قراءة الخطاب: عن أرشيف الثقافة.

سامي عبد العال
2016 / 6 / 14

القراءة في الثقافة العربية معناها "الجمع والتتبع". معرفة الرابط الاجمالي الذي بإمكانه ضم الأشياء تطلعاً للفهم. غير أنها بصدد الخطاب عملية معكوسة حفرياً. إنها استطراق حفري للداخل حتى الأعماق القصوى. أي تبحث عن شيء ما كامن في صمت اللغة. في أنظمتها، أحداثها، طِباقِّها المتراكمة والأكثر تأثيراً. لا بمعنى أنَّ داخل الخطاب كماً من الأسرار، إنما كل خطاب ينطوي على سر إنْ لم يكن هو ذاته السر. لأننا نحتاج إلى فك طلاسمه كي يتداعى بناؤه. إذ ذاك يتم التعرف على ما يقول وأية معانٍ يضمرها برسالته. إن تتبع تلك الحلقات لن يتم دون تفكيك لحركة المجتمع على خلفية البنية الثقافية. والتنقيب داخل أنظمة الرموز والعلامات وكيف تعبر عن مكنونها.
كثيراً ما نترك مجال الخطاب جانباً تحت وقع انفصام القول عن الفعل. هذا الشق الثقافي المجهول داخل جدران ذواتنا العربية الصماء. وبخاصة أننا ندُور- فكراً وممارسة - مع دوران الرحى اللغوية. حيث نستطيع اكتساب الايقاع الحياتي نفسه والوصول إلى ذات النتائج. فنصبح في حالة أشبه بعجلة مفرغة تدور بسرعة كبيرة. تعطينا احساساً بالامتلاء والاكتمال بينما هي مازالت فارغة المحتوى وليست تامة البناء. اللغة هي هذه العجلة الدائرة بسرعة قوية. حين تتلفف وعينا وأفكارنا خلالها دونما مخرج(نحن ظاهرة لغوية).
في هذا الموقف لابد من اللجوء إلى النصوص المقدسة ثقافياً. لأنها بخلاف فكرة "الإيمان والكفر" توثق آليات تفكير الجماعة التي كانت فيها. ولماذا اكتسبت قداستها من خلال هذه الاستدارة المعرفية. أي تبادل الأصداء التاريخية بين النص والفكر. الأرشيف نوع من الرواسب الدلالية المضمرة التي تكشف الحقائق والأصداء التاريخية. فهو مكتوب ضمناً حتى وإن كان له قداسة تند عن المقارعة. وبذلك يضم الأرشيف كتب الوحي والأقوال والممارسات والعبارات المأثورة والتفسيرات وتخريجاتها حول المتون الفاعلة لدى المجتمع.
أشار القرآن كوثيقة ثقافية إلى الانفصام الفكري لجماعة الايمان. وهو يفيد في معرفة اللغة كأحداث خطابية مؤسِسة للوعي بالأفعال. وسنلاقيه في مفترقين: تسطح الخطابة وقنص المصالح لدى جماعات الاسلام السياسي اليوم. "يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون" (الصف/2). إذا كان ذلك مع المؤمنين فكيف يكون مع غيرهم؟! القرآن يُوصِّف ذهنية عربيةً ضمن سياق الكلام. فالمؤمنون هم العرب وغيرهم. سوى أنَّ الثقافة العربية لها السبق في إلقاء القول جانباً وترهل الفعل متلاشياً بجانب مغاير. وهو ما استمر خلال التعامل مع الدين. وكم خضع القرآن نفسه إلى ما نهى عنه. وبالتالي يبدو متمسكاً بإظهار قوة المفارقة كرادع لغوي تحت سلطة له لا تؤثر.
وبهذا ينبغي اظهار الجدل التاريخي للنصوص المقدسة مع الواقع. وهي بذلك ستتضمن قوانين الثقافة. بل ستخضع لها. لأن الجدل يترك أصداء إنسانية عبرها. حتى وإن كانت تلك النصوص متعالية. ومن خلال اللغة لن تستطيع التعبير عن آفاق الإنسان إلاَّ بطرائق تفكيره. وبذلك بالإمكان استنطاق معاني النصوص القادرة على إظهار صياغتها وتكوينها. عندئذ لن تتحدد نقطة فاصلة بين المقدس والمدنس، الميتافيزيقي والفيزيقي. طوفان اللغة يقوم بعملية الغمر، الإغراق النوعي.
يدل ايقاع الآية وراء تعبير "لم تقولون" على مغايرتها لتعبير "ما لا تفعلون". كأنَّ القولَ شيء وهو كذلك. بينما الفعل شيء مناقض وهو مختلف. فيتضح أنَّه لا يوجد تزامن بينهما. بالتالي يصح التبادل الدلالي هكذا: لم تفعلون ما لا تقولون. لأنَّ علَّة الصياغة سقوط الارتباط وتباين المقصدين جرياً على تباين توجههما. يلجأ نص القرآن إلى صيغة الاستفهام لإبراز المفارقة بين الموقفين. كأنَّ أصحاب القول ليسوا هم أصحاب الفعل. هنا لم ولن يترك الاستفهام المتلّقي وشأنه. لكنه سيتركز وراء المشهد حيث الخلل في الناس بموصوف إيمانهم. والإيحاء باللوم فاعل في رد الاستفهام إلى تلك النقطة بطريقة خلفيةٍ: يا من تؤمنون كيف تقولون ما لا تفعلون. والسؤال المتواصل لدى المواقف الدينية: كيف يستقيم الإيمانُ مع هذا الازدواج؟!
وإذا كان المضارع في الفعلين(تقولون- تفعلون) يفيد الاستمرارية، فالثقافة العربية مشحونة بتتابع الانفصام الخطابي. كانت نتيجتها تفريغ القول في حياتنا العامة من أي عمل. انفصام الشعراء ببلاغتهم عن الواقع:" ألم ترَ أنَّهم في كل وادٍ يهيمون، وأنَّهم يقولون ما لا يفعلون"(الشعراء/225، 226). يظهر هذا بارزاً إذا عرفنا أنَّ الشعر كان أبجدية خلق الأشياء مع الأساطير. وأيضاً كانت الأشعار شكلاً أولياً لكيفية التعامل مع الكائنات والطبيعة. وظلت تلك السمة عالقة به ومُلحة في طرح أساليب شعرية ابداعية.
لهذا بقي حكام العرب وسلاطينهم وملوكهم مرتعبين من الأشعار. فكان رد الفعل، لا الفعل بطبيعة الحال، فتح قصورهم كحظائر لخصيان اللغة؛ أي لهؤلاء الشعراء المدجنين الذين يلهجون بعبارات المديخ والفخر والحماسة. وكم جاء وصفهم بالفحول، فحول الشعراء الذين يستعملون فحول الألفاظ. بينما وضعهم الثقافي يشي بإبطال مفعول اللغة واقعياً. وبلمسة تعويضية جاء في وصف أجمل التعبيرات كما يقول ابن سيرين: ما كان لفظه فحلاً ومعناه بكراً. لكن الواقع شيء منافٍ لهذا تماماً. لقد كان الاختباء في الاستعارات والجناس والسجع حيلة للهروب من الخِصاء السلطوي الرمزي.
علاوة على ذلك وُجدَ انفصام القول السياسي عن الحال الاجتماعي. كان هذا النوع عميقَ الأثر في الذاكرة العربية. فالسياسة لا ترضى بديلاً عن خطاب الأمر، عن طريق تصريف الأشياء بما يخدم مصالح الحكام. وهم يحتلون مركز اللغة التي يُتَحدث بها في المجالات العامة. ترتب على ذلك ازدواجية الخطاب بين المعلن والخفي بحسب انفصام الكلام عن الفعل. والحاكم العربي نفسه هو من بث تلك الازدواجية في اللغة. ونتيجة الممارسة جعلها في حالة تضخم دون قيمةٍ لها في الحياة. فبعض التضخم الاقتصادي أنْ تغرق أيدي الناس بالنقود بلا قيمة تقابلها من إنتاجٍ ولا عملٍ. وهو دليل على فراغ الأرقام من مؤشراتها. وتضخُم الخطاب بهذا المدلول أفرز تضخُماً في القيم وعبارات الترحيب والكلمات الوثيرة بينما يضمر قائلُّها تزلفاً وعداءً لا ينفدان.
ليس هذا الانفصام على مستوى القاعدة الاجتماعية، بل قلّما ينجو منه حاكم عربي واحد. فالأقوال السياسية تمثل مسحوقاً لمحو أي أثر للفعل و حتى لطمس التوقُع بوجوده. يحدث هذا مع إنبات أجنحة للكلام طيراناً دون هبوط وتحليقاً بلا توقف. كم همَّ حاكمٌ سياسي ليميّع أي التزام قد يربطه بشعبه بمجرد إلقاء الخطاب.
لقد ارتبط الخطاب في التاريخ السياسي العربي بهذه المعاني التي لا تدل على شيء، وبهذه الوعود المقطوعة دون ضمان. حتى اُشيع القول الدارج إذا أراد رئيس عربي أنْ يكذب على الناس نهض لإلقاء خطاب أو لإصدار بيانٍ. فالكلام عادةً مهُول اللفظ بينما يتأرجح الواقع مع المجهول. أكثر الأسرار علناً في حياة العرب كلام الخطاب مُنعدِم الحقيقة. هو سر معلَّن. لأننا نتعامل معه تلقائياً بوصفه شيئاً مسلّماً به. لم يناقشه المجتمع على نطاقٍ واسع، ولم يعترض عليه الأفراد إنما ضُمَّ إلى معتقداتنا اليومية. فأصبح الواقع خُرافة لأنَّه واقع اللغة الكذوبة لا واقع الواقع الفعلي.
هكذا آية أخرى:" كبُرَ مقتاً عند الله أنْ تقولوا ما لا تفعلون"(الصف/3). كان بإمكان الآية القول كبُرَ مقتاً من غير الاسناد الميتافيزيقي(عند الله). وسيغدو الانفصام ممجوجاً بوضوح على الصعيد السلوكي. إلاّ أنها رجعت به إلى مطلق الوجود في الذهنية العربية، إلى الله. ذلك على أساس ضرورة تحمُل مسؤولية القول دون فعلٍ. فهذا إنْ حدث يضيع المسؤولية ويدفع إلى فقدان اللغة لأهميتها التاريخية. حينما قال الإله عن نفسه أمراً جللاً أكد: "وإذا قَضَى أمراً فإنما يقول له كن فيكون"(البقرة/ 117).
لم يخبر الإله عن ملكوته إنما أظهر اللغةً كخالقةٍ للفعل. لغة القضاء المبرم والمشروط بإرادته المفارقة. فالعظمة إذن ليست بالقول مقدساً أم غيره بل في ترجمة الأقوال إلى أفعالٍ. وبخاصة أن مسؤولية ميلاد اللغة واحدة لدى الفعل الإلهي وعند الفعل الإنساني. لهذا قرن الإله مقتاً واقعاً على مزدوجي اللفظ والعمل: بأنَّه مقتٌ عنده وحده. اختص به نفسه نظراً لخصوصية العلاقة بين الخطاب والرسالة. وكم كانت المحاذير من تفكك هذه العلاقة واردة. وفي هذا سأذكر بعض نماذج الخطاب باختلافه. وهي خطابات تحول القداسة إلى موضوع إنساني مؤرشف عن طريق دينامية اللغة. كيف يتم ذلك؟
1-الخطاب الاجتماعي: ضياع الرسالة من الكلمات والتلقي معناه تكريس حالة الأنومي anomy كما أسماها إميل دوركايم. أي فوضى اللا معايير non- norms وتفسخ منظومة القيم من جراء تناقض الأهداف وعدم إمكانية بلوغها. الأمر الذي يسبب اغتراباً عن الواقع وغثياناً أثناء التواصل مع الآخرين. إن المجتمع خطاب ورسالة. والسر كل السر في هذا الارتباط بين المعنى والحقائق المشار إليها. واللعنة الاجتماعية (المقت الدنيوي) تلاحق من يتلاعب بالخطاب في المجال العام. مع أنَّ هناك دوماً من يتلاعب بالكلمات ولن يكف عن ذلك. وإيراد الآية السالفة لفعل القول بصيغة الجمع" أن تقولوا مالا تفعلون" يفيد وضعاً جمعياً لاحقاً بمنطوق الناس. فالترقب الإلهي بمقتضى "عند الله" يدل على أحد أسرار المجتمع العربي. لهذا يمثل الخطاب الاجتماعي شفرات الوضع الاجتماعي تراكماً وإنتاجاً لعلاقاته.
لا يخلو مجتمعٌ من خطابٍ اجتماعي يبرر وجوده وتفاعلاته. أما الأكثر إدهاشاً أنَّه يعطي الناس خيالاً بديلاً حينما يعجز الواقعُ عن الإيفاء بمتطلباتهم. إنَّ عبارات تاريخية، سواء أكانت مآثر لرجال أو جارية على ألسنة أبطال، تهدهد مصيراً اجتماعياً مشتركاً أكثر مما تؤجج نوازع التناحر. ليست القضية في خطابٍ يمتحُ من تراث اجتماعي، لكن لماذا يملأ ثغرات الواقع، لماذا يعيش فيه الأفراد مع كامل حياتهم؟ لا ريب أنَّ مفرداته تنزل منهم منزلة المجتمع ذاته. ولهذا تستقبل المفردات خبراتَّهم وتأويلاتهم للحياة والكون.
لربما يُقال إنَّ الامثال الشعبية عبارات حملت عصارة تجربة الحياة. غير أنها فوق ذلك تتحين نتائج التاريخ، تفتح اللاوعي على احتمالات ألاَّ يوجد الإنسان دون تجارب ماضيهِ. فمع أنها تجارب لم يعشها هو بالطبع لكنها تسكن اللغة على نطاق عام. وتعيد توجيه ذاكرته نحو ما ينساه. وعلى افتراض أنَّ هذا الإنسان ينسى فلن ينسى المجتمع. لأنَّ كلاماً كتلك العبارات يُنطق جمعاً لا فرداً. وبالرغم من طرح الأمثال تبعاً للمواقف الاجتماعية إلاَّ أنَّ التعبير ينفلت نحو تكرار المعنى الكلي. فيبدو كأنَّه يضع المجتمعَ أمام تاريخه المتناقض.
الخطاب الاجتماعي له سلطة المجتمع. ويدور مع حقائقه دورات بلاغية داخل معجمه مع نزوله إلى الممارسة. من ثم ما لم نمتلك القدرة على حل خيوطه بواسطة فهم المجتمع لن نفهم تشابك معالمه وقوانين توصيله للمعنى. فالخطاب يبلغ من التعقيد درجة تمكنه من صناعة قوانينه الخاصة. وذلك الخطر الذي يعين المقدسات عن طريق تنويع دلالة المركزية وبذر الاختلاف على نطاق واسع.
وليس صحيحاً تصنيف الخطابات داخل قوالب جاهزة مع تجاهل حواشيها الاجتماعية. فلو تمَّ ذلك لن تقبل اللغةُ ارتياد المواقع الثقافية التي نرصدها للمعاني. فلكل مجتمع، بل لكل طائفة وبالقطع لكل جماعة، دلالات لكلماتها على معانٍ لا تُعطى لها من أول وهلة.
ربما يعترض قارئ قائلاً: إنّ الأفراد العاديين يفهمون الكلمات تلقائياً. هذا صحيح وغير صحيح معاً. صحيحٌ لأنَّ الكلمات لها جانبها الاجتماعي التواصلي. وكما يؤكد هابرماس أنَّه الجانب الأكثر إجراءً. ويتجلى من حينه في عبارات الحوار العملي practical dialogue. هو كذلك حيث تُطرح الكلمات بمقدار إيقاعها السريع أثناء العلاقة بين الأفراد. مع هذا كله فالاعتراض غير صحيحٍ بالمثل. إذ لا تتمكن ذات الكلمات من نقل كامل المعاني. إنها مشبعة بتاريخ من الحركة والالتفاف والمقصود وغير المقصود والمأمول والمحْبَط. وحالما يتم فهمها من جانب يغيب الجانب الآخر.
2- الخطاب السياسي: يختزن هذا الخطاب معاني أبعد من أهداف الأفراد. الفرد حين يعبر تسقط الكلمات تحت قامته. وقد تكتفي بالأغراض النوعية في عمله وحياته وعلاقاته الاجتماعية. لكن ماذا يتوافر لكلمة حتى تكون مؤثرةً كلياً؟ السياسية ليست سلوكاً ولا فعلاً اعتيادياً. ولا بمعنى ساس يسوس كما هو مشهور بالمعاجم. إنها إدارة ما لا ينتمي للفرد. وهذا اللا منتمي عصي على الاحتواء والتقديس. وإلا لو أصبح منتمياً لتشخص أو لسلطة لغدا موضوعاً للقهر. فالإنسان يصل إليه بكافة طاقاته، بمزيجها معاً. يبلغه الخيال المنفلت من قبضته قبل أي شيء.
السياسية في هذا قرينة الانفلات على صعيد الكلام والمعنى. لأننا نتلقى الكلمات لا بملكة الفهم إنما بأنف التوجس والريبة. ألا نحاول تغيير مراكز التلقي العادي حتى نرى ما سينتج. الخطاب السياسي يدعونا إلى استقبال كلماته بمزيج من الحواس كما صيغ هو بمزيجها المتناقض. فهو يدخل إلى وعينا ولا وعينا معاً. إذا كنا نقف على قدمين ثابتتين يطرحنا أرضاً واقفين على شعورناً. على كل أعصابنا إذ تصلنا بأعصاب المجتمع آخذين منه ومتربصين تجاهه.
بهذا تتماثل السياسة مع عمل اللغة. فالاثنتان تشبعان خيالاً جمُوحاً. بالتالي يترك هذا الارتباط بينهما أثره التحويلي على الخطاب السياسي. وإذا كانت اللغة قوة من جهة التعبير. لأنها تسمح بسريان الطاقات الإنسانية وتشكيلها في الواقع، فإنَّ معاني الخطاب السياسي تلعب على هذا الوتر الحساس. كانت السياسة ومازالت تستعمل الخطاب كأداة لإنجاز دهائها حتى في أشد مراحلها وضوحاً. اللغة بالنسبة إليها ليست مهمة فقط، بل تعطيها مناورات دلالية لتحقيق استراتيجياتها. كما أن اللغة بمثابة الفضاء الذي تنكشف خلاله الأشياء فتبدو موجودة كما لو كانت لم توجد من قبل. إنها مجال الأليثيا aletheia، أو اللاتحجب عند هيدجر.
فلو لم يستطع الخطاب السياسي تسريب المعاني غير المقُولة بشكلٍ مباشر ما كان ليهيمن على العقل الجمعي. فالخطاب يملأ فضاءً يتوزع فيه الأفراد. أليست كلمات مثل "المواطن"، "الحرية"، "الديمقراطية"، "العدالة" تفتح آفاق الخيال. كلمات هذا الخطاب المسيّس تقطع دون عنف، تقتل دونما موت. إنه خطاب الرغبة في امتلاك الآخر.
بناء على ذلك يحتفظ الخطاب السياسي بأسرار التفكير الجمعي. كيف يُدار. وكيف يُؤلف صراعاً من أجل الاستحواذ على الواقع. ولماذا يُرسِب وجودَّه الخاص بخلاف المتعارف عليه. ليس للخطاب السياسي توصيف لغوي أكثر من "الحرب والحيلة والمكيدة". فيمكنه تحريك الجموع بها. ويمكنه اشباعهم كلاماً في كلام، وبإمكانه حل المشكلات بذات الطريقة. فالخطاب السياسي يحدوه حلم قديم قدم الإنسان الأول، حلم خلق الأشياء بعباراته، وهو تلك اللغة الأسطورية التي تحدثنا عنها.
3-الخطاب الصوفي: هو تجربة نطق المقدس داخل الذات المحدود. وما قِيلّت العبارةُ في مجال التصوف إلا لتأويل السر. هذه الأنفاس الإنسانية – باصطلاح الصوفية- مع المطلق. ويوجد السر حيث انفتاح الروح على اللامتناهي. فالسؤال البارز: كيف يعبر المتصوف عن أحواله وغيباته مع كونه إنساناً؟ إما أنَّه لا يجد مخرجاً غيرَ اللغة فيبثها فيوضه و لوعاته مع الأسرار. وإما أنه يعبر عما يحمل فتغدو عباراته طلسماً بحكم كونه يكابد بكيانه كله لا بحاسةٍ ولا بملكةٍ مفردة.
فيصبح التعبير لدي المتصوف باللا تعبير. والمعنى باللا معنى. والحقيقة باللا حقيقة. أي محاولة التعبير كما نعرف باللا تعبير كما يعْرف. وبالمعنى كما ندرك باللا معنى كما يكابد. وبالحقيقة كما نظن باللا حقيقة كما يتيقن. إذ ذاك يبدو اللغز الأكبر: كيف يجعل المتصوف كلماته كلاماً غير عادي شريطة الالتزام بوجود اللغة؟ أي كيف يعبر باللغة عما تعجز عنه هذه اللغة؟ إذن لا مفر من تحويل اللغة إلى رموزٍ وعلاماتٍ برغم أنَّ كلمات التصوف بمفردها كلماتٌ قد تكون مفهومةً.
نحن نعرف أنَّ التعبير باللغة يخضع عادة للتفكير أو الحس أو الخيال أو الشعور، لكن ماذا لو كان المُعبِر يتكلم بجميع تلك الطاقات في نفْس واحد، في لحظة واحدة وفي استغراق كامل بلا تمييز. أكيد تاريخية اللغة لن تقوى على ممارسة هذا التعبير. لأنَّه أين سيعثر المتصوف على عبارات في قواميس اللغة كي ينقل ذلك الكيان اللا كيان. بأية وسيلة يدمج المنفصل ويفصل المتصل؟ إنَّ لحظات اتصاله بالأسرار- على ما يظن-¬¬ مطلقة، يقْصُر الكون ذاته عن احتوائها وعن الاحساس بها. هي لحظات كل الزمن وخارج الزمن، أي كل الكل وفوق الكل.
إذن لا يكتب المتصوف وإن حَبّرَ آلاف الصفحات كما فعل ابن عربي. ولا يجرب موتاً وإن صُلِّب وقُطع أشلاءً كما حدث مع الحلاج. لأن الموت بألف ولام التعريف يعيش فيه مع اللغة التي هي وجوده، ومع التجربة التي هي سره. حياته وكلماته ميتات متواصلة لا تنقطع، كيف يموت من هو ميت؟ كيف يحيى من هو في مطلق حياته؟ فهل نتخيل أن هناك سراً وراء السر الصوفي بالنسبة لصاحب الفتوحات الإلهية؟
إنَّ لغة المتصوف لهي الأسرار ذاتها. لأنَّ الميزة الأساسية في اللغة بوصفها خالقة توجد في أبجدية التجارب الصوفية كما في الدين والأسطورة. أي انعدام الفاصلة بين الكاف والنون كما يتراءيان لكيانها. إذن الخطاب الصوفي هو "قيامة اللغة" في الحياة الدنيا. فاللغة كما نعرفها وكما نتوسل بها أصبحت هي الصاعقة، هي الصاخة حيث الانفتاح على مشاهدة المجهول.
إن التعبير الصوفي ليس سوى جسد التجربة الصوفية ذاتها. حيث لا مسافة، لا حركة، لا مباعدة من غير اقتناص المستحيل. لهذا لا يكتب المتصوف مثلما قلنا إنما ينكتب دون بداية ولا نهاية. إنَّه القلم والحرف والخط، إنَّه اللفظ والمعنى، الوجود والموجود. أقرب دلالة على ذلك من البيتين السابقين أنَّ القلب هو العين مثلما أن العاشق هو المعشوق. ليست المسألة في الخطاب حلولاً ولا اتحاداً إنما هي جوهر الخلق اللغوي. تلك الحالة التي تفوق الوصف مهما تكن أدواته وعباراته. ويتحول السر إلى سر اللغة. لأنَّ التطور الخالق بمصطلح برجسون تمثَّل في المخلوق. المتصوف في مراحل تجربته لا يتقادم في الزمن، ولا في الوجود، لكنه يبقى دوماً قيد الماهية. إذ لا يعرف كنهها على الرغم من أنها هو. الخطاب الصوفي يعبر عن تلك الماهية بكل تجلياتها. والسر هو الشيء غير القابل للترجمة فما بالنا بفحواه.