الجعفري حكيم العراق

جعفر المظفر
2016 / 6 / 14

الجعفري حكيم العراق
جعفر المظفر
ويا الله, ما أتعس بلدا حكيمه الجعفري, خاصة وهو لا يكف يوما عن ترديد قولته (إن العراق يحارب الإرهاب بالنيابة عن العالم), حتى بات يرى نفسه وكأنه أرخميدس, ذاك الذي إكتشف, وهو يغتسل, قانون الأجسام الطافية, فلم يتمالك نفسه ولم ينتبه لها وهو يخرج صائحا (وجدتها) وهو عريان. والحمد لـ لله الذي أبقى الجعفري معتمرا بثيابه وهو يكتشف قانون النيابة هذا, وإلا لصارت الكارثة كارثتين.
الجعفري بكل تأكيد يظن أنه حينما يذكر حرب العراق بالنيابة عن الإنسانية فإنه سينافس أرخميدس على عرش ألـ (وجدتها), فها هو يعلن ذلك من عمان هذه المرة, وقبلها كان تغنى بقولته تلك من على منبر الأمم المتحدة, وأيضا في إجتماع وزراء خارجية دول الجامعة العربية, غير متوجس بالمرة من إمكانية أن يبرز له أحد العراقيين مثلا لكي يسأله لماذا كُتب علينا نحن العراقيون قدر الحرب بالنيابة هذا الذي يتكرر إعلانه في كل مرة وجد الحاكم العراقي نفسه محصورا في زاوية أخطائه وآثامه وجرائمه.
أما الواقع فهو يشير إلى عكس ذلك تماما, وهذا ما يحاول الجعفري إخفاءه أثناء نشوة الإكتشاف, ولأن العبقرية تحمل في أحد وجوهها خروجا على المألوف, وكذلك الجنون, فإن واحدة من أبرز مصائبنا مع الرجل هو خلطه بين الحالتين, حالة الجنون وحالة العبقرية وعدم قدرته على معرفة الفارق بينهما, وإلا كيف يبيح عاقل لنفسه حق أن يُحَّمِل شعبا مهمة قدرية عظمى كهذه, الحرب نيابة عن العالم, ولماذا يظن بأن العالم ساذج إلى الدرجة التي يستطيع فيها أن يخدعه بهذه السهولة.
إن الواقع يرينا حقيقة اساسية لا يستطيع الجعفري, بل لا يريد أن يراها, وهي أن العالم هو الذي بات مبتلى بالنظام السياسي الذي يمثله هو وأصحابه, فإن تكن ضعيفا فتلك مشكلتك أنت, أما أن تتفسخ فستكون مشكلة للذين من حولك, وربما أراد الأمريكان عراقا ضعيفا ومسكينا, غير أنهم على الأكثر لم يشئوا له أن يتفسخ بهذا الشكل لكي يكون مصدرا للفوضى المنفلتة, التي سيتعبهم كثيرا ضبط تداعياتها, وسيكون إختلافه بعد ذلك مع النظام السياسي الجديد ليس على فوضاه, وإنما على إنفلاتها, وهذا ما تم على أيدي النظام الطائفي اللعين الذي تفنن في إفقار العراق ماديا وقيميا وتمزيق وحدته الإجتماعية .
والقول أن المنظمات الإرهابية التي تمثلت في القاعدة من قبل, وتتمثل في داعش حاليا, هي من أصول وفقه وهابي تكفيري لن يطمس حقيقة إن بقاء الإرهابيين على أرض العراق ثم توسعهم كان نتيجة مباشرة للواقع الطائفي المخزي للنظام السياسي الذي عمل على إضعاف العراق وإفقاره وتمزيق وحدته الإجتماعية والإنتقال به إلى إذاعة خارجية صار بثها المباشر يأتي من قرون ماضوية سحيقة.
وفي عراق كهذا لم يكن عجيبا أن يجد الإرهاب تربته الخصبة, وإنما كان سيصبح عجيبا لو أنه لم ينتبه لها.
أما العودة إلى الأدبيات التي رافقت غزو العراق في عام 2003 فستجعلنا نعثر بسهولة على أكثر من تصريح للرئيس بوش الإبن وقد ذكر فيه بشكل علني وواضح وصريح أن واحدا من الإهداف الأساسية لعملية الغزو كان إيجاد ساحة لملاقاة الإرهاب ومنازلته خارج الولايات المتحدة الأمريكية وخاصة بعد الجريمة النكراء التي إرتكبتها القاعدة في الحادي عشر من أيلول عام 2001 والتي ذهب ضحيتها مواطنون أمريكيون أبرياء, وهذا سيجعلنا نتعرف على حقيقة أن الشعب العراقي هو الضحية الفعلية للحروب بالنيابة تلك التي تجري على أرضهم والتي صنعتها دول عالمية وإقليمية بإستراتيجيات متصارعة, أما قانون الحرب التطوعية بالنيابة عن العالم هذا الذي يدعيه الجعفري فهو واحد من الأغطية التي يصنعها النظام الطائفي المتخلف وهو يحاول إخفاء دوره في عملية التبرع بالشعب العراقي كضحية للإرهاب.
إن العراقيين باتوا بأمس الحاجة إلى نظام رصين يخرجهم نهائيا من حروب النيابة عن الآخرين إلى الحالة التي تساعدهم على إعادة إكتشاف هويتهم الوطنية الجديدة حيث السلام والأمن والعدالة