المسلمون في الغرب .. إشكالية هوية

جعفر المظفر
2016 / 6 / 16

المسلمون في الغرب .. إشكالية هوية
جعفر المظفر
جريمة أورلاندو التي قام بها رجل عصابي هو عمر متين يتم معالجتها الآن في أمريكا بشكل سياسي متأثر كثيرا بالمعركة الإنتخابية القائمة بين الجمهوريين الذين يمثلهم ترامب, وبدعم من التيارات السياسية والدينية المحافظة, وبين الديمقراطين الذين تمثلهم هيلاري كلينتون والرئيس الحالي أوباما, بدعم من أغلبية الديمقراطين.
على المستوى الثقافي صار سهلا على المحافظين الذهاب إلى تحديد الخلل كونه قائم في الإسلام نفسه, أما على صعيد الديمقراطيين فإن الإعتراف بذلك يعني التسليم بالمنهج الذي يعتمده ترامب وما ينشأ عنه من سياسات تخص معالجة حماية الأمن القومي الأمريكي ووحدة المجتمع وقضايا ذات أهمية دستورية وحداثية تختص بحربة الأديان وطرق الإقتراب منها, بالإضافة إلى المناهج الأمريكية التي تخص التعامل السياسي الغربي مع الإسلام السياسي في بلاد (المسلمين).
المواقف المتبناة على أساس سياسي والقابلة للتغيير حال نفاذ الفائدة يخلق حالة من الإرباك داخل صفوف النخبة الإسلامية في أمريكا وأوروبا التي لا يكمن خطأها في الترحيب والتعامل الإيجابي مع المواقف الأمريكية المتعاطفة وإنما في الظن بإمكانية بقاء تلك المواقف على حالها إلى أمد مفتوح. لكن أكبر الأخطاء التي يمكن أن ترتكبها تلك النخبة هو بناء ثقافة إسلامية ذات خصوصية متعارضة مع الوطنية الأمريكية أو الغربية بشكل عام مما يجعل المسلمين, على الأقل ثقافيا وسلوكيا وحتى سياسيا, غير منتمين لمجتمعاتهم الجديدة وكأنهم أمة داخل أمة. ويتعقد الأمر كثيرا في مجتمع كان قطع شوطا كبيرا على صعيد بناء عالمه العلماني ثم صار في مواجهة مشكلة المسلمين الذين لا يدينون بالولاء لتلك العلمانية والذين يعكسون في سلوكهم العام تناقضا معها قابلا لأن يتطور ضديا على كل الأصعدة, ليصل إلى الحالة الأخطر التي قد تتمظهر من خلال إعتبار المسلمين مجرد طابور خامس أو أشبه بحصان طروادة الذي أنتجته حروب العولمة وبعض ما أفضت إليه من ظواهر وفي مقدمتها تزايد عدد المهاجرين من ذوي الثقافات النقيضة.
والمسألة هنا لا تتحرك في مساحة ممارسة بعض الطقوس الإسلامية وإنتشار تمظهرات تلك الثقافة كالعدد المتزايد للجوامع أو محلات بيع اللحم الحلال ومطاعمه وإنما في زحف تلك الثقافة على الشارع العلماني الغربي الذي يؤمن بقوة إن العلمانية التي وصل إليها هي نتيجة نضال قرون عديدة من النضال الدامي والمكلل بإنتصارات تشكل اساس التقدم الذي تعيشه تلك المجتمعات, وكونه غير ميال بالتالي للتخلي عن العلمانية لصالح قيم حداثة تسمح بتسلل ثقافات معادية للعلمانية التي أنتجتها, وقد بدأ بعضهم ينبه إلى أن المشكلة التي يخلقها الإسلام في تلك المجتمعات لا تكمن في الممارسات الدينية البحتة التي يحميها المجتمع والدولة ويقر بها كحالة قيمية ثقافية وقانونية مشرعة بدستور وإنما بنموها بشكل منعزل وبخصوصية مفرطة بما يهدد الطبيعة الوطنية لتك المجتمعات التي تتفعل وطنيتها سياقيا في مواجهة تهديدات ذات طبيعة رجعية من قبل اقوام بدأت تتصرف كغزاة ولا تتصرف كضيوف .
هذه الخاصة تشكل في نظري واحدة من الإشكاليات التي يواجهها المسلمون في المجتمعات الغربية والتي خلقت بدورها مشاكل لهم وللمحيط, فما بالك وقد تصاعدت هذه الظواهر المعادية لكي تقدم نفسها بصيغ عدوانية أبرزها الإرهاب.
صحيح أن مجتمعات الحداثة الغربية تميل نحو العولمة, والعالم الجغرافي المجزأ يتراجع أمام العالم العلمي والإقتصادي الموحد, كما أن القيم اللبرالية وقيم الحداثة قد تقدمت على حساب الثقافات الوطنية والقومية, لكن القول بغياب حقيقي للنوازع الوطنية في الغرب نفسه بفعل تقدم قيم الحداثة لا يعني إمكانية ان يؤدي ذلك إلى تنازل ولو جزئي لصالح تغليب الهويات الثانوية على الهوية الوطنية.
إن النخبة (الإسلامية الأمريكية أو الغربية) مطالبة بمعالجات تنطلق بداية من فهم الموقف المضاد وفق مرونة تكفل لها إقتربا عقليا متوازنا. الإنحياز لرأي الديمقراطيين الذي يحمل في ظاهره محاولة لتنزيه الإسلام ومنع تقييمه كدين إرهابي قد يقدم حلا مؤقتا لإيقاف التدهور الذي يعاني منه المسلمون على صعيد علاقتهم بالمجتمعات الأمريكية, لكنه لن يقدم حلا تاريخيا وحداثيا لمشكلة الإسلام والمسلمين الذاتية.
وحتى على مستوى الفريقين الأمريكين المتصارعين إنتخابيا وسياسيا فإن الموقف الثقافي والإجتماعي من المسلمين بدأ يميل إلى التناغم والتجانس, اي أن الطرفين, وخلفهما المجتمع عامة بدأت بتبني ثقافة ضدية للإسلام والمسلمين وبما يبشر بقرب تأسيس ثقافة ضدية مشتركة عامة لن تستطيع السياسة أن تغطي عليها. وليس من الغريب أن المعركة هذه ستنتقل من التضاد المبدئي إلى التناغم ليصير الإختلاف بينها في خدمة من يكره المسلمين أكثر وليس بين من يخاصمهم وبين من يدافع عنهم.
ما هو مطلوب من النخبة الإسلامية في الغرب ليس الميل العاطفي الذاتي إلى من يتعاطف معهم سياسيا في الوقت الحالي, وإنما أن يقفوا وقفة شجاعة لحالة من الدفاع الإيجابي التي تفرض عليهم الدخول إلى حالة نقد شجاعة للموقف الإسلامي ذاته بعيدا عن الخَدَر بطروحات المدافعين عنهم من الغربيين بالنيابة, وأول ما يجب أن تحمل دراستهم النقدية هذه هو يخلقوا حالة من التجانس والتفاعل بين هويتهم الدينية وهويتهم الوطنية وأن أن لا يحموا أنفسهم ثقافيا عن طريق التشرنق, والذي هو دفاع بيئوي سلبي, وإنما أن ينفتحوا ثقافيا بما يترك للتلاقح والتفاعل الثقافي أن يأخذ مداه الأرحب ويكون الإنتصار فيه وفق قانون البقاء للأفضل .
إن موقفا نفديا كهذا وأسميه حالة الدفاع الإيجابي سيلزم حتما الدخول على المعالجات المطلوبة من خارج إطار المصالح السياسية للمتصارعين, بما يفرض الإقتراب المحسوب من الإطروحات الديمقراطية التي تعالج الموقف, فما يفيد سياسيا وآنيا قد لا يفيد تاريخيا وعلى المدى البعيد.
ترامب يا مسلمو امريكا ليس كله شرا وأوباما يا مسلمو أمريكا ليس كله خيرا, وصديقك من صدَقَك لا من صدَقَّك, فإن كان الوقوف مع أوباما مفيد سياسيا للمنفعة الآنية فإن الإستماع, على الأقل, لما يقوله ترامب, والبحث بجدية عن سر التخوفات التي يطرحها وحالة الخوف التي يستدعيها, ومن ثم العمل على التفاعل مع موجباتها بشكل منفتح يقوم على تغليب الهويات الوطنية الإنسانية على الهويات الدينية الثانوية هو أمر ضروري ولصالح كلا الطرفين, إذا إعتبرنا أن المسلمين يشكلون طرفا قائما بحد ذاته وبقية الأمريكين طرفا آخر, وهذا الأمر يجعل المهاجرين ينصبون فخا لأنفسهم دون أن يدروا ثم نراهم يدافعون عن أنفسهم تحت عنوان نظرية المؤامرة, التي هي في حقيتها مؤامرة على الذات, نصنعها بأنفسنا أو نسير إليها في غفلة عن أمرنا.
إن أولئك الذين يهاجمون ترامب على أساس ميوله العنصرية يجب ان يتجهوا في نفس الوقت للإعتراف بأن نسبة كبيرة من الأمريكين بدأت تؤمن بإطروحاته وإن عليهم بالتالي أن يتعاملوا مع هذه الثقافة الضدية المتفاقمة ولا يكتفوا بتوجيه الشتائم لترامب بإعتباره شخصاعنصريا كريها ومعاديا للإسلام .
والموقف السياسي الآني ذا السياقات السياسية المتأثرة بالوضع الإنتخابي قد يفيد المسلمين حاليا لكنه على المستوى التاريخي سوف يضعهم في مأزق حقيقي يتأسس على نضج وإنتشار تدريجي لثقافة إجتماعية عامة لن تكون في صالحهم.
ولقد آن أوان البحث في الخلل الذاتي قبل تخدير الذات بموقف المجاملة ذا الإملاءات السياسية.
أما الوقت فلا رأه في صالح المسلمين والإسلام أبدا.