ذراع أردوغان الطويلة تمتد إلى أوروبا

ناجح العبيدي
2016 / 6 / 12

يتصور كثيرون بأن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فقد اتزانه وبدأ يتخبط يمينا وشمالا. وبالفعل فإن الكثير من تصرفاته المتغطرسة وخطاباته المتشنجة توحي بأن لم يعد يعي جيدا وضع تركيا داخليا وخارجيا، ويبني مواقفه على قناعات شخصية بعيدة عن الواقع. ولعل طريقة إعلانه عن المشاركة في تشييع محمد علي كلاي ومن ثم انسحابه من التشييع بعد حرمانه من إلقاء خطاب بصفته "زعيم الأمة الاسامية" ما هي إلا مثال بسيط على السلوك غير المتزن "للسلطان العثماني الجديد". والأخطر من ذلك هو إدخاله بلاده في صراعات داخلية مع الكرد والمعارضة وفتح جبهات خارجية مع جيرانه، بدأت بسوريا والعراق وامتدت إلى روسيا. والآن يُصر أردوغان على جر تركيا إلى صراع مع أوروبا، وخاصة مع ألمانيا. ولم يكن قرار البرلمان الالماني في مطلع شهر حزيران/يونيو الجاري باعتبار مذابح الأرمن في زمن الإمبراطورية العثمانية "جريمة إبادة جماعية" سوى حلقة في سلسلة الخلافات التي تعمد الرئيس التركي إشعالها مع بلد يعتبر أهم شريك تجاري له وحليفه في الناتو.
غير أن أردوغان يسير في طريقه دون أي اهتمام بالانتقادات الموجهة له، ويبدو أنه مقتنع تماما بأنه سيفرض طموحاته وأحلامه بالزعامة وسيحتفل في عام 2023 بالذكرى المئوية لتأسيس تركيا وقد نجح في الإطاحة بتمثال مؤسسها كمال أتاتورك ونصب بدلا منه تمثاله باعتباره زعيم تركيا الحديثة. ومن الواضح أنه يرى نفسه في موقف القوى والقادر على تغيير المعادلة بفضل "عزيمته" التي لا تلين، مستندا في ذلك إلى تجارب سابقة . وكان آخرها إصراره على خوض انتخابات مبكرة والتي نجح فيها في استعادة الأغلبية المطلقة في البرلمان في نتيجة مفاجئة خالفت كل التوقعات. بعدها نجح بكل سهولة في إزاحة أهم منافسيه رئيس الوزراء السابق داوود أوغلو ، ليمهد بذلك الطريق نحو إقامة نظام رئاسي، يكون فيها أردوعان "الزعيم الأوحد".
وإنطلاقا من تصورات القوة (أو أوهامها) بدأ قائد حزب العدالة والتنمية الإسلامي بما أسماه خطة عمل ضد ألمانيا لمعاقبتها على قرار اعتبار مذبحة الأرمن إبادة جماعية. وكان أول الإجراءات هي التهجم بشكل سافر على البرلمان الألماني ، وخاصة على النواب من أصل تركي. ولم يكتفِ أوردوغان بوصفهم بأنهم بوق لحزب العمال الكردستاني ، بل وشكك علنا في صحة أصولهم التركية وطالب بفحص دمهم ، قائلا بإن دمهم "فاسد" مثل دم "الإرهابيين" على حد تعبيره، والسبب هو تصويتهم لصالح القرار. ومن بين هؤلاء النواب الاحد عشر كانت حصة الأسد في هذه الإساءات من نصيب رئيس حزب الخضر "جيم أوزديمير" الذي تلقى تهديدات بالقتل الأمر الذي دفع الشرطة الألمانية لوضعه تحت الحراسة.
ما عدا ذلك جاءت ردود الفعل الألمانية على الهجوم الشديد اللهجة لأردوغان باهتة للغاية . فباستثناء رئيس البرلمان الألماني "لامرت" الذي أدان بوضوح تهديدات الرئيس التركي بحق زملائه، اكتفت المستشارة الألمانية "ميركل" بالقول بإن اتهامات الجانب التركي "لا يمكن تفهمها". وللعلم فإن ميركل ووزير خارجيتها تعمدا التغيب عن جلسة البرلمان أثناء التصويت على القرار الخاص بمذابح الأرمن في تركيا أبان الحرب العالمية الأولى، وذلك في محاولة لتجنب مزيد من التوتر في العلاقات الالمانية-التركية.
غير أن سلطان أنقرة ، وكما يبدو، فهم الرسالة بشكل آخر ورأى فيها ضعفا في موقف الحكومة الألمانية. ويعتقد أردوغان بأن لديه عناصر قوة تسمح له بابتزاز أوروبا، وخاصة ألمانيا الدولة الأكبر والأقوى في الاتحاد الأوروبي. وتتلخص أهم أوراق الرئيس التركي في ملفين أساسيين، الأول أزمة اللاجئين ، والثاني الجالية التركية الكبيرة في ألمانيا. فالمستشارة الألمانية، التي أقدمت على فتح حدود بلادها في سبتمبر / أيلول الماضي تجد نفسها في مأزق حقيقي بعد وصول أكثر من مليون مهاجر في العام الماضي وحده إلى ألمانيا حيث يُنظر إلى إندماج هؤلاء المهاجرين باعتباره التحدى الأكبر للبلاد منذ الحرب العالمية الثانية. وفي ظل الانتقادات الكثيرة لسياستها في التعامل مع أزمة اللجوء اضطرت ميركل لعقد اتفاقية مع تركيا، الممر الأهم لتدفق اللاجئين، بأمل أن تساعد أنقرة في حل هذه الأزمة. ومنذ توقيع الاتفاقية في شهر آذار/مارس الماضي لم يتوقف أرودغان عن التهديد صراحة باستخدام هذه الورقة ومحاولة ابتزاز أوروبا للحصول على مزيد من الامتيازات المالية وفرض إعفاء الأتراك من تأشيرة دخول دول الاتحاد الأوروبي والإسراع بمفاوضات إنضمام أنقرة إلى الاتحاد.
وعلاوة على ذلك يعتقد الرئيس التركي بأن لديه ورقة لا تقل خطورة، وهي الأتراك والألمان من أصل تركي المقيمون في ألمانيا والذين يقدر عددهم بنحو ثلاثة ملايين. ورغم أنهم يعيشون في ألمانيا منذ سنوات طويلة واكتسب الكثير منهم الجنسية الألمانية، إلا أن القيادة الاسلامية في تركيا تعتقد بأن ولاء عدد كبير منهم ليس لألمانيا وإنما لتركيا. وبالفعل هناك مؤشرات تؤيد هذه الفرضية إلى حد ما. فعلى الرغم من الانقسام الواضح في الجالية التركية ووجود الكثير من الكرد والعلويين الرافضين لسياسة حزب العدالة والتنمية ونهج زعيمه ، إلا أن هناك أيضا جزءا لا يستهان به من الجالية التركية يبدي إعجابا كبيرا بأردوغان وبإسلوبه العدواني وبـ"قوة" شخصيته. ولهذا فقد تلقف البعض منهم شتائم أردوغان بحق النواب الألمان من أصل تركي وترجمها إلى تهديدات بالقتل. ولا يستبعد أن تواجه ألمانيا في المستقبل مشاكل أكبر مع "أتراكها".
كما دأب أردوغان مؤخرا على بعث رسائل غير مطمئنة إلى أوروبا، ومنها مثلا الاحتفال الكبير بسقوط القسطنطينية عاصمة الامبراطورية البيزنطية والتي استغلها الرئيس الإسلامي للترويج لأمجاد الامبراطويرية العثمانية والتي وصلت جيوشها الغازية إلى أبواب العاصمة النمساوية فينا. ثم جاءت دعوته للنساء التركيات لإنجاب المزيد من الأطفال واعتباره تنظيم النسل بدعة تخالف تعاليم الدين الاسلامي، لتزيد من حالة الارتباك لدى الاتحاد الأوروبي في التعامل مع بلد كبير مرشح للانضمام اليه.
وتطرح كل هذه التطورات التساؤلات عن أهداف السلطان العثماني المنتخب ديمقراطيا وطموحاته التي تبدو وكأنها لا تقف عند حد، بل ويبدو مستعدا لتنفيذها مهما كان الثمن. فأردوغان لا يغامر بمزيد من التدهور في علاقات تركيا مع أوروبا ، ومع ألمانيا بالذات فحسب، بل يبالغ في استخدام أسلوب التهديد والوعيد واتخاذ المزيد من الإجراءات الاستفزازية التي يمكن أن تؤدي على المدى المتوسط إلى اندلاع صراع مفتوح بين تركيا ودول الاتحاد الأوروبي. كما أن أسلوبه المتعجرف يهدد تركيا بمزيد من العزلة الاقليمية والدولية في ظل تصاعد الخلافات مع معظم جيرانها. وفي الداخل يواصل الرئيس الإسلامي صب المزيد من الزيت في حربه ضد الكرد ويتخذ المزيد من الاجراءات القمعية لخنق المعارضة وإسكات الاعلام المستقل تمهيدا لإقامة نظام استبدادي بقيادة الزعيم الأوحد.
هذه النهج الأرودغاني لا ينطوي على مغامرة خطيرة فحسب ، وإنما يوحي بالفعل بأنه يعاني من جنون العظمة. وهو مرض ابتلت به منطقتنا منذ عقود، ونتائجه مفتوحة على كل الاحتمالات.