النصّي و النسقي في منجزالشاعر العراقي عماد المطاريحي

ناهضة ستار
2016 / 6 / 13

النصّي و النسقي في منجزالشاعر العراقي عماد المطاريحي


صدرت للشاعر العراقي المعاصر (عماد المطاريحي ) مجموعته الشعرية المعنونة ب ( المئذنة و البحر الاخضر) * وهي منجز ابداعي مهم لجملة دوال و اشارات نصيّة ونسقيّة يصدر عنها ، و بتقنيات فنية و دلالية يتشكّل فيها المعمار الشعري في اللغة و الاسلوب و الايقاع و البناء الفني و الدلالة و النص و ما بعد النص ... و بقدر احتفالنا بهذا المنجز الجميل نسعى لكي نؤسس دوالنا النقدية ايضا من خلال علْمنة الاحتفال و منْهجة الفرح بهذا المولود الأثير لتجربة طويلة في معاناة الكتابة و معاناة الحياة ولعلهما توحدتا في هذه المئذنة الخاصة التي لا يزورها إلا عشاق مختلفون ، و دراويش تعشقهم الغربة ويألفهم الحبر النبيل لكن دوما تشرق شمس ابتسامة كريمة هي اعظم منجزات الشفتين حين تختصر الابجدية .... أقدم قراءتي هنا في حضرة هذه المئذنة الجليلة من خلال تأشير اهم المداخل التحليلية بوصفها مسبارا رهيفا قادرا على النفاذ قارئا ابجدية المنجز.. متسائلا عنه و فيه و حوله و ما بعده .. فما الذي يمثله شعر المطاريحي في ذاته ؟ و ما الذي يمثله في مرحلته ؟ سؤالان تنطق عنهما الثنائية المقترحة في عنوان هذه القراءة(النصي و النسقي) حيث ان (النصي ) مقاربة للمنجز من بناه و لغته و فنه و اساليبه و تقنيات اشتغاله من المفردة الى الجملة ، و من الجملة الى النص ، و من النص الى التناص .. حين يشتغل على حفريات النص و التنقيب في جيولوجياه العميقة المترعة بالاسرار و اللقى و النفائس التي لا يتأتّى للكل تشخيصها و ادراكها و تقدير قيمتها في زمنها او خارج زمنها . أما (النسقية) فمقاربة مختلفة تقترح آلية" ثقافية لقراءة النصوص في مدى ارتباطها العلائقي مع الانساق الثقافية المهيمنة و ما الذي يقترحه النص الحالي حتى يكوّن أنساقه المغايرة .
تنتمي نصوص (المئذنة و البحر الاخضر) الى نمط الشعر الشعبي و هو من منجزات الذاكرة الانسانية بعامة و الاممية و المحلية بخاصة ، لجملة دواع و مسوغات يقف في مقدمتها انه الادب الذي ينطق ما يفكر فيه .. تندغم فيه الانا الجماعية بالأنا الفردية ليفصح عما سكتتْ عنه ثقافة النخبة في كل عصر و مكان حين يطرح افقا آخرا او منهجا مغايرا في معاينة الواقعة شعريا و جماليا و فنيا ليكون صوت الحقيقة المفقودة احيانا او كتابة جمالية صريحة لواقعة غير جميلة في الواقع ..وقد عني الدرس الادبي و النقدي في العالم بلم شتات الآداب الشعبية و فهرستها و دراستها بوصفها صورة مهمة من ثقافة الشعوب و انماط تفكيرها و مستوى حضارتها بين الامم ، فقامت اشهر المناهج و الآليات التحليلية على ضوء آداب شعبية ثم شاعت و كثر تطبيقها و اجرائها على نصوص باللغة الرسمية او الفصيحة و اكبر مثال على ذلك :منهج (فلاديمير بروب) الروسي في الحكاية الخرافية الشعبية التي اضحى لها شأن واضح في الدرس النقدي الحديث و السردي بخاصة ، وغير ذلك كثير علما ان الادب المحكي باللغة العامية في العراق له من الغنى و العمق و الكثرة و التنوع ما تنهض به منظومات من الابحاث النقدية و اللغوية و الاجتماعية و النفسية و الفكرية الامر الذي يضئ الكثير من حقائق اللغة و التفكير و السلوكيات و الثقافة ، فليس غريبا ان الفكر الاستعماري الحديث يُعْنى بدراسة نفسية الشعوب التي يروم احتواءها واخضاعها ، و يدرس مواقفها الإيديولوجية ونظم تفكيرها من خلال منجزها الأدبي و سرودها الابداعية يول ادوارد سعيد في (الثقافة و الامبريالية) : ان الهيمنة الاستعمارية لى الشعوب الاضعف تبدأ من تفكيك سرودها و شفاهياتها و مخيالها الشعبي حتى تنفذ من خلاله إلى تحليل هذه البنية الى التفكيك و الاحتواء ، فليس بدعا" ان يُعنى الباحث المحلي بمنجز بلده الخاص الذي يمثل جوهر خصوصية الهوية الثقافية التي ينماز بها كل شعب من غيره ، وكل امة من غيرها ،لذا تأتي عنايتنا ب قراءة مئذنة (المطاريحي) من محور هذه الهموم و الانشغالات جميعا وعنايتنا بهذا المنجزات الابداعية لرموز الشعر الشعبي العراقي العتيد وقاماته الباسقة ، لكنني ارجو ان تكون هذه القراءة مدخلا لقراءات قادمة تضمّها دراسة موسعة لهذا النبض العراقي ..أهم مداخل قراءة هذه المجموعة : اللغة الشعرية بمستواها المعجمي و التركيبي و الدلالي و الايقاعي و التي كثيرا ما تصفو حتى تتعشّق اللغة الفصيحة بل تتماهى فيها احيانا و ما يتبّقى فقط ايقاع القراءة و الانشاد :
يقول المطاريحي في مئذنته : [ أمي / مدري من الوسن عجنوا جفنها؟
مدري من جفن امي معجون الوسن ؟
مدري من طين الوطن مخلوقة امي ؟
مدري من طين امي مخلوق الوطن ؟ ] ص 6
و قوله :
آني كائن من حرير
ينذبح عصفور اموت
ينولد عصفور اطير.. ص 59
ويقول ايضا :
ضاعت البوصلة الاولى
الاحداثيات ..
نقطة التوكيد
مفتاح الطلاسم
كل حسابات الحياة
يالتشتمون البنفسج
يالتسبّون العنب
الجوع ..
مايلغي هوية
الخوف ...
ما يشرب قضية ص 106
لقد حفلت لغة المجموعة بالبعد التصويري الذي يعد معلما أساسا في شعرية اللغة حيث تميل الى تكثيف الدلالة في دوال لغوية صورية موجزة أشبه بقرع طبول .. يقول في قصيدة (مسخرة ) :
[ مسخرة /الكرة الارضية مسرح /يعرض اكبر مجزرة /ينتحب جزء الجنوبي و يستغيث/ ويضحك الجزء الشمالي من الكرة/ مسرحية تجسد احلام الكراسي / الستارة بلا ضمير / الاضاءة مزورة /كل شي بالمسرح غريب /محور القصة عصابة / المؤلف من توضة بدم حمامة / العصابة الذبحت احلام اليتامة / بين بوابة جهنم / وبين تحذير القيامة / ينهض الطف يمتلي المسرح بدمعة كربلا .....] ص 18
يتم هذا عبر (تناصّات ) تتداخل في افق اللغة /الكلام روافد متنوعة من لغة القرآن و الحديث الشريف و التاريخ و الاديان و المجتمع وثقافات مختلفة أولها ثقافة ارض الرافدين العظيمة بشخوصها و طقوسها ورموزها وواقعها بكل مفرداته و تفاصيله الصغيرة و الكبيرة ...تتحاور و تتجاور في طقس شعري يأخذك إليه ويضعك في جو الموضوعة /الكل فلا فصل و لا تحييد و لا طبقية في العقل / العاطفة / التاريخ / اليوم /الماضي/ الحاضر/النخلة / البنفسج ...........
هذا التناص الدلالي /اللغوي / الموضوعي / الاجناسي ايضا"يتيح قراءة نسقية قائمة على التحليل النصي بمعنى ان اهمية هذا (النص /المطاريحي) لها بعدها الاستشرافي ، فالقادم المستقبلي يقرؤنا في شعر المطاريحي و يقرأ المرحلة و الحقبة و الهمّ و الاشتغال كما نمارس (نحن) قراءة منجز الماضين على انه صورة لهواجس مرحلتهم وزمنهم وثقافتهم .. فكم اديب كان صورة عصره بحق ؟ و كم اديب مثّل همّ مرحلته وفئته المنتمي الها وما يهجسه عند الجمهور ؟؟ وكم اديب كان (الرائي) البصير و ليس المبصر فقط ..بشرط توافر عناصر الجمال التعبيري و القدرة التصويرية و الابتكار الاسلوبي و التنويع في التركيب في تناول الموضوعة و الاحساس بالمرحلة ، والا تحوّل الشعر الى وثيقة تاريخية او اجتماعية او سياسية . ان الشعر وثيقة ذاته منه تُقرأ الحقائق و هو الشاهد الرائي الناقد المختلف ازاءها و فيها ومنها وليس مرآة عاكسة فله شأنه ان تكون مراياه مقعّرة او محدبة .. فهو أمير رأيه و بصيرته و كشوفاته وهو دليل مجسّاته المرهفة : يقول المطاريحي :
[ ما أفكر أبني موضع
ولا أدوّر عن شبيه
و لا أخاف من انقلاب
و ما افتش عن مغارة
وروحي يسكنها حراء
وشعاراتي
قل اعوذ من الحضارة
التوكف اعله اشلاء اهلها
قل اعوذ من الارث لو صار آفة
قل اعوذ من الخلاف عله الخلافه.......] ص58_59
كما تتجلّى في شعر المطاريحي امكانية التنافذ بين الاجناس الادبية في منظومة (_النص)فتظهر الامكانية و التفوق في ادارة المعنى و الخيال الشعري في أطر فنية وبنى أجناسية مختلفة بين ( تراجيديا وطن ) ص 34 ، وتقنية الحوار في قصيدة (شرف دجلة) ص79 ، ومسرحية (مسخرة) ص18 .. فضلا عن قصائد اللمحة او الضربة التي تعتمد التكثيف في العبارة و الدقة في الدلالة ، و حرفيّة التشكيل في بناء وحدة فنية موضوعية فلا ترى في القصيدة او المقطوعة لفظة الا في مكانها و السياق محتاج اليها ودلالة ذلك صفاء الوعي، و شفافية الروح الشعري ، و صدق الشعور، و بساطة التعاطي مع معاني الحياة و الوجود لذا يتم رسم المشهد و الابانة و الايحاء في التعاطي مع المفارقة و التضاد على نحو ساع ل (شعرنة الواقع ) و تفاصيله اليومية الامر الذي اجد من الضروري الاشارة اليه ان شعر المطاريحي منجز يستحق القراءة و التذوق و التفاعل و التحليل على وفق معطياته البنائية و الاجناسية و التناصية و الدلالية و الثقافية تنتظمها رؤية (تداولية ) تقرأ المعنى و ظلاله من خلال (خطابه) المقصود وليس (ملفوظه) فقط .
هذه اهم محاور القراءة التحليلية لمنجز شعري متميز يطرح ذاته صوتا ابداعيا معاصرا في الادب الشعبي العراقي الذي به حاجة كبيرة و ضرورية لقراءة الوعي المعاصر و اللغة المعاصرة فكل مرحلة لها اصطلاحاتها الخاصة و مبدعاتها المعبّرة عن مستجدات الحياة و الواقع و حركية الاحداث و هذا الامر في توالد مستمر و لن ينتهي ابدا ما دام الانسان و ما دامت اللغة اصوات يعبر بها كل قوم عن اغراضهم ..كما يعرّفها علماء اللغة المحدثون ..لذا يجئ الادب الشعبي معبّرا صريحا كاشفا ناقدا لمتغيرات الواقع خارقا لأنساق قارّة طارحا أنساقا مغايرة يظل يتحاور فيها (النص) و ( النسق ) في طقس ابداعي جليل يستحق الدراسة و التوثيق و الاحتفاء برموزه العالية و نماذجه الخالدة و أسئلته الدالة .


______