تَعَّرْقنوا تَصِحُوا

جعفر المظفر
2016 / 6 / 19

تَعَّرْقنوا تَصِحُوا
جعفر المظفر
في معرض الحديث عن تحرير الفلوجة من أسر داعش المجرمة ذكرني صديق لي بالمنشور الذي كتبته حول علاقة التناسب الطردي بين الإرهاب والإسلام السياسي الطائفي بشقيه السني والشيعي. لا فرق لأن كلاهما يفرشان الأرض رياحينا لعبوره. لكن من الحق التذكير أن الإرهاب يتسع بمساعدة ذلك التناحر الطائفي لكنه لا يتأسس عليه, لذلك لن يصح القول أنه لولا الطائفية لما تأسس الإرهاب نفسه, لأن هذا الأخير له خواصه الذاتية التي تجعله ثقافة قائمة بذاتها ولذاتها, خاصة وإنه ذا فقه وهابي تكفيري كان قد تأسس منذ بدايته على تكفير الجميع سنة كانوا أم شيعة, وهو يقاتل في ليبيا السنية بنفس الشراسة الذي يقاتل فيها العراق الشيعي.
ورغم أن ظاهرة الإرهاب ليست جديدة, وهي ليست حكرا على المسلمين لوحدهم, غير أن ذلك لا يخفي حقيقة أن ثقافة الإرهاب في عصرنا الحالي صارت ملتصقة بالإسلام والمسلمين.
وعلينا أن نعترف أن نظرية المؤامرة لا تكفي وحدها لتفسيرأسباب قوة وإنتشار الإرهاب وإنما من الضروري الإعتراف بان هذه النظرية هي في حقيقتها اشبه بآلية إستثمار لظاهرة سلبية إسلامية قائمة, ولولا وجود الظاهرة لما جرى إستثمارها.
أبو تيمية والعديد من فقهاء الفكر التكفيري ومؤسسوه كانوا عاشوا قبل تأسيس دوائر المخابرات الأجنبية بقرون, لكن ذلك لا يتقاطع مع حقيقة أن تلك الدوائر إكتشفت بعدها قيمة إستدعاء هذا الفكر وإستخدامه. خاصة وإن الإرهاب الإسلامي هو كما النفط الخفيف الذي يمكن إستخراجه بسهولة حيث لا يحتاج التنقيب عنه سوى إلى جهد بسيط لا يمكن مقارنته مع الجهد المطلوب لإستخراج نوعه الثقيل الذي يوجد في أراض أخرى.
وفي مناسبة تحرير الفلوجة سيكون من واجبنا رفع ايدينا تحية لكل قطرة دم قاتلت من أجل تحرير الأرض والإنسان, غير أن ذلك لن يكون كافيا وشافيا, فالوفاء لهذه الدماء الزكية التي ضحت في مواجهة وحوش هذا العصر من حقها أن تتأكد أنها ما سالت لكي يسوقها السياسيون لصالح معاركهم البينية أو أجنداتهم السياسية, وإنما هي سالت من أجل أن يعود العراق للفلوجة وأن تعود الفلوجة للعراق.
ولغرض ان يرتقي الإنسان إلى مستوى تضحيات أبطاله المقاتلين ضد داعش فإن عليه أن لا يلقي مسؤولية الكارثة على داعش ويكتفي, وإنما عليه أن يعطي إهتماما أكبر لتشخيص الأسباب التي أدت إلى وقوع المدينة في الأسر وبقاءها على وضعها الكارثي ذاك لفترة تجاوزت السنتين.
وإن أول ما يجب ان نتذكره أن عودة الفلوجة إلى وطن عراقي معافى سوف تضمن عدم وقوعها مرة أخرى في حضن الإرهاب والتطرف. وعلى الفلوجيين قبل غيرهم أن يتذكروا دائما أن الرد الحقيقي على الفساد والتهميش والإقصاء لا يتم من خلال الوقوع في أحضان الفكر الوهابي التكفيري والإلتفاف حول داعش وإنما من خلال التمسك بالوطنية العراقية وقيم التحضر, من ثم محاربة الفاسدين والطائفيين والعنصريين والمتطرفين من اي جنس كانوا أو عرق.
إن اللجوء إلى التطرف والمتطرفين كرد فعل هو الذي يمنح اصحاب الفعل الطائفي والسلوك الفاسد على الجهة الأخرى فرصة الدفاع عن فكرهم المنحرف ويعطيهم فرصا أفضل للإستمرار في سدة الحكم, كما أن رؤية عسكريين أجانب مثل سليماني سيكون أيضا ورقة رابحة بيد الإرهابيين لتأكيد أنهم يقاتلون ضد خصمهم الطائفي النوعي, ولا نعتقد أن جيشنا هو بحاجة ولو بسيطة لعبقرية سليماني أو لخبرته في فنون القتال, وإلا لما كان هذا الجيش قد ضم المئات من أصحاب رتبة الفريق فما فوق بحيث صار بإمكانه أن يصدر الكثير منهم دون أن يواجه مشكلة نقص في أعدادهم المطلوبة !
غير ذلك الأمر المضحك يجب أن لا ينسينا حقيقة أن جيشنا ما زال يضم العديد من الضباط الحقيقيين الذين كانوا قاتلوا في الحرب مع إيران والذين يسجل لهم أنهم كانوا حققوا الكثير من الإنتصارات ضدها والتفوق على خبرة وشكيمة جنرلاتها وفي المقدمة منهم الجنرال سليماني نفسه. وإذا كنا بحاجة فعلية إلى مستشاريين عسكريين فنحن سنجد منهم العشرات بين صفوف العراقيين الذين تمت إزاحتهم من أجل أن يتصدر المشهد العراقي رجال أجانب مثل سليماني أو غيره.
الواقع أن (عرقنة) المعركة ضد الإرهاب هو الشرط الأول لنجاحها. خلاف ذلك سيكون العراقيون جميعا هم الخاسرون, ولكن بإستثناء المتاجرين بأموالهم ودمائهم.
فليكن شعار العراقيين في رمضاننا هذا : تعَرَّقنوا تصحوا