دولة الغش

محمد طلعت
2016 / 6 / 13


أساليب الدولة (أي دولة) ذات النظام الديكتاتوري المتسيد الذي لا يرى في المجتمع سواه. وحده فقط من يملك المنطق وأدواته ومقدماته ونتائجه، بل يصل به التطرف إلى حد التجبر بفرض نتائج معينة يريدها تحديدا أن تصل إلى جماهيره سواء المؤيدة أو المعارضة.

وعلى صعيد الأضحوكة من الجماهير (المؤيدة أو المعارضة) أن الجماهير ذات نفسها تعلم منطق الدولة. لكنها تُسير حالها، وتمضي إلى حال سبيل منطقها الخاص للتعايش. يمضيان معا في خطين متوازيين. مقرر لهما أن لا يلتفا حول بعضهما بعضا، وإن التف صارت النكسة بين منطق الحيتان والأسماك الصغيرة التي غالبا ما ترضخ لمنطق الدولة بل تخرج الجماهير هاتفة بمنطق الدولة وتسيده إلى حين اعوجاج ما، ثم يمضى كل منهما إلى سبيل منطقه الخاص.

وفي نفس السياق تتجلى تجربة دولة يوليو المصرية وحتى الآن، بل تتجلى بوضوح شديد في فكر النظام الحالي(دولة 30 يونيو) الابن الأكثر شرعية والتصاقا بنظام يوليو. وبغض النظر عن تقمص النظام الحالي سلبيات دولة يوليو وإصراره على إدارة دولته وجماهيره بنفس آلية العهد البائد. إلا أن النظام الحالي يتعامل بطريقة" الدخلة البلدي" الذي يقف فيها الأب/ النظام رافع الرأس يردد :" أنا قد الدنيا" يوجه نصائحه وخبرته إلى العريس/ الجماهير لفض بكارة العروس.. لكن الإجراء المعلوم للجميع أن الأب جهول بظروف أهل بيته، وأن العريس غشيم عنين، وأن البكارة دم رقبة حمامة..!

الغش، هو المنطق المشترك بين الجميع، وهو من جلب فكرة "رقبة الحمامة"، وكل طبقة اجتماعية أو سلطوية لها رقبة حمامتها الخاصة للتمرير غشها المنمق الجميل، ليحتلوا أماكن ونفوذا وصيتا ليس لهم أي أحقية فيه.

الدولة والجماهير كلاهما له منطق الغش الحلال الذي به يفرض نتائج معادلته على الجميع بقلب مستريح ومطمئن بأن ما فعله هو الصواب وعلى الكل أن يشيد بإنجاز معادلته ومقدماته ونتائجه. المفترض يعني أن الكل يصفق ويغني...

والنموذج الأكثر فشلا للمنطق الدولة وجماهيرها هو الغش في التسريبات بصفة عامة، وخاصة تسريب امتحانات الثانوية العامة، الذي كشفه بوضوح معضلة صفر مريم (رقبة الحمامة البلدي) التي زفها نظام الغش العام بين الدولة والجماهير.. ثم المعضلة الحالية من التسريب الجماعي لأغلب أسئلة الامتحانات مع الإجابة النموذجية..!

المشترك بين دولة يوليو ويونيو معضلة تسريب الامتحانات. لكن النظام الأول علقها في رقبة إسرائيل، والثاني علقها وزيره في رقبة الجماعة الإرهابية، والغريب أن الدولة نفسها تمرر بين جماهيرها بأن بعض الأجهزة الحساسة والأمنية هي من تقف وراء تسريب أسئلة الامتحانات لهذا العام، وهي نفسها التي افتعلت أزمة طالبة الصفر العام الماضي، لكى يتخذ النظام هذه الوقائع كحجة لإلغاء مكتب التنسيق .. وهو ما سيؤدى إلى دخول أبناء الحكام والمسئولين فى الجيش والشرطة والقضاء والمخابرات لكليات القمة بدون المرور على مكتب التنسيق. (يا سلام!!!)

وأعتقد أن تسريب هذه الإشاعة/ النتيجة على الدولة تأتي من باب "الهبل في استنتاج النتائج"، لكن هذا الاستنتاج الأهبل، لهو ابن هبل النظام الحالي الذي لا يطور أدوات منطقه الذى أدمن الغش.

وأخيرا، كل ما هنالك، فوضى داخل دولاب النظام الذي يضرب نفسه بنفسه بهذه الأفعال، لكن على النظام أن يتعلم أبسط قواعد الحنكة السياسية. وهي، قاعدة تهدئة الشارع لا الصدام معه.

والكلمة الأخيرة، التعليم هو من يبني الدولة، وهو من يهدمها. والتعليم هو من يقوي النظام، وهو من يسقطه..!