل ، والمملكة السعودية ، وبقية الدول العربية الرجعية ، وتركيا ، وحلف الأطلسي ، ولذا إن من يتبنى هذا الهدف هو جزء من هذه المنظومة السوداء ، أياً كانت الراية والشعارات التي يرفعها .. وأياً كانت مرجعيته ، وأيدلوجيته ، والرداء الذي يرتديه .

ولذلك إن الموقعين على المذكرة ، حسب موقعهم في الدولة الأميركية ، يمثلون خطراً فاشياً على المجتمع الأميركي ، والمجتمعات الأخرى في العالم . إذ أنهم لم يقوموا بهذه الخطوة ، ارتجالاً ، وترفاً ، أو مغامرة ، وإنما قاموا بها بعد دراسة المتغيرات السياسية والاجتماعية في الأفق الأميركي والدولي ، من منظور إمبريالي استعماري عريق ، وبعد أن اعتمدوا على ضمانات ودعم كثير من القوى العسكرية والاقتصادية والمجتمعية السوداء في أميركا .. وفي محيط أميركا .

كيف يمكن أن يواجه الشعب الأميركي هذا الخطر .. الذي ينقل الطاعون الداعشي إلى قلب أميركا بصيغة همجية جديدة .. وكيف نواجه نحن العرب .. والشعب السوري المستهدف الأول .. هذه الداعشية الفاشية الأميركية الجديدة ؟ ..

ذلك هو السؤال المصيري الآن ..