تداول الخطاب: السوق اللغوية

سامي عبد العال
2016 / 6 / 16

التداول يعطى الألفاظ قيم الحركة والتنوع والتبادل بضربة واحدة. فاللغة تتسع إلى عمليات تواصل بلا نهاية. إنها تفتح - بعبارة بيير بورديو- سوقاً ضخماً به كافة السلع والأزياء والشفرات والممارسات الوضعية. بالتالي يكون الكلام سلعة تستهدف ربحاً ورواجاً على خلفية أهداف بعينها. فخطاب بدون تداول لهو لغة بدون استعمال. وهذا ضرب من المحال في وضع نهتم فيه بأثر الكلام على المتلقِّي. وقد نلتفت إلى أهمية العمل التسوقِّي في ترجيح المعاني وزيادة رصيدها الدلالي.
لكن هناك ملاحظتين.
أولا: كما يستحيل فرض نمط الخطاب يستحيل فرض تداوله. ولا يحدث هذا عادةً إلاَّ في المجتمعات المغلقة وفي جماعات ماضوية. وبالتالي يتعذر دوماً تكريس سلع خطابية محددة. لأنَّ السوق اللغوية linguistic market تحتمل كافة السلع تبعاً لجودتها ورواجها. ثانياً: التداول يعيد إنتاج الخطاب كحال عملية التسوق اللغوي. لكنه كذلك يسبب تغيراً في جسد العبارات والمقولات. ثم تقترح اللغةِ أساليب جديدة باستمرار. فالسوق يتطلب ابداعاً بشكل لا يتوقف. نظراً لتوقف الرواج على القوى التنافسية. ومن ثم خطأ كل الخطأ أدلَّجة اللغة كما تفعل المذاهب الدينية والسياسية.
الملاحظتان عمليتان. وهذا جوهر التداولية. هي لصيقة بالخطاب لكونه يستهدف ممارسة لغوية بأهداف المجتمع، صراعاته وتحولاته. إذن هناك تزامن بين الخطاب ومجريات الأحداث. فأيُّ إسهام سيقدمه، وكيف سيطرح معناه؟ التداول أمر مأخوذ من الاقتصاد. فتداول العُملة يجري وفق قيمتها في السوق. وتبعاً لقوتها الشرائية بالنسبة للمستهلك. كما أنَّ هاتين الظاهرتين(القيمة والقوة) تتحولان إلى سلوك اقتصادي تواصلي. فالعُملة ليست ورقة نقدية، لكنها قوة تتحرك في أسواق رمزية على المستوى السياسي والاجتماعي. مُوحِيةً بالثراء والتبادل القيمي وجذب التفضيلات. وهذا يشابه آثار اللغة في عميلة التواصل الاجتماعي خلال سياق ما.
عادة تفهم القوة الاقتصادية مصيرها التجاري (التاريخي أيضاً)، فإذا بها تزداد قوة سياسيةً حفاظاً على هيمنتها. وبفضل انتشار التداول تدخل لاريب صراعاً مع القوى الأخرى. فالدولار يعبر عن قوة عولمية. فيستثمر رأس المال السياسي والمعرفي في أسواق الاقتصاد والعكس أيضاً. إذ يجعل الاقتصاد خادماً للسياسة والمعرفة. لذلك ليس مصادفة أنَّ أكبر اقتصاد عالمي اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية. لا لأنَّها مضخة كبري للتحولات في عالم اليوم، بل لأنَّ اقتصادها يترجم قواها الأخرى. ويخدم مصالحها الحيوية. بدءاً من التعاون مع الدول وانتهاءً بالتدخل العسكري في الشأن الداخلي لغيرها.
إذا أردنا شيئاً قريباً من هذا فهو رواج بعض الخطابات بعد أحداث الربيع العربي. كان الخطاب قوة لغوية تداولية، يعكس الرصيد الرمزي لمُنتِجه. ففي مجال الدين السياسي مثلاً حرصت تياراته الاسلامية على التواجد القوي عن طريق الخُطب الميدانية. ومع المزاحمة على الأحداث اجتماعيةً أو سياسيةً أخذوا يبثون كلامهم بنفس وتيرة الحماسة وآليات التفكير الذي يتبنونه.
كان الهدف -كما يتصورون- تحريك الواقع لصالحهم. وفي نفس الوقت هم أولى بدنياهم ممن يرون فيهم عصاة ومختلفين في التوجه. الغاية هي الزعم بتحويل اللغة(الخطاب) إلى سلوك حياتي عائداً عليهم بالمصداقية. فلا تيار ديني إلا ولديه برنامج خطابي يستعمل كل زواجر الدين وإغراءاته لجذب الأنصار. ونجده خطاباً يتكلم في كل شيء داخل الحياة. لا يهمه قضية التعبير والمعنى بقدر اهتمامه بتسويق مرجعية فكرية ثابتة. حيث يروج معالجتها لمشكلات الواقع المتفجر.
وبالتالي أخذ التداول الخطابي يُطرح من فضاء الثورة المؤثر. فلا يتصور مع أحداث الربيع إلاَّ أنْ يتواتر الخطاب السياسي كمتغير فاعل. وأن يتساءل القارئ لمن هو موجه وكيف تلقاه الجمهور يومياً. ولا سيما أنَّه خطاب افتراضي بمعناه المعاصر(كما في الوسائط الإلكترونية). أي كان يهمه تمثيل الأفكار وتجسيدها كشخصيات افتراضية تتلاعب بالوقائع. وتحل الأزمات في الخيال وتحشد المشاعر وتفك احتقان الجموع أو تدعو أخرى بالصور المجازية. فجاء الخطاب السياسي معادلاً موضوعياً للعملات النقدية في الاقتصاد. فالتداول سياسياً قوة لرمز يتحدث وينتج صيغاً تعبيرية. ذلك مثلما تحقق بعض العملات هيمنتها تداولياً في الأسواق.
يؤكد ذلك أنَّ التداول بمثابة الجانب السلعي من معانى الخطاب. ولعل رسالته تختصر المسافة. تحاول اختزالها بين الفكر والممارسة. لأنَّها رسالة منطلقةٌ بموجب إمكانية التعبير عنها عملياً. فالرسائل أداة برجماتية تحاول التعامل مع مفردات الواقع كبدائل قابلة للتوظيف. والجانب الحركي يتلخص في استعمال اللغة لإنجاز الأغراض. ويكتسب الخطاب معاني كلما كان قادراً على حصد النتائج وترك أثره الملموس. بالتالي لا يعدو أنْ يكون أداة استراتيجية اشتباكاً مع الأحداث ومحاولة التأثير فيها. فالخطاب تاريخياً يكاد يرتبط بالحشود، بل فعل يخطب يُستعمل كطرفٍ في ثنائية "الخطابة والجموع". وحينما يتوافر أحدهما سرعان ما يستدعي طرفه الآخر.
هنا يمكن التفرقة بين ثلاثة خطوطٍ متوازية:
الموقف والتعبير: يأخذ التداول بجانب الموقف الاستعمالي للغة. وهذا الجانب منطقي-عملي من حيث اعتبار اللغة خطاباً له أصداءه. والموقف يحدد ماذا يقصُد صاحب الخطِاب وماهية الرسالة. كما أنَّه يظهر درجة التفاعل مع أطراف الكلام. فإذا كان للخطاب رسالةٌ على خلفية مُرسِل ومُرسَل إليه فالموقف سياق يكشف طبيعة الرسالة وماذا يريد المرسِل. وبالتالي يمثل الموقفُ دوائر الفهم circles of understanding. لأنَّه يفرز تداعيات الألفاظ لدينا. ويبين ماذا يمكن أن يحدث موضِحاً أفعال القول. والموقف يشمل معاً حدث الكلام وتحوله إلى وسيط إذ يَطرح الأصداء ويتلّقاها. إنَّه الوضع الحواري كما يري ميخائيل باختين.
حيث يفترض الخطابُ(كحدث) أطرافه المحتملين. وبذات الوقت ينمو مع التنوع في الاتجاهات والرؤى. الأهم أنَّ اللغة خطابياً لا تُعتبر وقائع ذهنية إنما تُولِّد توترات ومظاهر تفاوض بشتى أنماطها الثقافية وليس كلاماً فقط. ذلك أنَّ الألفاظ تستند إلى رصيدٍ من المواقف التفسيرية. إن لم تكُّن مباشرة فعلى المستوى الإفتراضي بين الذوات اجتماعياً. كما أن من يمر بنفس المواقف إنما سيسلك طريقاً في الكلام يشابه سابقيه. وسيحقق كيفية التحاور مع الاشخاص المعنيين.
عندئذ يعد الموقفُ موقفاً تعبيرياً. أي يتكيف التعبير مع حالته. لأنه يلائم بين الكلمات مبلِّغاً لرسالته المنوط بها. لهذا ستظهر انحناءات في التعبير عن الأفكار. وسيغدو التواصل منطقاً موقفياً situational كما هي أوجه التواصل في العلاقات الاجتماعية والسياسية. الملاحظ أنَّ الموقف سيبرر الخطاب ويُبادله الدلالة على المعاني المطروحة. فلو كانت المعاني عنيفةً على سبيل المثال فسيُلقي الخطاب مبرراته بأنَّ الوضع يتطلب هكذا نبرة وأداءً. وإن كان الموقفُ يقتضي انحناءً أمام عواصف الموقف فلن يكون من الخطاب سوى التعبير عن خفة المعاني.
والموقف يزمن الخطاب(يعطيه زمناً)، فلا يُخرِجه من حدود المكان والزمان. حيث تدل كلماتُه على مضامين قيد الانجاز. ولئن جرى التعبير بموجب تلك الخاصية تظهر ما نسميها بمناسبة الكلام. والسؤال المهم: هل بإمكان الخطاب أن يصبح أكثر فاعلية؟ بالطبع، فهو الوجه الأبرز إذ بإمكانه إظهار العلاقة بين أطراف الحوار. ماذا يقولون وكيف يبررون، وإلى أي شيء يرمون بكلماتهم؟ وحينما تتفاعل الأطراف إنما تطرح زوايا مكملة. كما أنها لا تفتأ تكشف الجوانب الأخرى. والخطاب بتلك الحالة له صفة الإعلان نتيجة الجانب الاشهاري فيه، وله بالمثل جانبه الحجاجي، لا الحجج العقلية فقط إنما منطق الطرح مع تحول الوقائع المعبر عنها.
المعنى والوظيفة: تولِّد العلاقةُ بين التعبير والموقف وظيفةَ للخطاب. إنها طرح اللغة بمعطاها العملي المنتج للمعنى. فهناك من نظر إلى اللغة مثل تشومسكي باعتبارها حالات ذهنية مرتبطة ببنية العقل أكثر من ارتباطها بأي شيءٍ. ثم راح يحلل الأبنية العقلية الكامنة في المنطوقات على أنها وحدات للفكر ليس إلاَّ. وهذا الرأي مستمدٌ من فلسفات مثالية تري في اللغة صوراً مفارقة للواقع. وبالتالي سيكون لها طبيعتها الخاصة ولها معانيها المطلقة بحكم الانفصال المفارق للألفاظ والدلالات.
لكن هذا الرأي كما هو واضح يتجاهل عمل اللغة في الحياة الواقعية. فليست الكلمات غير مبررة فعلياً إنما مناسبة الكلام كما قلنا جزء لا يتجزأ من التواصل الخطابي. وهو بوصفه رأياً في تكوين اللغة يقف لدى إنتاجها علي صعيد الذهن. لكن: أين محتوى هذا العقل الذي يتواصل بها، أين المكونات الشعورية والبلاغية للكلام؟ أين السوق الثقافي الاجتماعي للأقوال؟ الوظيفة تجيب عن تلك الأسئلة. على أساس أنها تخرج المعاني من عقل المتكلم ومن ألفاظه إلى الحياة، فإذا بالخطاب أداة ناجعة في التعامل مع غيره. والحقيقة أن اللغة هنا إرادة قول تترجَم إلى إجراء فعلي. ولا تختلف عما في المجتمع من سلوكيات مؤثرة. فالإنسان ينجز الأشياء والتجارب بما يضعه من عبارات وإن كانت منطبعة في ذهنه.
لقد أشرنا إلى أهمية اللغة من الناحية المذكورة، غير أن الوظيفة تنطوي على التحول. لأنَّ الكلمات ناقلة للأفكار. ويأتي الشق التمثيلي ليعطيها معاني الممارسة. لقد اُعتبر التواصل عملاً قابلاً للإعادة في مواقف التعبير. ولا ينبغي كما نوهنا تجاهل أن اللغة إجمالاً بها تكرار ناتج عن كليتها المفترضة. هذا الطابع يكاد يطغى على تباين الأفراد والخطابات. إن الوظيفة تتوسط الخطاب وليست في هوامشه. حقاً قد يتم التعبير عنها بشكل غير مباشر لكنها من أهم أبنيته. المهم أن المعنى ذاته يتم ترجمته بالوظائف على صعيدي التعبير والمضمون.
لأنَّه إذا كان الخطاب ممارسة لغوية عل قدر من التحقق فلا يرشق مضمونه أكثر مما ترشقه الوظيفة. ففي الخطاب الاجتماعي (سواء أكان مصدره الموروث القيمي والفكري أم سلطة اجتماعية) توجد عديد الوظائف بمقدار فهم المعنى عبر السلوك الإنساني. وتتشكل الوظائف ضمن أنماط الحياة الاجتماعية وبحسب مكوناتها. أما ضمن الخطاب الفكري فتجري الوظيفة دعماً للتمسك بمرجعية معينة، وهو ما يعبر عن بعد أيديولوجي. والمعني مع جميع الحالات سيكون له صفة الفعل، لا الفعل بمدلوله المعتاد حين يعد عملاً بارزاً أنما قد يمثل حثاً عليه أو صورته أو رسمه بطريقة ما أو علاقته أو مضمونه أو إنجازه.
للتوضيح سنفرق بين عدة وظائف للخطاب داخل أسواق اللغة:
أولا: وظيفة تواصلية. مرت الإشارةُ إلى التواصل آنفاً، غير أنَّ المقصود هنا أنَّه فعل لغوي اقتصادي. لا نكاد نذكر خطاباً دون ذكر التواصل كمعنى مفروغ منه وإلاَّ لفقد مبرره. ما بين فرد وآخر لا يتم سوى الكلام أو الموت كما يقول مصطفى صفوان. هذا الكلام ينقذ الاثنين من العدم. فصاحب الكلام سيمتلئ رغبة في اللغة وبها، وسيشعر بحروفه كأنَّها مصوبة نحو ما يريد. وبخلاف هذا... لنتصور عدم وجود الآخر، جسداً وطيفاً وموضوعا،ً حينئذ ستحل الكارثة. سيؤخذ الإنسان بهلوسات بصرية و أصداء سمعية نحو المجهول. سيسير موزعَ النظرات ومشقوقَ الفكر ومبعثر الخطى. أما الآخر فمالم يكلمه أحد سيترقب موتاً محققاً أو سيبقى مهدداً بالإهمال. لأنَّ الخطاب يكشف المتواصلين لبعضهما، سيعطيهما حياة مختلفة معاً. لماذا لا نتأمل - حين نتحاور بشكل خصب- في ثراء الوجود الإنساني؟
إن الحوار بتعبير جورج جادمر لهو التجلي الفعلي للفكر. لا الفكر الصوري، بل الفكر الحي النابض بالمشاعر والعواطف والإحساس. إن الفصل المنطقي بين" الكلام أو الموت" يدل على أهمية الأول كبديل متفرد يأخذ مكان الموت أيضاً، بصيغة: إما الكلام أو الكلام. وفي هذه الاثناء سيموت الإنسان لو فقد الاختيارين وهما في الحقيقة خيار واحد. فلو مات الإنسان يكون فقد الكلام مع الآخرين أصلاً. لكنه طالماً لا يستطيع الخروج من اللغة فليس من مجالٍ أمامه إلا التكلم، إلا التواصل. وبخاصة أنَّ هذا الإنسان مع آخره يقطنان اللغة وسيدفنان فيها.
فإما أنْ يكون الانسان قد مات فينقطع بحكم الضرورة عن الكلام. فلا يوجد ميت يتكلم. وإما أنَّ الكلام هو الحياة. وبالتالي يوازي عدم التواصل سقوطاً من الحياة. لهذا عادة ما يشعر الصامت بالزمن كأنَّه سجنه المحتوم. على الرغم من أن الصمت لا يعني في بعض حالاته عدم التكلم. ومن ثم فإن الكلام في الحوار أوسع من التبادل اللفظي. لأنه قانون من قوانين الحياة الاجتماعية بكل زخمها.
ثانياً: وظيفة أيديولوجية. لماذا حين يخاطب أنسانٌ إنساناً يترك الكلام أثراً كلياً؟ بعبارة أخرى يتضمن كلامة تجاوزاً للنسبي نحو ترسيخ فكرة مهيمنة. ولا يمر الموقف مروراً عابراً. ولئن حدث ذلك فهناك راسب أكبر من المتحاورين. السبب أنَّ بالخطاب توظيفاً لنمطية الأفكار في صورة جزئية وقابلة للتداول. فعلاوة عن احتفاظ اللغة في أبنيتها التعبيرية بمجمل السمات الثقافية فإنَّها تمرر تلك السمات عبر وحدات الخطاب ومعانيه. هي تعمل على ذلك كما لو كانت أداة طيعة لبث سلطة الأفكار بأدق الأساليب بُعداً عن النظر.
لكم استغل أصحاب المذاهب سمة الخطاب هذه وظيفياً لخدمة أغراضهم. وهم من يدرك جيداً أنَّ اللغة مزرعة لفيروسات الأيديولوجيا، بل تنمو داخلها تلك الفيروسات وتتكاثر كما لو طُبعت خلاياها بالميكروب الأصلي. ويحرص هؤلاء علي بث الكلمات بالنماذج الجاهزة إذ تتحدد في ضوء مرجعيتهم. عندئذ يغدو الخطاب عصا غليظة. غير أنها تهوى برفق العبارات وتسلل المعاني. وعن طريق هذا تكرس العبارات مضامين الأفكار باتجاه واحد، اتجاه حشو الأدمغة بالصور المعدة سلفاً، وهي صور تتسلق الخيال على أنها الواقع بعينه.
في هذا الإطار هناك خطابات نفعية ترمي بصيغ التعبير لحصد المنافع والغنائم. ظهر هذا جلياً مع وقائع الحراك العربي. غايتها التهام عقول الناس وما في أيديهم من مكاسب سواء أكانت قوى أو قيماً أو تجمهراً أو مالاً. إنها لغة التربح بالكلمات. حيث نجد اقتصاداً يوظف المعنى لجني غلال المواقف. وكم نجد أيضاً صيغ الحب والتعاطف والتقدير تُقايض كسلع وقتية، وحتى زمن صلاحيتها سرعان ما ينتهي بانفضاض الخطاب. إلى جوار هذا يأتي الخطاب الديماجوجي demagogy أو كلام الدهماء الذي يذوب مع ظاهر براق يخفي خداعاً صادماً. وهو خطاب يزيف الوعي من خلال تمويه الأفعال وإلقاء الوعود الكاذبة. بذلك ينطلي على الجمهور العادي من حيث يقودهم إلى مصالحه الخاصة.
أيضاً هناك الخطاب التبريري justificatoryلا بمعنى وجود منطق لمساندة التعبير إنما يمكن تسميته بالكلام التسويغي. وقد يُعرف في السياسة بالخطاب الإستباقي مثله مثل الضربة الاستباقية. فهذه الأخيرة تسددها قوة عسكرية إلى دولة أو جماعة مسلحة بطريقة عاجلة. حيث يكون المقصود منها إجهاض الخطط وتدمير القدرات. وفي نفس الوقت تصبح الضربة مبررة كإجراء ضد المخاطر المحتملة.
الشق الآخر من هذا الخطاب هو استعماله لتبرير شيء سيحدث، أو كما يقال تمهيد "مسرح العمليات" لإحداث تغيير عن طريق التدخل الفعلي. سلكت الولايات الأمريكية طُرقاً عدةً لتبرير الضربات العسكرية الموجهة للعراق. كان خطابُها الإعلامي يشي- قبل إعلان الحرب- بحدوث التدخل العسكري. فتطلب الأمر غطاء إعلامياً يتحدث عن الإرهاب الدولي وتبعاته من جهةٍ، وعن أسلحة الدمار الشامل لدى صدام حسين من جهةٍ أخرى. ولم يكن الموقف الدولي في حلٍ من عقد الصلة بينهما بموجب تدمير برجي التجارة واستهواله على أغلب الأصعدة العالمية.
وعليه تطلب الموضوع غطاءً قانونياً بتقارير أمنية وميدانية من الأمم المتحدة. واقتضى كذلك غطاءً سياسياً من الدول المجاورة للعراق سواء بالإدانة أو الموافقة أو المشاركة. ولاسدال الستار على النخوة العربية وملحقاتها أُمِرت دولها الكبرى أمراً بالمساهمة في جبهات القتال. ثم كانت الصورُ الإعلامية للاعتداء على جنود أمريكيين في ثوب الضحاياً هي الحاملة للتسويغ طوال سنوات الغزو الأمريكي. إلى أنْ أعلن باراك أوباما ترك الأراضي العراقية في خطابات سياسية تطهرية من الدماء وبإشارات تنم عن إتمام النعمة واستقرار البلاد واحترام القانون الدولي!!
بالمثل هناك خطاب تلفيقي، يؤلف بين المتناقضات لمسايرة الحالة المُراد اقتناص مكتسباتها. يظهر في السياسة حيث يتلاعب بالأطراف جميعاً. يُعطِي هذا وعوداً، ويمنح ذاك كلاماً، ويومئ إلى الوقوف مع غيرهما. يلجأ السياسيون إلى خطابٍ كهذا في فترات الانتخابات تحسباً لاحتمال الإخفاق ولمحاولة حصد الأصوات من كافة التيارات. على مسافة ليست بعيدة، ظهر نفس الخطاب لدى ما يُطلّق عليهم مفكرو العرب الذين يوفقون(يعقدون قراناً) بين التراث والحداثة. وهو زواج يتم بدون رضى الطرفين، فلكل منهما شروط فاعليته ولكل منهما أبناؤه ولكل منهما تأويله ولكل منهما مفاهيمه المؤسسة الضاربة بالتاريخ. الأمر أشبه بتحديث سيارة من القرن الثامن عشر بحاشية سيارة أكثر تطوراً في القرن الواحد والعشرين.
من ثم إما أن تتم العلاقة الزواجية بالطلاق وضياع الأبناء وإما أن يعيش الطرفان في حياة نكده مغتربة لا تواءم فيها وسيكون الأبناء أيضاً هم المشردين. هؤلاء المفكرون العرب يمارسون دور المأذون والمحلل معاً. فأغلبهم أصحاب ثقافة أوروبية أو متأوربون. لأنهم يطرحون آراءً بنبرة خطابية غير أصيلة وتتلاعب بالمعاني وتهمل الظروف التاريخية. يقودهم في ذلك تلفيق الحجج وتعسف التأويلات حاسبين أنَّهم يُحسنون فعلاً. بالمثل هناك أشقاؤهم في الرضاعة وهم من يردون كل شيء معاصر علماً ونظريةً ومذاهب إلى أضابير التراث و إلى النصوص المؤسسة للثقافة الاسلامية والعربية. لقد تناسوا وجود زمن مغاير وحياة مختلفة تمام الاختلاف في تاريخ الغرب والشرق معاً.
كذلك لا يجب اغفال الخطاب التغييبي. منتجوه هؤلاء الذين يغيبون وعي الإنسان انتظاراً لحياة أخرى بعد الموت. المشكلة في استعمال رجال الدين لهذا الخطاب بنبرات تبريرية لقبول الاستعباد والظلم الاجتماعي والسياسي. وهؤلاء من يفسر النصوص الدينية تفسيراً رجعياً. مرة باسم الاصلاح وغيرها تحت عنوان الرجوع للأصول والينابيع. وأكثر من هذا يعد خطابهم جزءاً من نظرة عامة للعالم تقول بضرورة اتخاذ الحياة كما هي دون فاعلية الإنسان، ودون وجوده لو أمكن. لأنها دنيا محتقرة انتظاراً للنعيم المقيم. حتى أنهم يبررون الاستبداد السياسي ويرون في الحكام قدراً إلهياً لا يُدفع وإلّا أحدث فساداً أكبر. النتيجة أنهم يؤسسون لنوعٍ فارغٍ من مضامين ثورية وغير واقعية. مع أنَّ الله في الاسلام جعل الدنيا مزرعة للآخرة، وأنَّ كل عملٍ بها ممتد دون تجاهلها وإلا ما فائدتها من الأساس. ما فائدة المشروع الإلهي بجعل آدم خليفة في الأرض بمنطوق القرآن؟!
على المدى البعيد يصبح المسلم كائناً غائباً عن الوعي. يقول إن شاء الله سيجيء الخير العميم خارج دنيانا. ومن ثم تتحول المشيئة الإلهية إلى "فيزا كارت"visa card لتبرير الواقع كما هو. هذا الخطاب يدعمه الحكام المستبدون بجميع قواهم. ويرون فيه غايةً ما بعدها غاية. فإذا كانت ثمة مخدرات تذهب العقل فهناك تفسير رجعي للدين يُذهب الإرادة والفعل. كلاهما يلتقيان عند صم الآذان عما يجري والغياب التام عن التطور.
بالمناسبة ليس خطاب كهذا مميزاً للتيارات الماضوية دينياً إنما يوجد بصفاته الحرفية في المذاهب الأيديولوجية السياسية. فاليوتوبيا الرأسمالية مثلاً رغم أنها تدعو إلى الوعي المفتوح بأحوال المجتمع إلا أنَّ فكرة اليوتوبياً، أي القيامة الدنيوية والجنة الأرضية لمرحلة نهاية العمل والاستمتاع الأخروي بالحرية التامة في الأرض إنما تعد فكرة سلفية مقلوبة.
هي نهاية العناء الإنساني من التقاليد لكنها تفرز عنفاً لا حدود له. كما أنها بمثابة تذكرة سفر بلا عودة إلى الواقع. بمعنى أنها لو حلت كما تحل الآخرة معضلات الدنيا لن ترتفع لأنها قدر اقتصادي يجسد نهاية التاريخ. وإن كانت مرحلة يوتوبية فهي الظلم نفسه باسم جديد. يؤجج صراعات المجتمع بفضل قواه المتفاوتة. ويسحق إمكانيات الأفراد داخل أسوق شرسة.
ثالثاً: وظيفة دلالية. يدل الخطاب بوصفه لغة على المعاني التي يضمرها. والدلالة أمر أبعد من التعبير المباشر على الأشياء. فقد نقول هذه شجرة لو صادفنا نباتاً غير أنّ دلالتها تندمج مثلاً في سياق إنساني لدى شاعر يخاطب" التينة الحمقاء" كما صاغ إيليا أبو ماضي. فالتينة الحمقاء شجرة عارية من الأوراق والثمر نتيجة شُحها على من يستظل بها. فإذا بصاحبها يراها غير وارفة الأغصان وغير مثمرة ليقطعها طارحاً إياها في النار تستعرُ. بالتالي يُجرِي أبو ماضي مماثلة شعرية بين الشجرة والإنسان من خلال الحُمق. فالبخيل في عواطِفه ومشاعره إنما هو كالتينة مكفهراً ويابساً لا ظل يعطي ولا ثمر يرمي. الدلالة هنا تعبُر الحدود بين الإنساني والطبيعي راسمةً حدوداً غير معهودة.
وإذا اعتبرنا إيليا أبو ماضي صائغاً لخطاب شعري، فإنِّ الدلالة تقدم بُعداً جديداً بطرافة التشبيه بين التينة والإنسان رجوعاً إلى صفة مشتركةٍ. إذ ذاك خلعت الشجرة على الإنسان صفات اليبوسة والاكفهرار بينما ترك الإنسانُ على التينة صفةَ الحُمق. يكشف هذا التبادل الدلالي الصياغة الشعرية لمضامين الألفاظ و سبب العلاقة التي تظهر. إذن الخطاب يدلل على معانٍ أخرى. ليس مهما الاتفاق معها أو رفضها، لكنها تكشف قدرة الخطاب على إضفاء الدلالات على الأشياء. ومن حينها يبدو ما كان عارياً من أية دلالة ناطقاً بوظيفة وصورة معبرتين.
هكذا يحتوى الخطاب على نظام معرفي حول موضوعاته. أي يغير فيها ويجعلها مدركةً بصورة معينةٍ. من جهةٍ أخرى لا يترك الخطاب الكلمات مشتتة إنما يخضعها لصيغته. أي يعيد سبكها وفقاً لاتساقٍ دلالي من نوعٍ ما. إن خطاباً يعبر عن حدث سياسي أو غيره إنما يرسم صورتَّه ويقدمها من منظوره. وفوق ذلك يدلل على الوضع الذي يراه مناسباً لأغراضه. وهذا أمر طبيعي أنَّ الخطاب عموماً لا يستطيع تجاهل دلالات الأشياء والأحداث بالنسبة لمتلقي اللغة. إنَّه يسهم في إبراز تطور المعاني على صعيد الممارسة. فدلالة كلمات مثل الأم والأخ والعائلة والقبيلة تختلف من مجتمع إلى آخر. أي تختلف بحسب تراثه وعلاقاته الرمزية. غير أن خطاباً راهناً، أو في أي عصر، يستعمل دلالة بعينها وفقاً لمنطلقاته الاجتماعية وتبعاً لما آلت إليه الكلمات. فكل استعمال من تلك الجهة يراكم انحرافاً في المعنى. حتى إذا ما وضعنا كلمةً في سياقها سنعرف وظيفة دلالية لها ضمن الخطاب.
نفس القضية مع مؤسسات المجتمع، فدلالة السلطة تتبادل طفراتها مع الخطاب المعبر عنها في مجتمع دون غيره. إن تكوين السلطة محصلة لتكوينات وأنساق فرعية تصب لدى هرمية المجتمع ومركزية ثقافته. كما أنها تنقل تاريخ الممارسة السياسية وتظل مبطنةً بمعانٍ يستعملها الخطاب يومياً على وجه التقريب.
ومع دلالة الألفاظ تبدو السلطة ليست مرجعية فقط وليست مادية إنما إنتاج يومي كذلك، مثل الخبز والغذاء والدواء. وهذا ما يجعل خطابات السلطة طاغية في أي مجتمع حتى مع المجتمعات التي توصف بالديمقراطية. لأنَّ استعمال اللغة لم يكن محايداً ولن يكون. فبالتأكيد توثق تلك الوظيفة الدلالية عُرى الفعل ورد الفعل بخلاف الحياد. ولربما إيراد كلمة "الحياد" غير مناسب هنا. لأنَّ اللغة توجد ابتداء للتعبير. وطالما كانت ثمة تعبيرات فستظل مسألة استحواذ المعاني هي المسألة الأساسية.
رابعاً وظيفة ثقافية. الاعتقاد بأنَّ اللغة لا تلتقي مع فاعلية الثقافة أمر خادع. وأي خداعٍ حين يمارس الإنسان تعبيراً فتختفي أطره ومعانيه ويبدو منطلقاً بصريح الوظيفة؟! إن أي وظيفة للكلام إنما تجري بتأويلات وإشارات ثقافية. قد لا تُسمى كذلك في أغلب الحالات. ربما لا يدرك المتحدث والمتلقي كلاهما هذا المعنى. لكن عدم ادراكهما دليلٌ على وجود الثقافة وهيمنتها. ودليل على نجاحها في إخضاع الكلام لقوانين الجاذبية الدلالية من غير الشعور بتلك العلاقة. بحيث يسقط التعبير مع ثقل المعنى الثقافي للكلمات. ويبقى حاملاً لمعالمها نبراً ودلالة.
يقدم الخطاب نتيجة الوظائف السابقة معانيه في هذا الاتجاه. فلا يجترح طريقاً مخالفاً لما تقرره الثقافة وإلا لأصبح غريباً. كما أنَّه لا ينفصل عن أجواء التعبيرات وتأثيرها الواسع. فلو خاطب فردٌ غيره بكلمات حميمية فإنها تسري إلى متلقيه بأوضاع الثقافة. هي حينئذ ليست تعبيراً لكنها علامة ثقافية بقدر ما تتداعى الصور خلفها. والتعبير إن أرسلّ معناه منقولاً على راحة الثقافة الجارية، فلن يتخلص من رواسب المواقف. إن وصول تلك الرواسب ليس أمراً هيناً لكنه قضية شائكة. وفيها يكمن اللغز الإنساني مع تداول اللغة، ماهيته وعالمه.
لماذا تكون ثمة كلمات أكثر تأثيراً من غيرها؟ قد يقال إنَّ الموقف يقتضي استعمالاً لهذه الكلمات دونما تلك. وقد يشار إلى أنّ الخطاب يجب ملاءمته للرسالة التي يوصلها. وربما ينوه إلى اعتبار اللغة بها بعد انجازي، أي يفهم المتلقي ماذا يُراد منه فيفعل مثلما تطرح. كل ذلك لا يتم سوى بنشاط يخترق الوعي والحقائق والتعبيرات، إنه عمل الثقافة التي تربط بين الأشياء فتغدو مضموناً مناسباً للغة. لا يمثل الخطاب الثقافة لكنه يحيى روحها في اللغة، في دلالات الكلمات. وتظهر تلك القضية مع الترجمة من لغةٍ إلى غيرها. فكل مترجم ما لم يترجم روحَ الثقافة، أي هذا السر الكامن وراء قدرة الكلمات على التعبير، لن يستطيع توصيل المعاني. وحين يعبر بلغته سيكون خائناً كما هي المقولة الشائعة" كل مترجم خائن". خائن لأنه لا يستطيع نقل كامل الأسرار للغةِ المنقول عنها. وبذات الوقت يحتاج إلى تقريب الأفكار والمفاهيم بلغته وهذا مستحيل. إذن لا مفر من خيانة النص المترجَم وخيانة لغته الأم على كافة الأوجه.
تلتحم الوظيفة الثقافية مع عمل العقل، مع قعر العقل. يقول أنطون تشيكوف الثقافة هي ما يبقى في عقل الإنسان بعد نسيان كل شيءٍ. معناه قد لا يذكر العقل شيئاً لأنه لو تذكر لافتعل مفاهيمه وتصوراته. والعقل المقصود هو العقل التواصلي والعملي بمصطلح كانط. فهذا العقل يضع القانون لنفسه سائراً دون تعثر. مما يشير أنَّ هناك نسخة أولية فيه كأرشيف لعمل الدلالات من حوله. وطالما أن الثقافة تعمل في حالة نسيان العقل، فالعقل يفتح جميع حدوده على اللا وعي، على اللا عقل. أي على اللغة، لأن اللغة في سكونها القاتل لهي شفرات تلك النسخة إذ تُحَبِّر أنظمة الثقافة والطبيعة. ومن ثم تحولها إلى نسيان زمني بهذا المفهوم في دماغ فاعلي الثقافة.
النسيان هو جوهر اللغة والثقافة معاً. لأنه مادام يوجد نسيان فلابد من الذاكرة. بذلك يصبح الخطاب طريقاً للتذكر، طرحاً لعمل الذاكرة. الخطاب الديني يعول على هذه الاستراتيجية. كثيراً ما يردد أصحابُه "وذكر فإنَّ الذكْرَى تنفع المؤمنين". كإشارةٍ إلى تبرير الحديث ونهب الفرصة لمعاودة الكلام في قضايا سبقت. لكن الفكرة الضمنية محاولة استدعاء المخزون المعرفي المنقوش في النفس. وجرياً على اليقين المفترض سلفاً يأتي التذكير ترديداً لما سبق في الثقافة الموروثة. تكاد تكون أية ثقافة بها تلك الخاصية التي يلمح إليها منتجو الخطاب الديني بالأسلوب التقليدي. والآية تقترن بذكر المؤمنين. على أساس أن من يتذكر يثق بالذاكرة. يؤمن بما يتذكره لأنه عمل نفسي معرفي. لذلك يعد طريقُه الحي في الدين ممتداً مع الإيمان وجزءاً منه. غير أنَّ الخطاب يعتبر الخاصية السابقةً رصيداً للتواصل ويثبت أنها طي اللغة.
من منا لا يتذكر أحوالاً مرت به ومر بها في حياته؟! من لا تقلِّبه الذاكرة على كافة الأحوال؟ طبعاً سنشعر بنفس المشاعر والحالات التي انتابتنا من قبل. لكن إضافة إلى هذا تأتينا الذاكرة بزخم المعنى. وربما ما كان مفهوماً في حينه أصبح الآن أكثر إلحاحاً في حيننا. وهذا الموضوع يبرهن على مسألة أنّ صورَ الذاكرة صور دالة. لا لأنها كذلك بطبيعتها لكنها تُشفَر وتُخزَّن في العقل بإمكانيات اللغة على التخزين.
بعبارة أخرى كانت اللغة هي أنظمة الأرشيف بالنسبة للذاكرة. وهي بالمثل ستكون أنظمة الاستدعاء لمخزونها. ففي المرحلة الأولى تحتاج الذاكرة خاصةً وعامةً إلى انظمة دلاليةٍ. لأنَّ مواد الثقافة وصورها تصبح كلمات ومواقع للمعنى وليست مواداً خالية من المضمون. أما بالمرحلة الثانية فنحن لا نعي تماماً ماذا تفعل بنا اللغة أثناء التكلم عن الماضي، ولا ماذا نمارس من طقوس حين نتذكر صور الحياة. كما لا يأخذ المتلقي انتباهه للذكريات من حيث أن لغة الأرشفة هي ما تربط بين عناصر الصور وتعطيها لونا وتكسوها جسداً.
إن من يتحدث عن واقعة مرَّ بها يعطيها حياة أخرى بحثاً عن المفقود والهارب. في روايته "البحث عن الزمن المفقود" حاول مارسيل بروست تتبع خطوط الزمن من خلال شخصياته الروائية. ولم يأخذها إلا من أعماق الحياة لحظة نسيان الحقائق والأعمال. لكنه في كل هذا ظل يترقب انفلات الزمن من نفسه. ليجده زمناً ينفلت هكذا في حالات خاصة مثل حالة السعادة. بينما لم يجد سعادة مطلقة سوى في الحياة كإيقاع فني. أي وجدها في الفن بانفتاح معناه. فالحياة لها معالم فنية مثل: الشغف والوله والاستغراق والإبداع والخلق والتذوق والمتعة واللعب الطفولي والتحرق شوقاً للبساطة. جميعها صور ذات معنى نفسي وروحي كامن في جوهر الكائن الإنساني. لدرجة أنَّ الفن يجعله يلتقي بالأبدي حتى الأعماق وبالمتعة حتى الثمالة وبالمبهج حتى الجنون. إذن المفقود من الحياة هو الحياة. والضائع من الزمن هو الزمن حيث المعنى على الأصالة.