قِمار ومُضاربة على مستقبل بريطانيا!

ناجح العبيدي
2016 / 6 / 18

مع بدء العد التنازلي للاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يوم الخميس 23/06/2016 تزداد أيضا حمى المنافسة بين المعسكرين المتناحرين. ومعها تتصاعد أيضا أجواء القلق والتوتر سياسيا واقتصاديا. وهذا بالذات ما يبحث عنه المضاربون.
والمقصود بالمضاربة بالمعنى الاقتصادي التقليدي هو استثمار المال بهدف جني ربح سريع. ومن المجالات التقليدية للمضاربة هي الذهب والعملات والعقارات وكذلك الأسهم والسندات والمشتقات المالية. غير أنه في حالة الاستفتاء البريطاني يبدو الوضع مختلفا لأن هناك خيارين فقط ، إما التصويت بنعم لصالح بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي أو خروجها منها. وهذا ما يشبه عملية المراهنة (أو القمار) على نتيجة مبارة كرة قدم أو نتائج بطولة بكاملها كما هو الحال الآن مع بطولة الأمم الأوروبية. وتعتبر المراهنة والقمار أسوأ أنواع المضاربة لأنها تعتمد على الصدفة العمياء ولهذا حذر منها الانجيل وحرمها القرآن. كما تحاول الحكومات الأوروبية الحد منها من خلال فرض ضرائب عالية عليها.
بيد أن الاستفتاء البريطاني يوفر فرصة ذهبية للمراهنات والمضاربات بمعناها الاقتصادي والسياسي. وبالفعل يتردد هذه الأيام الكثير من المواطنين البريطانيين على مكاتب المراهنة، ليس بالدرجة الأولى للمراهنة على نتائج منتخبهم الوطني في بطولة أوروبا، وإنما على نتيجة الاستفتاء. ومن الملفت للنظر أن أغلبية المقامرين تراهن على بقاء بريطانيا في الاتحاد، بينما تشير آخر استطلاعات الرأي إلى تقدم طفيف للمؤيدين لخروجها.
ولكن مراهنات هؤلاء تعتبر مجرد "فتات" مقارنة بـ"المقامرين" من العيار الثقيل وفي مقدمتهم صناديق التحوط „Hedgefonds“ التي دخلت بقوة على خط المضاربات على مستقبل بريطانيا. ومن المعروف أن صناديق التحوط، وكما يوحي أسمها، تعيش على المغامرة وتحب المخاطرة، ولهذا وجدت ضالتها في الاستفتاء. بل وتخطط صناديق تحوط كبيرة لإجراء استطلاع للأراء خاص بها يوم الخميس يتم خلاله سؤال المشاركين في الاستفتاء عن قرارهم وذلك بهدف الاستفادة ماليا من النتيجة واتخاذ قرارات سريعة لتغيير المحفظة الاستثمارية. ورغم أن كلفة الاستطلاع الواحد تقارب نصف مليون جنيه، إلا أن هذه الحيتان المالية تأمل بجني أرباح أكبر بكثير. وأحد الأسئلة المهمة هو كيف سيكون الجنيه الاسترليني يوم الخميس؟
ففي حالة التصويت لصالح خروج بريطانيا يتوقع المحللون انهيارا في قيمة الجنيه الاسترليني ، كما حصل في 16 سبتمبر عام 1992 عندما خرجت بريطانيا من نظام أسعار الصرف الأوروبي. هذا اليوم دخل التاريخ بصفته الأربعاء الأسود لأن قيمة الجنيه تهاوت بنسبة 4,3 % الأمر الذي كان له تداعيات خطيرة على الأسواق المالية أيضا. ويمكن لهذا اليوم الأسود أن يتكرر هذا الأسبوع في حال فوز المؤيدين لخروج بريطانيا من حاضتنها الأوروبية في ظل التوقعات بتراجع سعر صرف الجنيه البريطاني والعكس بالعكس. وفي كلتا الحالتين هناك خاسرون ورابحون، ليس في بريطانيا وحدها. فالشركة التي بذمتها التزامات مالية كبيرة بالجنيه ستفرح لهبوط قيمته، بينما تتكبد الشركة التي لديها مستحقات بالجنيه خسائر مالية. ولهذا تلجأ الشركات المعنية لتأمين نفسها. وفي ظل حالة القلق والترقب السائدة تجد هذه الشركات نفسها إزاء ارتفاع غير مألوف في رسوم التأمين ضد تقلب العملات.
غير أن هذه الهموم التي تواجها هذه الشركات والمستثمرون التقليديون هي بنظر صناديق التحوط هبة من السماء وفرصة سانحة لجني الارباح السريعة من خلال المضاربة على أسعار الصرف وعلى المشتقات المالية بالجنيه. وإلى جانب الجنيه تجري خلف الكواليس هذه الأيام مضاربات واسعة على الأسهم والسندات، نظرا لأن معظم الخبراء الاقتصاديين يتوقعون نتائج كارثية لحي لندن المالي في حال تصويت الأغلبية لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
أما في الجانب السياسي فإن أكبر "المقامرين" هما رئيس الوزراء الحالي "ديفيد كاميرون" وغريمه عمدة لندن السابق "بوريس جونسون". وكلاهما من حزب المحافظين، ولكن ذلك لم يمنعمها من تحويل الاستفتاء إلى صراع شخصي بينها. وفي كل الأحوال فإن نتيجة الاستفتاء ستحدد المصير السياسي لكاميرون الذي وضع كل ثقله السياسي إلى جانب بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي. ففوز المؤيدين للخروج سيعني دون شك نهايته السياسية. وحينها سيأتي دور "بوريس جونسون" الذي ينافسه على زعامة حوب المحافظين ومقعد رئيس الوزراء. والآن ينتظر الجميع بترقب نتائج هذا الصراع.
لم تبقَ سوى أيام معدودة على يوم الخميس 23/06/2016 وسيقرر البريطانيون حينها مستقبل بلادهم في أوروبا وربما أيضا مستقبل الاتحاد الأوروبي الذي يعاني أصلا من مظاهر التفكك ومن الخلافات. وبغض النظر عن النتيجة يمكن القول من الآن بإن الاستفتاء بحد ذاته يمثل مخاطرة كبيرة أثارت وتثير حالة من القلق والتوتر في الأوساط السياسية والاقتصادية. ولكن هذه الحالة تلقى ترحيب المضاربين والمقامرين الذين تزداد شهيتهم كلما اكفهرت الأجواء أكثر.

د. ناجح العبيدي